«أن بذرة هلاكنا سوف تينع في الصحراء»

(توماس ولف: اديري ناظريك نحو الوطن يا ملاكي)

«عندما نملك سياسة تتطلع إلى المواجهة المستقبلية، فإن الولايات المتحدة سوف تحدث فرقا كبيرا في العالم. سوف تتدخل مبكرا، وسوف تبحث عن المعارك بشكل أفضل»

(جنرال انتوني زيني ـ رئيس الأركان الأميركي السابق.)

الاقتباس من: نيل فيرغسون، الجبار ـ كولوسوس، 2005.

(1) يصور الغرب تاريخ البشرية الثقافي المشترك وكأنه يبدأ من عصر الأنوار بين القرنين السابع عشر والثامن عشر. وأن البشرية بالتالي مدينة للغرب بالأفكار المؤسسة للحضارة الإنسانية، التي اكتملت عناصرها بالثورتين الأميركية والفرنسية. وأن حكمة الغرب التي استقاها من عصر الأنوار هي المقياس والمعيار الذي يجب أن يحكم السلوك الأخلاقي والسياسي على مستوى العالم. وعليه فأن سلوك البشر حتى يكون معياريا لابد أن يستجيب لقيم ومعايير الغرب.

أي يجب أن تتوصل البشرية إلى إجماع على ما هو صحيح فيما يراه الغرب صحيحا، وفيما يراه الغرب خطأ. فلما انتصرت الرأسمالية الليبرالية في الغرب أصبح الفكر الليبرالي هو الفكر المؤسس للعصر الحديث. ولذلك فكلنا الآن ديمقراطيون حسب مواصفات الغرب، وكل ما عدا ذلك من مقاومة واشتراكية وجهاد هو خطأ وظلال. وأريد هنا أن ابين أن هذا الزعم هو زعم باطل، وأن هناك جانبا مظلما، بل شديد الظلام لفكر عصر الأنوار، تبحث له الأعذار بسبب انقضاء الزمن وبعد المسافة التاريخية عن عصرنا الحاضر.

(2) إن فكر عصر الانوار الذي علمنا قيم الحرية والعلمانية واحترام حقوق الإنسان هو الفكر نفسه الذي أسس لعنصرية الغرب العرقية والثقافية (أي التمييز ضد الأديان والثقافات الأخرى). وأن حكمة الغرب لا تصلح معيارا للسلوك الإنساني، لان العنصرية صفة متأصلة فيها. فعنصريته مؤدلجة أي أنها جزءا من سبب وجوده ومن تفوقه. وهي ليست قيمة طارئة او تحيزا ظرفيا ضد الأجانب أو ضد الآخرين كما في الثقافات الأخرى.

أي أن عنصرية الغرب جزءا من نظام الأفكار - الايدولوجيا التي حافظت على وجودها وفاعليتها حتى الوقت الحاضر. عنصرية تستجيب للمصالح المادية التي ارتبطت بالامبريالية والاستعمار. فمصالح الغرب المادية هي التي تقود أفكار الغرب وأحكامه الخلقية، وليس العكس. والرأسمالية الغربية قد شوهت وعطلت حكمة الغرب، بحيث يتطلب منا تصحيح الوضع أن ننادي بعصر أنوار عالمي جديد، للتغلب على هذا التشويه والتعطيل الباثولوجي ـ المرضي الملازم للرأسمالية الغربية، حسب تعبير البروفيسور الألماني اكسل هونت (في كتابه باثولوجيا الفكر).

(3) يقول آلان غريش في الليموند دييبلوماتيك (ابريل 2008) «أن عصر الأنوار الذي شهد مواجهة الفلاسفة للملوك وللاستبداد وللكنيسة، هو أيضا قرن توسع تجارة الرقيق إلى حدها الأقصى (القرن الثامن عشر). وفي القرن الذي سبقه عندما شعر الجميع (الغربيين) بالحاجة إلى القوى العاملة في المستعمرات تم استغلال الشعوب المحلية حتى إذا ما ابيدت أو كادت لجأ الغرب إلى تشجيع «المتطوعين الأوروبيين» إلى الهجرة إلى خارج بلدانهم».

ويؤرخ توماس ولف لهذه الموجات البائسة من الهجرة والتهجير في كتابه الرائع: تاريخ شعوب بلا تاريخ، كيف نقل الهنود والآسيويون إلى إفريقيا، وكيف استعبدت الشعوب المحلية في الأميركيتين. أما تاريخ النخاسة والرق في الأميركيتين فهو تاريخ كئيب ومعروف. وفي أثناء الثورة الفرنسية التي مهدت لانتشار أفكار الحرية والإخاء والمساواة، لم يتحرك الشعب ضد الاستعباد ولم يدخله في أولوياته.

(4) ومن يجد لهذه الحقبة الأعذار فأنه لن يكون معذورا عندما نقرأ لأحد حكماء الغرب الذي نظر للحرية والسلام وهو أحد آباء الليبرالية الأوربية أمانويل كانت الذي يتحدث في رواية عن أحد النجارين السود، الذي يقول ما نصه «وفي خلاصة الأمر، فإن هذا الشخص الكامل السواد من اخمص قدميه إلى رأسه، لدليل واضح على غباءه».

وهذا ديفيد هيوم أحد فلاسفة الحرية يتكلم بصراحة عنصرية متناهية عندما يقول: «أنا مستعد للشك بأن الزنوج، والأجناس الأخرى عامة (وهناك أربعة او خمسة أجناس مختلفة) دونية بطبيعتهم عن البيض». ومونتسيكيو في المجلد الخامس من كتابه عن روح الشرائع يبرر الاستعباد مستندا إلى الفروق في المناخ بين إفريقيا وأوروبا محذرا من الإلغاء السريع للرق.

(5) وهذا الرئيس الأميركي اندرو جاكسون، أحد الآباء المؤسسين للديمقراطية الأميركية، عصا حكما من المحكمة العليا في البلاد بأحقية السكان الأصليين بأرضهم، وأمر بانتزاع قبائل الشيروكي بشكل همجي من موطنهم المؤلف من قرابة المائة ألف كيلو متر مربع، فوضعوا في معسكرات اعتقال، ثم نفيوا إلى مناطق الهنود خلف نهر المسيسيبي بين سنتي 1838 و1839. «ومات الآلاف منهم في درب الدموع ».

وعندما استسلمت قبائل الاوتوا والدلاوير، أعلن اللورد جيفري امهرست صراحة رغبته بإبادتهم جميعا، بأن وزع عليهم بطانيات ملوثة بجراثيم الجدري. فكان من نتيجة ذلك أن قضى 75% منهم (من السكان الأصليين) في عدة أسابيع، بما يفوق أي هولوكوست يستطيع أن يبتكره الغرب (مقتبس من كتاب جيمس ولسون: والأرض أيضا سوف تنتحب).

(6) وعنصرية الغرب لا يفتضح أمرها في العلوم الاجتماعية والسياسات الفعلية، وإنما يمتد إلى العلوم الطبيعية أيضا. ولن ننسى المضامين العنصرية التي يمكن أن تستخلص من نظريات مالثوس، التي تفترض عدم تناسب الزيادة البطيئة في إنتاج الغذاء مقارنة بالزيادة السريعة في السكان. فأي إجراء من شأنه التخلص من الزيادة الفائضة في السكان الأقل حظا (من الفقراء) يكون مقبولا استنادا إلى هذه النظرية العلمية!

ويجب أن لا ننسى كذلك كيف وظف هربرت سبنسر وآخرون من المؤمنين بالهندسة الجينية، نظرية داروين في الانتخاب الطبيعي والتي تلقفها النازيون والفاشست في نظرياتهم عن التفوق العرقي للجنس الأبيض. علما بأن الاسكندينافيين هم من طبق سياسات الهندسة الجينية بالتخلص من المعوقين والمتخلفين عقليا.

(7) يصور الغرب كذلك أن انتقال البشرية من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين كان انتقالا طبيعيا!، وكان انتقالا مشبعا بفكر عصر الأنوار. كيف إذاً نفسر أن القرن العشرين كان أكثر القرون دموية وهمجية في حروب عنصرية عرقية لا يرتكبها إلا البرابرة العتاة؟ ونستنتج من عملية الانتقال إلى القرن العشرين ؟ عصر الحداثة، أن هذا التراث الدموي هو الدليل الهادي للطبقة السياسية والنخب الحاكمة في الغرب. ولذلك فلدينا كتاب يمجد حكمة الغرب عنوانه: من بلاتو إلى الناتو (أي من أفلاطون إلى قيام حلف الناتو).

السؤال المحير هو: إذا كانت حكمة الغرب تبرر استعباد البشر في المستعمرات وتجيز إذلالهم، كيف يمكن لشعوب الغرب أن تكون حرة كريمة؟ . أنه لأمر يتجاوز حدود العقل والمنطق أن يجعل الغرب نفسه حكما على العالم، إلا إذا كان رأي امانويل كانت، الأب الروحي للعقلانية الغربية، القائل بأن التاريخ يصنعه، وليس يكتبه، المنتصرون، رأيا صحيحا.

(8) أحسب أن اغلب ما ورد في الحديث أعلاه أمورا معلومة لدى غالبية القراء، ولكننا نأمل أن وضعها في مكان واحد، أن يذكر القراء بالحقائق التالية:

1- أن النزعة العنصرية في حكمة الغرب عقلية عامة (اثوس) لدى الطبقة السياسية والنخب الحاكمة في الغرب. ويدرك هذه الحقيقة المنصفون من مثقفيهم، كما ندركها نحن في المستعمرات القديمة وفي الدول التابعة في الوقت الحاضر.

أن المبالغة الإدراكية في تصور التهديد الموجه للغرب تهدف بشكل واع وغير واع إلى ترسيخ الهيمنة الغربية. فهي تهدف إلى توظيفها لتهيئة شعوبهم إلى مزيد من العنف والدمار على مستوى العالم. كما في عودة نظرية الدومينو، الآن أفغانستان، وغدا باكستان، وبعد غد وسط آسيا، وبعد غد الخليج.

أن (أ) و (ب) مجتمعين ومنفصلين قد أضرا ضررا قاتلا بحكمة الغرب وقدرته على إصدار الأحكام الخلقية، فلم تعد تصلح أساسا لتنظيم العلاقات الإنسانية على مستوى العالم. والهدف الآن هو إحلال حكمة أسمى وأرقى من حكمة الغرب.

د. خلدون حسن النقيب