يعيش الوضع الدولي الراهن، حالة من الترهّل غير المسبوق والخطير في آن. ثمة خلل فادح في معادلة تحدّياته ومواجهته لها. فهو بقدر ما تتفاقم مشكلاته الجماعية وتتعاظم تحدياتها، بقدر ما يكشف عن هزال تصدّيه لها. رغم شمولية أزماته، التي تهدّد كل أطرافه؛ بقي تعاطيه معها، دون الحدّ الأدنى المطلوب. بل أن قصوره يسير بصورة طردية مع استعصاء هذه الأزمات. هي تستفحل وتتعقد، وهو يتراخى ويتخبّط. سلوك الدول، خاصة المقتدرة، تجاه القضايا الملحّة والضاغطة؛ خليط من الهروب والمعاندة والقحط ونفض اليد.

كل هذه الأعراض كانت واضحة وصادمة، في ثلاثة قمم دولية متزامنة: قمة «أبيك» في سنغافورة، قمة «الفاو» في روما؛ وقمة كوبنهاغن، المقرّرة بعد أقل من ثلاث أسابيع والتي باتت بحكم المحسومة سلباً؛ من اليوم. بنود جداول أعمالها، كلها من العيار الثقيل غير الاعتيادي؛ الذي يمسّ البشرية جمعاء: تداعيات الأزمة المالية العالمية، الجوع في العالم وسخونة المناخ. كلها كشفت عن مشهد واحد من العجز والإفلاس الصارخين.

الأولى، « منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا ـ المحيط الهادئ»، لم تخرج في بيانها النهائي عن لغة بياناتها الضبابية السابقة. دعوات كثيرة، أطلقت خلالها، بشأن «إعادة التوازن» للاقتصاد العالمي، بعد الأزمة؛ وتحرير التجارة وضرورة محاربة الحمائية، فضلاً عن وضع الدولار.

لكن كلها بقيت عند حدود «الحث» و«التعهد» و«التأكيد» على الالتزام بالتوصل إلى «نتائج طموحة». مفردات خرجت بها هذه القمة في دورات سابقة لها، من دون أن تنتقل، مرة، إلى حيّز التنفيذ. ثقل الأزمة الراهنة، لم يشفع بنقلها إلى درجة أعلى من الوضوح الملزم. فقط توافقوا على وجوب مواصلة العمل بخطط التحفيز الحكومي ولغاية أن يتحقق «الانتعاش المستدام».

وهو توافق فرضه التخبط، في البحث عن البدائل. كما فرضه رفض التغيير والتشبث بالمعادلات التي أنبتت الأزمة. وفي الحالتين، يشي ذلك بوجود عجز متواصل عن التصدّي للأسباب، فضلاً عن المخاطر التي ما زالت ينطوي عليها الوضع الاقتصادي العالمي.

قمة كوبنهاغن، نسفت على ما يبدو، قبل انعقادها. وحتى لو عقدت، في موعدها، فإنها باتت محكومة بالتمييع والترحيل. الأمل بأن يجري خلالها التوصل إلى اتفاقية أقوى؛ تخلف «كيوتو»؛ تبخّر. في سنغافورة، حصل التفاهم على صرف النظر عن بلوغ مثل هذا الهدف الموعود. الذريعة، أن المدة الفاصلة لم تعد تكفي لـ «صياغة» بديل مناخي ملزم، بهذا الحجم !

وكأن السنوات والمؤتمرات العديدة السابقة، لم تكن كافية للإعداد لمثل هذا الموضوع البالغ الأهمية. بل المصيري. لكن واقع الحال لم يعد خافياً على أحد: الدول النامية والصغار، لن يلتزموا بمعدلات تخفيض الغازات الدفيئة؛ ما لم تلتزم الدول الغنية بالخفض كما بمساعدة البلدان الأفقر، على تنفيذ هذا الالتزام. ولما كانت أميركا النافث الأول لهذه الغازات، ترفض المضي بمثل هذه المطالب؛ فإن التوصل إلى اتفاقية جديدة وأكثر فعالية، يبقى أمراً بعيد المنال.

الرئيس أوباما، سبق وتعهّد بالعمل على مثل هذا الخفض. لكن الكونغرس يمانع بقوة. والرئيس عجز عن حمله على تغيير موقفه. وعليه فإن التوجه الآن أن يصار في كوبنهاغن، إلى الاكتفاء بوضع «إطار سياسي لمفاوضات مناخية لاحقة». ولتذهب السخونة إلى الجحيم !

أما ذروة التقزّم والتحلل من المسؤولية الدولية والإنسانية، فقد كانت في قمة «الفاو». الأرقام التي ذكرها الأمين العام للأمم المتحدة في القمة، عن الجياع وسوء التغذية وعدد ضحايا الجوع في العالم؛ مأساوية ومعيبة. أكثر من مليار ومئة مليون جائع. ستة ملايين طفل يموتون سنوياً من سوء التغذية. والأرقام مفتوحة على الزيادة.

الأنكى، أن الدول الثماني الأغنى ـ ما عدا إيطاليا بحكم استضافتها للقمة ـ غابت عن القمة. الرسالة، أنها غير مبالية ولا معنية. لا المبالغ التي تعهدت بها سابقاً أوفت بها، على ضآلتها نسبياً. ولا المؤتمرون تعهدوا بأكثر من «العمل على تقليص عدد الجياع إلى النصف حتى 2015».

الصورة التي تبثها هذه القمم، أن عالم الكبار ليس فقط مدمناً على إنتاج الأزمات. بل أيضاً متمسحاً (من تمساح) إزاء أخطارها وكوارثها المرعبة. ربما لأنه يخلو من «الكبار»، أصحاب النظرة الكونية والقدرة على اتخاذ قراراتها.

فيكتور شلهوب