ثمة نوع من التسابق على الحلبة الدولية بين حكومة إسرائيل برئاسة نتانياهو والسلطة برئاسة محمود عباس، بشأن التسوية، وبخصوص البت بشأن قيام دولة فلسطينية.
ويبدو أن إسرائيل استشعرت، خلال الأيام الماضية، بتحسّن مركز السلطة، على الصعيد الدولي، بعد أن نفّذت القسط الخاص بها من «خريطة الطريق» (الجانب الأمني)، وحققت نوعا من الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الضفة، وبعد ان رتبت أوضاعها الداخلية (بعقد مؤتمر فتح وجلسة المجلس الوطني)، ما جعلها أكثر قدرة على التحرك لجلب التعاطف مع القضايا التي تطرحها. وما فاقم الأمر بالنسبة لإسرائيل قيام حكومة سلام فياض (في نهاية أغسطس المنصرم) بالإعلان عن خطتها بشأن إقامة مؤسسات الدولة الفلسطينية للإعلان عن قيام هذه الدولة في غضون سنتين.
وقد نظرت إسرائيل إلى هذه التطورات بحذر وقلق شديدين، برغم تحكمها بأوضاع الفلسطينيين، ما جعلها تقوم بكل ما من شأنه إحراج السلطة أمام شعبها (الاعتداءات على الأقصى والأنشطة الاستيطانية ومحاولات انتزاع البيوت من ساكنيها في القدس)، كما حاولت تأليب الإدارة الأميركية على السلطة، بدعوى أنها باتت تفرض شروطا على استئناف المفاوضات، وأنها تعرض المسؤولين الإسرائيليين على محاكم دولية.
بالنتيجة يبدو أن إسرائيل نجحت في ثني الإدارة الأميركية عن مواقفها السابقة بشأن تجميد كامل الأنشطة الاستيطانية كشرط لاستئناف المفاوضات (وهو ما تجلى في تصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في المنطقة مؤخرا).
لكن هذا التحول لم يثن السلطة، إذ إنها بدلا من ذلك قامت باتخاذ خطوة كبيرة، ذات دلالات خطيرة على عملية التسوية، تمثلت بإعلان الرئيس عباس عزوفه عن الترشح في الانتخابات المقبلة، احتجاجا على تشبّث إسرائيل باستمرار الاستيطان، وعلى محاباة الولايات المتحدة لها، واقتناعا منه بأن عملية التسوية باتت أمام أفق مسدود.
لم تقف الأمور عند هذا الحد، إذ تم تصحيح تصريحات كلينتون (من قبلها ومن قبل البيت الأبيض)، وبعدها جاءت زيارة نتانياهو إلى واشنطن، ولقاؤه بالرئيس أوباما، لتؤكد أن الأمور ليست على مايرام؛ حيث عادت فكرة الضغط الأميركي على إسرائيل لتليين موقفها في عملية التسوية.
ومن جهتها، فإن السلطة لم تكتف بإعلان رئيسها العزوف عن الترشح في الانتخابات، وإنما قامت أيضا بالدعوة لعقد اجتماع للجنة المتابعة العربية لعملية السلام، التي شنّت من خلالها هجوما سياسيا ودبلوماسيا على إسرائيل، تمثل بطرح قضية إعلان الدولة الفلسطينية في حدود الرابع من يونيو (1967) على مجلس الأمن الدولي، ودعوته لتحديد حدود هذه الدولة والاعتراف الكامل بها في الأمم المتحدة، في تحد جديد وجدي لإسرائيل، وكرد على سياساتها المتعنتة.
ومشكلة إسرائيل أن هذه التطورات تأتي في ظل التحول الدولي نحو الضغط عليها، لتسهيل إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، خصوصا أن هذا التحول تقوده الولايات المتحدة؛ في ظل إدارة مقتنعة بأن حل أزمة الشرق الأوسط يسهل عليها حل الأزمات التي تواجهها (من باكستان وأفغانستان إلى العراق ولبنان مرورا بالملف الإيراني).
ومشكلة إسرائيل أيضا أن جميع الأطراف المعنيين (لاسيما الفلسطينيين) باتوا مقتنعين بفكرة مفادها أن الدولة الفلسطينية إما تقوم في هذه المرحلة، وإلا فإنها لن تقوم، ما سيبدد كل الجهود التي بذلت لتحقيق السلام في المنطقة، ما يضع إسرائيل في مواجهة وضعها كدولة ثنائية القومية، بحكم الأمر الواقع.
إضاءة
بحسب تقرير صحفي كتبه باراك رابيد، فإن إسرائيل باتت تتخوّف من «إعلان استقلال فلسطيني من طرف واحد، على دولة في حدود 1967، تحظى باعتراف مجلس الأمن في الأمم المتحدة»، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتانياهو طلب مؤخرا من الإدارة الأميركية فرض الفيتو على مشروع كهذا، في أعقاب تقارير وصلت إلى القدس عن تأييد لهذه الفكرة من جانب دول مركزية في الاتحاد الأوروبي وكذا من محافل أميركية على ما يبدو..
وحسب التقارير التي وصلت إلى إسرائيل، فإن رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض كان وصل إلى تفاهم سري مع إدارة أوباما على اعتراف أميركي لدولة فلسطينية مستقلة في حدود ,1967. مثل هذا الإعلان من المتوقع أن يحول كل تواجد إسرائيلي خلف الخط الأخضر ـ حتى في القدس ـ غزوا غير شرعي.. بحيث يصبح حينها من حق الفلسطينيين الدفاع عن النفس.. إمكانية أن تتم بالفعل خطوة فلسطينية أحادية الجانب لادعاء السيادة على حدود 67 تقلق إسرائيل جدا.
منتدى السباعية (المطبخ السياسي ـ الأمني للوزراء) أجرى في الأشهر الأخيرة عدة مداولات حول هذا الموضوع. «هذه خطوة خطيرة للغاية»، قال مصدر سياسي كبير في القدس. «المزيد فالمزيد من الوزراء في المجلس الوزاري يفهمون بأن انعدام فعل سياسي من جانب إسرائيل من شأنه أن يؤدي إلى دعم دولي لخطة فياض». («هآرتس» 118)
