كل المؤشرات تفيد بأن عملية التسوية، التي انطلقت من مدريد (1991) بوعود «الشرق الأوسط الجديد»، تقزّمت كثيرا بفعل تملصات وسياسات الأمر الواقع الإسرائيلية، إلى مجرد نوع من السلام الاقتصادي في المنطقة، ومجرد إنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح وبحدود مؤقتة.
ومن مراجعة مسارات هذه العملية، منذ اتفاق أوسلو (1993)، يتبين بأن حكومات إسرائيل جهدت لتحويل هذا الاتفاق الانتقالي إلى اتفاق دائم، وتجويف محاولات الفلسطينيين خلق دولة مستقلة لهم في الضفة والقطاع المحتلين، بالاستيطان والجدار الفاصل والقيودات الأمنية والاقتصادية.
شرعية الاستيطان
في عهده ميّز رابين بين المستوطنات الأمنية والسياسية، لإضفاء الشرعية على الاستيطان، وطيّر مواعيد استحقاقات الاتفاق المذكور. وإبان عهده الأول (1996 ـ 1999) ضيّع نتانياهو ثلاثة أعوام من عمر التسوية في مجادلات عقيمة حول التبادلية وأولوية الأمن واتفاقيتي الخليل وواي ريفر (الخاصة بانسحاب إسرائيل من 1,13 بالمئة من مساحة الضفة). وفي هذه المرحلة توقفت المفاوضات متعددة الطرف ومؤتمرات القمة الشرق أوسطية (للتعاون الاقتصادي).
وبدوره تهرّب باراك، خلال رئاسته للحكومة (1999 ـ 2001)، من استحقاقات الحل الانتقالي (مدته خمسة أعوام)، بعد أن انتهت هذه المدة بدون تنفيذ إسرائيل لها، بالتحول مباشرة نحو التفاوض على قضايا الحل النهائي (اللاجئين ـ القدس ـ المستوطنات ـ الحدود ـ الترتيبات الأمنية)، على اعتبار أن هذا الوضع يمكّن إسرائيل من الضغط على الفلسطينيين في هذه القضايا.
وقد فشلت هذه المفاوضات التي جرت برعاية أميركية، في كامب ديفيد (يوليو 2000)، وتم تحميل المسؤولية حينها للرئيس الفلسطيني الراحل. ونجم عن ذلك توجه الفلسطينيين للانتفاضة التي ردت عليها إسرائيل بعنف شديد وكأنه ليس ثمة عملية تسوية.
وبعد باراك أكمل شارون (2001 ـ 2004) عملية تقويض السلطة باحتلال المدن الفلسطينية، ومحاصرة رئيسها (من أواخر العام 2001 إلى رحيله أواخر العام 2004)، وأيضا بطرحه مشروع الانسحاب الأحادي من غزة، للتحرر منه، وتحويله بالحصار إلى عبء على الفلسطينيين؛ في خطوة مناقضة لاتفاق أوسلو.
أما أولمرت فقد انشغل في عهده (2005 ـ 2008) بالمجاملات الدبلوماسية، وبتعزيز مكانة حزبه كاديما، وبمحاولته طرح اتفاق «رف» على الفلسطينيين، لذلك انتهى دون أن يقدم شيئا لا لعملية التسوية، ولا بشأن التسهيل على السلطة. وكانت النتيجة صعود حماس في الانتخابات (2006) وسيطرتها على غزة (2007)، وشن حربين إجراميتين مدمرتين ضد لبنان (2006) وغزة (أواخر عام 2008).
نتانياهو يواصل الهروب
الآن، يواصل نتانياهو (في حكومته الثانية) طريق التملص من استحقاقات التسوية، وإبقاء الوضع على حاله، بشأن التعامل مع الفلسطينيين، بمعنى الاستمرار في عملية المفاوضات، مع تعزيز الاستيطان في الضفة، ولاسيما في القدس، مقابل مجرد تخفيف القيود على أنشطتهم الاجتماعية والاقتصادية.
فوق ما تقدم يتعمّد نتانياهو قلب الحقائق بإظهار السلطة باعتبارها تضع شروطا على استئناف المفاوضات، في حين يصور نفسه كمن يسعى للمفاوضات من دون شروط، في نوع من المخاتلة! صحيح أن نتانياهو بات لا يضع شروطا على استئناف المفاوضات، كما في السابق، مثل «التبادلية»، والأمن، إلا أنه يضع شروطا قاسية على مآلاتها ونتائجها. وهذا ما يؤكده نتانياهو بقوله: «لم أطرح يوما شرطاً مسبقا لإجراء محادثات مع الفلسطينيين ولا مع أي كان. لكنني اطرح شروطاً واضحة جدا في شأن نتائج المفاوضات.» («إسرائيل اليوم، 916)
وشروط نتانياهو هي: اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، وقبولهم بدولة منزوعة السلاح، وشطبهم حق العودة للاجئين، واعترافهم بالقدس موحدة تحت سيادة إسرائيل، وموافقتهم على ضمها الكتل الاستيطانية الكبيرة، واعتبارهم أن قيام دولة بهذه المواصفات يعني نهاية مطالبهم. وفوق كل ذلك فهو يطالب العرب بالتطبيع، ويطالب الدول الكبرى (خاصة الولايات المتحدة) بضمانات أمنية لإسرائيل.
تحسين الصورة
ويستنتج من ذلك بأن موافقة نتانياهو على حل الدولتين، وإبداء التجاوب مع قيام دولة بحدود مؤقتة، إنما يتم لغرض تحسين صورة إسرائيل الخارجية، وتجاوبا مع مساعي إدارة أوباما لحث عملية التسوية، بمعنى إنها موافقة لفظية فحسب. ويؤكد ذلك أن نتانياهو في عهده الثاني، كما في الأول، منسجم مع رؤيته للتسوية، فعنده أمن إسرائيل أهم من السلام، والتطبيع يسبق الانسحاب، وإسرائيل ليست بحاجة للشرق أوسطية بدعوى أنها تنتمي للغرب وأن مصالحها تكمن هناك. أما الفلسطينيون فهم مشكلة ديمغرافية، فقط.
يقول نتانياهو: «البلاد (فلسطين التاريخية) مقسمة عملياً، والسؤال هو كيف سيتم تقسيمها جغرافياً بيننا (إسرائيل والفلسطينيين).. إسرائيل لا تريد السيطرة على الفلسطينيين.. في إطار التسوية الدائمة عليهم أن يحكموا أنفسهم، لكن دون صلاحيات يمكن أن تهدد إسرائيل». (صحف 17/9)
وعلى الأرجح أن إسرائيل ستظل تتلاعب بعملية التسوية، إلى حين توفر عوامل دولية وعربية وفلسطينية ضاغطة عليها. وإلى حينه ليس ثمة شرق أوسط جديد ولا كبير، وليس ثمة دولة فلسطينية أيضا!
إضاءة
أمام اجتماع المنظمات اليهودية الأميركية، أوضح نتانياهو رؤيته للتسوية في المنطقة، فعدا عن شروطه المعروفة فقد طالب الفلسطينيين بالتخلي «عن ادعاءات الاستقلال في النقب والجليل (ويقصد بعض مطالب فلسطينيي 48)، والإعلان بأن النزاع انتهى». وتضمين أي اتفاق للتسوية «حمايات حديدية لإسرائيل»، لأن «العالم العربي أكبر من إسرائيل بخمسمئة ضعف». وقال: لن أسمح بغزة أخرى أو جنوب لبنان آخر وسط دولتنا»..
وختم قائلا: «للوصول إلى السلام ومنع إيران نووية يوجد أمامنا تحدٍ آخر ـ تقليص التعلق العالمي بالنفط. هذا سيساعد في تنقية العالم، سيقلص تعلقنا بالمصادر المتناقصة وسيساعد في نقل الثراء من بضع دول مصدرة للإرهاب والتطرف». (هآرتس 10/11)
ماجد كيالي
