لأنهم اشتهروا في تاريخ الإنسانية بأنهم «يحرّفون الكلم عن مواضعه» فقد اتبع أركان الاستيطان الاستعماري في فلسطين نمطا من السلوك السياسي والدعائي يقوم على أساس بالغ الخطورة ويتمثل في تشويه الجغرافيا وتزييف التاريخ.
ولعل أخطر الأمثلة المعاصرة من تشويه الطابع الجغرافي ـ الحضاري في الأرض العربية المحتلة هو ما يتم حاليا في مدينة القدس.. القديمة على وجه الخصوص من حيث محاولات الأيادي الصهيونية هدم المعالم التاريخية الأصيلة التي ظلت على مر العصور تعكس ببلاغة حضارية ومعمارية أسمى القيم الأخلاقية وأجلّ الصفحات المضيئة من تعاليم الديانتين السماويتين ـ الإسلام والمسيحية ويتم ذلك لحساب استكمال أسوأ مخططات المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين.. ذلك الذي بدأ مع نشر كتاب «تيودور هرتزل» الشهري بعنوان «أرض إسرائيل» منذ أكثر من 112 سنة من عمر الزمان الحديث.
تهاويم الدياسبورا... من ناحية أخرى فقد كان لابد لهذا الوجود الصهيوني المصطنع والمفروض في قلب منطقة الشرق الأوسط أن يعتمد أسلوبا يقوم بالأساس على تزييف وقلب الحقائق وخاصة ما يتعلق منها بالرواية التاريخية التي تابعت مسيرة اليهود في العالم: سواء بالتركيز على ما تعرضوا له من ضروب الاضطهاد طوال حقبة التيه أو الشتات ـ الدياسبورا، التي يقال إنها استطالت نحوا من ثلاثين قرنا، وهي معاناة لم يكن للعرب ولا المسلمين أي ذنب في وقائع بل تتحمل تبعاتها ظروف أخرى كان في مقدمتها انعزالية الجماعات اليهودية ضمن ما أصبح يعرف اصطلاحيا بأنه المعزل المحدود أو الزقاق المسدود ـ الجيتو الفكري والسلوكي، فيما تتحمل مسؤوليتها من ناحية أخرى أمم وشعوب شتى في الغرب الأوروبي بالذات ظلت تتعامل مع جماعات هذا «الجيتو» المغلق من موقع الريبة والتشكك والعزل والفصل والفرز والتمييز.
فردوس الأندلس
وعلى العكس تماما، فربما لم تشهد الجماعات اليهودية فترة ازدهار وتسامح بأكثر مما شهدته خلال المد الإسلامي ـ العروبي في دول حقبة الأندلس المسلمة التي دامت ثمانية قرون تقريبا.. بقدر ما شهدت نفس الأجواء من التسامح وحسن التعامل خلال الدولة الفاطمية التي دامت بدورها في حكم الشمال المصري من وادي النيل على مدار قرابة 300 سنة من عمر الزمان.
المهم أن رواية استعمار فلسطين التي بدأت خيوطها الشريرة تحاك على امتداد مراحل المائة سنة الأخيرة.. تم سردها من الجانب الإسرائيلي.. فيما هي مجللة بسحابات التزييف والتزيين والخداع الخبيث في التعامل مع وقائع التاريخ.. بدأت المسألة كما ألمحنا بكتاب «هرتزل» عند مغيب القرن التاسع عشر رافعا شعار البحث عن أرض..
أي أرض كي يعيش على أديمها شعب تائه ومضطهد على مدار مئات السنين.. وليس صدفة أن يشمل هذا البحث التماس أراض من بقاع شتى من العالم.. ما بين أوغندة في أفريقيا إلى أصقاع من أميركا الجنوبية.. إلى سيناء في مصر.. ولكن مع مطالع القرن العشرين.. وخاصة خلال وبعد الحرب العالمية الأولى.. تحولت الاهتمامات، أو بالأدق الأطماع الصهيونية، إلى أرض فلسطين.. وبديهي أن كان خلفاء هرتزل وفي مقدمتهم بالذات حاييم وايزمان ثم ديفيد بن جوريون..
كانوا يستهدفون الربط بين مخططهم الإمبريالي ـ الاستيطاني، وبين «الأرض المقدسة» التي ورد ذكرها في «التوراة». وبديهي أيضا أن الربط اتسع نطاقه إلى حيث التواصل إلى حد التماهي بين المشروع الإمبريالي الغربي في المشرق ـ وكانت تقوده أو تتصدره بالذات بريطانيا العظمى في ذلك الوقت، وبين المشروع الصهيوني لاستعمار فلسطين.. وكانت أجواء ما بعد الحرب العظمى الأولى مهيئة لذلك وخاصة بعد انكسار تركيا والتأكد من أن الدولة ـ الإمبراطورية العثمانية كانت في طريقها إلى الانهيار..
وبمعنى أن انتقل «رجل أوروبا المريض» في اسطنبول العثمانية من طور العلّة إلى مرحلة الاحتضار فكان أن أحدقت بسريره أطماع الورثة الذين ضمت شراذمهم الخبيثة شريكا صغيرا استطاع أن ينتزع شطيرة بالخديعة والتضليل من كعكة التركة العثمانلية السائغة وتحت اسم «وعد بلفور» في مثل هذه الأيام من عام ,1917. أي بعد عقدين من الزمن لا غير من صدور كتاب هرتزل باحثا عن أرض لإيواء شعب يحمل اسم إسرائيل.
الأسلوب الثلاثي
أما الترجمة العملية للوعد البريطاني.. فقد تمت على أساس سلوك ثلاثي الأبعاد وقد وصفه يوما المفكر الفلسطيني الراحل البروفيسور فايز صايغ على الوجه التالي: العنصرية والاستيطان والإرهاب.
وفي كل حال أيضا فقد وقعت النكبة الفلسطينية في عام 1948 وسط أكبر عملية تدليس فيما يتعلق بالرواية التاريخية شهدتها منطقة الشرق الأوسط.. كيف لا وقد عمد التاريخ الرسمي الصهيوني إلى منطق معكوس في وصف ما تم من استعمار فلسطين العربية وجلب مهاجرين لاستيطانها بدلا من سكانها العرب من مسلمين ومسيحيين.. جاءوا بهم من أقطار وجنسيات شتى وخاصة من أوروبا الشرقية.
لقد تمت هذه العملية تحت شعار مازال محلا للترويج في الأدبيات السياسية الصهيونية وهو: حرب الاستقلال!
ولكن، رغم كل هذا التزييف ففي ظل القانون الحياتي المحتوم الذي قد نطلق عليه وصف «جدل الحياة» ـ كان طبيعيا أن يطالع العالم دراسات واعترافات وطروحات تحاول أن تبدّد هذا الوهم المكذوب، وأن تعمل على اتباع موازين الموضوعية في تحليل أحداث وتطورات التاريخ ما استطاعت إلى ذلك سبيلا..
كتاب بالومبو
من هنا.. نصادف مثلا تلك الدراسة الشاملة الجامعة التي أصدرها مع مقتبل التسعينات أستاذ في النمسا هو البروفيسور «مايكل بالومبو» تحت عنوان شهير ومفعم بالدلالة وهو:
الكارثة (النكبة) الفلسطينية. ثم لا تلبث الدلالة أن تزداد بلاغة وجلاء من واقع عبارة العنوان الفرعي للكتاب المذكور وجاءت على الوجه التالي: عندما تم في عام 1948 طرد شعب من وطنه.
ونحسب أن هذا الفصيل من دراسات المراجعة والتمحيص ومعاودة النظر الموضوعي في أحداث تاريخ تعرض للحذف والتشويه إلى حد الغش والتشويه على أيدي الأوساط الإسرائيلية، جاء من ناحية، ليضيف الكثير والمفيد إلى كتابات سبقت خلال ذروة الحرب الباردة. منذ الستينات وما بعدها وحاولت شق طريقها بصعوبة بحثية وأكاديمية بالغة وسط ركامات الزيف الإسرائيلي، وفي مقدمة هذه المحاولات مثلا كتاب المفكر الإنجليزي «آلان تايلور» بعنوان: «مقدمة (أو مدخل) إلى إسرائيل» ومنها أيضا كتابات، واجتهادات مفكر يهودي بالغ الاحترام هو البروفيسور نعوم شومسكي، وخاصة كتابه بعنوان «مثلث الأقدار: الولايات المتحدة وإسرائيل والفلسطينيون».
المؤرخون الجدد
على مهاد هذه الصورة بكل أبعادها المتطورة استجدت، ربما منذ ثمانينات القرن الماضي، مدرسة جديدة في الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية.. وخاصة في مضمار البحث في علم التاريخ. وحملت هذه المدرسة، ومازالت تحمل اسمها الشهير:المؤرخون الجدد.
واشتهر من أعلامها أسماء لمؤرخين من أمثال «بني موريس» أو «آفيه شلايم» أو «آلان بابيه».
صدر عن هؤلاء الباحثين كتابات لها قيمتها وكان في مقدمتها كتاب موريس عن «توجيه اللوم إلى الضحية»، وفيه يحاول إعادة سرد وتفنيد الرواية الإسرائيلية المغرضة التي اتهمت الفلسطينيين بأنهم تخلوا عن أرضهم أو هربوا منها.. وكتاب الأستاذ شلايم بعنوان: «الجدار الحديدي» وفيه يعرض إلى مؤسسة الإرهاب الإسرائيلي التي أرسى ركائزها فلاديمير جابوتنسكي مؤسس حركة الإرهاب التي مارست أشنع كوارث الترويع بحق المدنيين الفلسطينيين (وقد كان من سخريات القدر أن يحصل تلميذ جابوتنسكي في مدرسة الإرهاب الصهيوني على جائزة نوبل.. للسلام وكان اسمه مناحيم بيجين) أما البروفيسور «آلان بابيه» فقد ذاع اسمه مؤخرا، وسط انتقادات إسرائيلية بالغة الحدة، بعد صدور أحدث دراساته بشأن التمييز العنصري المقيت بحق العرب الفلسطينيين في إسرائيل.
صحيح أن واحدا من عناوين مدرسة «المؤرخين الجدد» ارتد ناكصا على عقبيه حيث مواقع التمييز عنصريا وحضاريا ضد العرب.. وهو «بني موريس».. وكان ذلك عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام ,2001. لكننا نتصور من جانبنا أن هذه المدرسة في تحليل أحداث التاريخ القريب.. بكل ما يبذله أصحابها من جهود في التصويب والتصحيح والتقويم، وخاصة عندما يتخلون كباحثين أكاديميين ومؤرخين محترفين عن الانسياق وراء الرواية الرسمية الصهيونية بكل ما شابها من أخطاء وتجاوزات ومغالطات واجتراء صريح ومشبوه على حقائق التاريخ ـ كل هذا يجعل من المهم أن يتابع الجانب العربي ما يصدر عن هذه الدوائر..
أولا: من أجل تصحيح سرد الأحداث.. ووضع الحق في موازينه، وثانيا: من أجل تقديم صيغة موضوعية، عن أبعاد القضية الفلسطينية أمام أفهام الأجيال العربية الطالعة وبوصفها حتى تاريخه قضية العرب الأولى وهمّهم الموجع الشديد المرارة.. وثالثا: من أجل استثمار هذه التصحيحات، خاصة وهي تصدر عند الجانب الآخر من صراع الشرق الأوسط ـ في جلاء صورة ما حدث وتبديد سحابات الوهم والتضليل والتمويه التي طالما جلّلت أفهام شعوب عديدة في قارات العالم وأقطاره.
يضاف إلى ذلك بداهة تلك المحاولات التي بدأت تشق طريقها داخل الولايات المتحدة ذاتها.. من أجل استجلاء الحقائق بشأن دور الجماعات اليهودية في أميركا وحجم ومسار ونتائج تأييدها لإسرائيل.. يصدق هذا على كتابات ربما تبدأ بكتاب السياسي الأميركي المخضرم «بول فندلي» بعنوان: «من يجرؤ على الكلام» ولكنها لا تنتهي بالدراسة الرصينة التي وضعها اثنان من كبار الأكاديميين الأميركان هما الأستاذان «جون ميرشماير» و«ستيف والت» بعنوان «اللوبي الإسرائيلي».
ومازالت التطورات الفكرية والسياسية تنبئ بالكثير.
محمد الخولي


