الصناعة العربية بين التجميع وتوطين التكنولوجيا، ماذا حققت والى أي مدى وصلت؟ وهل نجح العرب في تصنيع المعدات الثقيلة والسيارات والتعامل بالتكنولوجيا الحديثة؟ وهل حقق العرب فعليا طفرة تكنولوجية أو صناعية؟ وهل بلغوا مرحلة التصنيع الكامل أم لا يزالون يسلكون الطريق الأسهل والأرخص في استيراد التكنولوجيا سابقة التجهيز، بل واستدعاء من يستخدمونها أيضا بالنيابة عنا؟

رجل الأعمال المصري ورئيس لجنة الصناعة والطاقة بمجلس الشعب المصري محمد أبو العينين، يرى أن سياسة التجميع كانت مرحلة من مراحل الإنتاج الصناعي العربي، مشيرا إلى أن هذه المرحلة تطورت وأصبح للعالم العربي نصيب كبير في التصنيع، ولم يعد الأمر مجرد تجميع أو ما يطلق عليه بالإنتاج نصف المصنع، وأن كثيرا من الصناعات يتم تصنيعها بالكامل في الوطن العربي.

وعما إذا كانت الدول العربية قد وصلت إلى مرحلة توطين التكنولوجيا خاصة التكنولوجيا الصناعية، قال: إن هذا الموضوع يتطلب مراكز بحثية علمية مرتبطة بالجامعات تكون على مستوى عال وتكون هذه المراكز البحثية مرتبطة بشكل كبير بالمصانع ورجال الأعمال والصناعة وكذلك مصادر تمويل عالية لهذه المراكز».

وأضاف: أنه في إطار ثورة التكنولوجيا العلمية تقوم مراكز الأبحاث ببيع تلك الأبحاث خاصة المرتبطة بالصناعات المختلفة كمنتج نهائي لها، أو بالتعاون بين هذه المراكز البحثية والمصانع المختلفة لتطوير هذه الصناعات»، لافتا إلى أن الغالبية العظمى من هذه المراكز البحثية هي مراكز أجنبية ففي الخارج خطت هذه المراكز خطوات كبيرة أكثر من المراكز البحثية العربية في ظل الموازنات الهائلة لتلك المراكز الأجنبية وشيوع الثقافة البحثية والتكنولوجية.

وأوضح أن المؤهلات والخبرات الموجودة في الوطن العربي كبيرة جدا وتستطيع أن تلعب دورا مهما في توطين التكنولوجيا الصناعية ولكن هذا يتطلب سياسات حكومية مشجعة، ومصادر تمويل كبيرة وعقول تتفهم أهمية ذلك وتأثيره على المدى البعيد وألا تكون نظرتنا آنية قاصرة.

وعن المسؤول عن هذه القطيعة بين المراكز البحثية والمصانع في العالم العربي، قال أبو العينين: إن كل طرف لدية مصلحة تهمه، فلا توجد تكنولوجيا تخدم صناعة بكاملها خاصة، وأنه لا يوجد تعاون بين أصحاب الصناعة الواحدة وإنما حالة من التنافس القريبة من التناحر، كما أن الموازنات الموجهة للبحث العلمي فقيرة ومتواضعة للغاية، وتابع: إن الجميع يفضلون الحصول على التكنولوجيا الجاهزة لأنها لا تتطلب جهدا كبيرا ووقتا طويلا، وهى عادة ما تكون أرخص وسهلة الاستخدام».

نهضة صناعية مصرية

ومن جانبه ، يؤكد وكيل اللجنة الاقتصادية بمجلس الشعب المصري رئيس جمعية مستثمري مدينة العبور المهندس مصطفى السلاّب أن مصر تشهد نهضة صناعية حقيقية لم تحدث في تاريخها ولا تاريخ أي دولة في المنطقة خلال المائتي سنة الماضية، وهذه الفرصة تهيأت منذ أن فكرت القيادة السياسية في مصر في إنشاء المدن والمناطق الصناعية مما شجع الكثيرين من المستثمرين على إقامة ألاف المصانع فمدينة العاشر من رمضان وصل عدد المصانع فيها إلى 3 آلاف مصنع، ووصل عدد المصانع في مدينة 6 أكتوبر 3 آلاف مصنع ومدينة برج العرب 1400 مصنع، ومدينة السادات 1300 مصنع، ومدينة العبور 1200 مصنع.

وقال الرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية وخبير الاقتصاد الدكتور حمدي عبد العظيم: للأسف الشديد ما زلنا في العالم العربي في مرحلة التجميع، مؤكدا أن غالبية التكنولوجيا مستوردة، مدللا على ذلك بصناعة السيارات الموجودة في الوطن منذ زمن طويل وأن 60 في المائة من صناعة السيارات مستورد في حين أن 40 في منها فقط محلي وهي النسبة الشكلية والتي تقوم على صناعة الكماليات أما التكنولوجيا الأساسية والأجزاء الحيوية منها فلا يتم تصنيعها في الدول العربية.

وأضاف: ما زالت التكنولوجيا في بلادنا متخلفة وقديمة فنحن تتحصل من الغرب على القديم فقط وليس الحديثة أو المتخلفة، كما أن مصادر تمويل مراكز الأبحاث ضعيفة للغاية، مشيرا إلى أن هذا يبين لنا بجلاء أن العرب مجرد مستهلكين للتكنولوجيا الأجنبية وليسوا منتجين لها، الأكثر من ذلك أن العرب في أحيان كثيرة لا يستطيعون التعامل مع التكنولوجيا المستوردة ويضطرون للاستعانة بكوادر أجنبية لفترات طويلة لاستخدامها بالنيابة عنهم، وأرجع ذلك إلى أن الغرب لا يسمح بنقل التكنولوجيا بسهولة لأنه سيكون على حساب مصالحه والعرب من جانبهم يستسهلون الحصول على التكنولوجيا مصنعة بدلا من تحمل مشقة إنتاجها خاصة وأن لديهم قوة شرائية كبيرة من النفط، ونحن بطبعنا لا ننتج أية تكنولوجيا.

غياب الإستراتيجية

ومن جانبه، أشار الأمين العام لاتحاد المستثمرين العرب السفير جمال بيومي إلى أن 70 في المائة من واردات العالم العربي تأتي من خارجه ولا تنتج داخله، لافتا إلى هناك شكوى دائمة من أن التجارة البينية العربية ليست كافية، والسؤال الذي يطرح نفسه هو ماذا نستورد إذا كنا لا نصنع أي آلات صناعية أو تكنولوجية أوسائل نقل أو صناعات ثقيلة أو السيارات أو الأدوات الكهربائية.

وشدد على أن مشكلة العالم العربي ليست في فتح الحدود أمام التجارة البينية لأنه ليس هناك ما يمكن أن يتم الاتجار فيه في الأساس، فالعالم العربي في حاجة إلى تنمية مشتركة وإقامة صناعات مشتركة قادرة على التواجد في السوق العربي قبل الخارجي.

وتابع قائلا: إذا كان العرب رغم وجود مصر والسودان والعراق بقدراتها وإمكاناتها الزراعية يعانون من فجوة غذائية ضخمة، وإذا كان الميزان التجاري العربي يعاني من عجز قدره 200 مليار دولار، فكيف لنا أن نسأل عن نهضة تكنولوجية صناعية أو قدرة عربية على سد الفجوة التكنولوجية؟ ولفت إلى أنه خلال لقاء للأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسي مع وزراء الصناعة العرب سألهم موسى، ماهي الصناعة العربية التي يمكن أن يعتز بها العرب ويقولون هذه صناعتنا؟ ورغم مرور أربع سنوات على الاجتماع، إلا أن السؤال لا يزال يبحث عن إجابة، فنحن لا نصنع لا سيارة ولادراجة ولا تليفزيون ولا كمبيوتر ولا لعبة أطفال ولا سجادة صلاة ولا سبحة ولا أي شيء فكيف نقول إن هناك صناعة عربية؟!.

وحول إمكانية وجود إستراتيجية لدعم وتوطين التكنولوجيا الصناعية العربية، قال: إن كلمة «إستراتيجية» انتهكت بشكل سافر في عالمنا العربي وأصبحت بلا أي معنى. بل عندما تقال يوقن الجميع أن شيئا لن يحدث، ونحن لا نريد استراتيجيات طويلة الأمد وإنما نريد خططا متتابعة ومتكاملة قصيرة الأمد يتم انجازها وتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.

وحول السبب في أزمة الصناعة في العالم العربي، قال: إن هذه الأزمة ليس بالضرورة أن يكون السبب فيها الحكومات، وإنما هناك أيضا أصحاب المصالح.

القاهرة ـ سباعي ابراهيم