مثلت البيروقراطية، والتي ينظر إليها البعض بأنها صورة من صور الروتين الممل والإجراءات المعقدة، حاجزا حال دون تحقيق حالة من الرضا الشعبي العراقي حيال حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي.
ففي بغداد، لم يكن أمام سعدية كاظم رشيد إلا أن تحصل على ختم واحد فوق أوراقها من مقر المحافظة حتى تتمكن من تقاضي ثمانمائة وخمسين دولارا كتعويض يمنح للنازحين العراقيين العائدين إلى منازلهم. ولكنها لم تكد تصل إلى هناك، حتى تعرض المبنى للتفجير. فقد قتل في التفجيرات الأخيرة التي استهدفت بنايات حكومية وسط بغداد أكثر من مائتين وخمسين شخصا فيما جرح المئات سواهم. بيد أن التفجيرين خلفا آثارا أكثر عمقا، إذ أبطأت من الخدمات الحكومية التي يحصل عليها العراقيون بصورة يومية.
وتمثل العقدة البيروقراطية ضربة أخرى موجعة جنبا إلى جنب إضعاف الثقة في حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي قبيل انتخابات عامة من المزمع أن تعقد في يناير القادم. وزاد من حنق العراقيين أن الهجمات وقعت في واحد من الأحياء التي من المفترض أن تكون أكثرها أمنا في العاصمة العراقية.
وفيما كانت الهجمات الأخرى تستهدف مواقع كالمساجد والمطاعم، إذا بتلك الهجمات تصيب قلب الحكومة، وزارتا الخارجية والمالية في أغسطس المنصرم، ثم وزارة العدل ومحافظة بغداد ووزارة الشؤون البلدية والأشغال العامة في أكتوبر الماضي.
وبعد أسبوع من تفجيرات الخامس والعشرين من أكتوبر، ها هو مبنى محافظة بغداد ما يزال غير صالح للعمل.
ويعمل بعض الموظفين خارج الغرف في الجزء الخلفي من البناية، فهذا الجزء هو الأقل تضررا من التفجير، ولكنه الأقرب للشارع، ولا توجد لديهم هواتف بل لا أسقف ولا حتى جدران.
وتتكوم تلال من مخلفات الانفجار وقطع الخرسانة والزجاج المحطم في المسافة التي تفصل بين وزارتي العدل والشؤون البلدية. وقد تدلى علم عراقي طويل على واجهة مبنى وزارة العدل، ليغطي بصورة جزئية الجدران المنسوفة والنوافذ المتحطمة.
أما في وزارة الخارجية، فقد بدأ الموظفون العودة إلى بعض المكاتب على الرغم من استمرار أعمال البناء بما تصدره من ضجيج بهدف إعادة إصلاح الجدران والنوافذ والمصاعد التي دمرها التفجير. وفي المرآب خارج البناية تم تكديس العديد من المكاتب التي علاها التراب ومناضد القهوة والمقاعد المكتبية الممزقة في كومة كبيرة.
بين تلك الصورة، أجلت رشيد مساعيها لإنهاء أوراق حصولها على التعويض لمدة أسبوع بعد التفجير. ووسط حطام التفجير، كانت تظهر أضبارتها الوردية المليئة بالوثائق لحارس الأمن متوسلة إليه السماح لها بالدخول.
وقالت له «لا أريد غير الحصول على ختم». ويقول سعد مهدي وهو ضابط أمن آخر كان داخل البناية حينما وقع التفجير «لقد تحطم كل شيء وتحول إلى شظايا.. إننا نأتي إلى العمل ولكننا في الحقيقة لا نفعل شيئا».
وتجاوز البيروقراطية عملية طويلة وشاقة في العراق، حيث الكثير من سجلات الحكومة يتم حفظها يدويا وليس في أجهزة الحاسوب. ويتعين على العراقيين في أغلب الأحيان الانتقال من مكتب إلى مكتب لإيجاد الشخص المناسب للتوقيع على طالباتهم وختمها الختم الضروري لتفعيل قرار ما.
كان سنان حسين عبدالله، الذي يعمل في محكمة بوزارة العدل، في مكتبه عندما أسقط الانفجار السقف فوقه وأمطره بالزجاج المهشم.
وبذراع مهشمة علقت في صدره وضمادات على أنفه وجبهته، ينكب سنان الآن على العمل بين أكوام من الأنقاض للتخفيف من عبء العمل في القضايا التي تراكمت بعد أن دمرت قاعة المحكمة.
ويقول «من واجبنا أن نقف صادمين أمام الدمار». وبعد مرور أسبوعين على الانفجار، لم يحضر للعمل سوى 100 تقريبا من موظفي وزارة العدل الألف، حسبما قالت المساعد في الوزارة بوشو إبراهيم بعد أسبوعين تقريبا من الانفجارات. ما يدعو لوقفة لتأمل الواقع، فالعراقيون يعانون عنفا متواصلا يجعلهم بالكاد يمارسون حياتهم الطبيعة، فيما مخلفات هذا العنف إلى جانب روتين جامد تفرضه الحكومة يعيقان مواصلتهم لتلك الحياة.
