سادت في سنوات التسعينات من القرن الماضي أطروحتان. الأولى للمفكّر الأميركي ذي الأصل الياباني فرانسيس فوكوياما حول «نهاية التاريخ». والثانية للمفكر الأميركي أيضا صموئيل هنتنغتون المتعلقة ب«صدام الحضارات».

هذه الأطروحة الثانية.. أخذت أبعاداً كبيرة وركزت على القول بحتمية المواجهة بين الحضارة الغربية والحضارية الإسلامية بعد نهاية المواجهة الإيديولوجية بين الاشتراكية والرأسمالية في ظل الحرب الباردة. نظرية هنتنغتون.. تواكبت مع تعاظم قوة المحافظين الجدد في إطار إدارة جورج دبليو بوش والذين كان لهم باع طويل في تحديد نهج السياسة الخارجية الأميركية آنذاك. لكن الحضارات لا تتصادم فقط ولكنها «تتثاقف» عبر التأثير المتبادل. وهذا ما عرفته الحضارتان العربية..الإسلامية والغربية حتى في فترات مجابهاتهما الكبرى. وتساهم العولمة اليوم في التقارب الحضاري وليس في التباعد بين الأمم والشعوب. أما المطلوب اليوم فهو حوار حضاري حقيقي تتم ترجمته في مسارات سياسية، وهذا يستدعي تغيير النهج السائد في الغرب اليوم.

صدام الحضارات في العالم الراهن.. هو موضوع مطروح كثيراً في الغرب حالياً. هكذا في الوقت الذي لم تبدأ الإنسانية بعد التناقضات الإيديولوجية بين الاشتراكية والرأسمالية والتي أدت إلى تقسيم العالم على مدى عقود طويلة على أساس إيديولوجي. يبرز تقسيم آخر، لكن هذه المرّة على أساس الحضارة والمعتقد الديني. وقد جذب هذا الموضوع الكثير من الاهتمام نظراً لكون بعض المنظمات والمجموعات التي تبنّت الإرهاب والتطرف تقول إن مرجعيتها إسلامية. لكن هل هذه الملاحظة كافية كي يُستخلص منها أن هناك صداماً بين حضارات مختلفة على الصعيد العالمي؟ يتساءل مؤلف هذا الكتاب. ما يؤكده هو أن هناك توتراً بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية. تجاهل هذا الواقع لا معنى له. لكن السؤال هو: من أين جاء هذا التوتر.. هل من طبيعة «الأطراف المتعارضة التي لا يمكن التوفيق بينها» أو من أزمة حوار فيما بينها، لسبب أو لآخر؟ هذا سؤال تحدد الإجابة عنه اليوم درجة قصر النظر لهذه القوة أو تلك على الجلسة الدولية.

نظرية هنتنغتون... جرت صياغة نظرية المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون بالتوازي مع صعود النزعة المحافظة الجديدة. إنها لا تتقاطع معها، لكن ليس بينهما جدار عازل. ولا شك أن هنتنغتون أصبح المفكر السياسي الأكثر شهرة في العالم خلال سنوات التسعينات المنصرمة، ذلك باعتباره صاحب مقولة «صدام الحضارات». تتم الإشارة هنا إلى أن هذه الأطروحة قد ظهرت أولا بقلم الكاتب عام 1993 في مقال تحت عنوان: «صدام الحضارات»؟ بصيغة الاستفهام قبل أن تصدر في كتاب عام 1996 ومن دون أية أشارة استفهام. بدت نظرية هنتنغتون أولا كبديل للأفكار التي طرحها مفكر أميركي آخر شهير هو فرنسيس فوكوياما صاحب أطروحة «نهاية التاريخ»، بمعنى الانتصار النهائي لليبرالية التي لم يعد لها أي بديل قابل للحياة في ميدان المعارك الإيديولوجية. فوكوياما كان قد وقع عام 1997 ما عُرف بـ «بيان المبادئ» إلى جانب كل من بول وولفويتز وديك شيني ودونالد رامسفلد وجيب بوش شقيق الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش. صموئيل هنتنغتون لا يقول مثل فوكوياما ب«نهاية التاريخ، لكنه يقول انه بعد نهاية الحرب الباردة استمر عبر تصادم سبع أو ثماني حضارات يحددها بالصينية واليابانية والهندية والإسلامية والارثوذكسية والغربية واللاتينية ـ الأميركية و«ربما» الإفريقية.

ويؤكد أن الاتجاه الرئيسي الراهن هو الانقسام بين «الحضارة الغربية وبقية الحضارات الأخرى»، ويضيف أن «الأكثر عدوانية» في النضال ضد الغرب هي الحضارة الإسلامية. وفي عام 2004 شرح هنتنغتون بإسهاب هذه المقولة في كتابه الجديد الذي حمل عنوان: «من نحن؟ الهوية الوطنية وصدام الثقافات».

العداء للإسلام

وبعد أن يشير مؤلف الكتاب بريماكوف إلى أن أولئك الذين يصيغون السياسة الخارجية للولايات المتحدة لم يكونوا يعتمدون حرفياً أطروحات هنتنغتون.. يؤكد أن الرأي العام الغربي أصيب بعدوى «مشاعر العداء للإسلام»، ولم يكن لمثل تلك المشاعر إلا أن تجد أصداءها على الصعيد السياسي.

ويتم التمييز في هذا السياق بين التأثير الموضوعي العام لهذه النظرية أو تلك وبين التطلعات الذاتية لمؤلفيها.

ويؤكد أن هنتنغتون لم يكن موافقا على مقولة مزاعم صفاء القيم الغربية وعلى محاولة فرضها على الآخرين بالقوة. وأنه كان وكذلك فرنسيس فوكوياما، من غير الداعمين للعملية العسكرية الأميركية في العراق.

ويؤكد بريماكوف، اعتمادا على دروس التاريخ ووقائعه، أنه حتى خلال فترات المجابهات الدامية بين الغرب والعالم الإسلامي، كان هناك تأثير متبادل.

وينقل في هذا السياق نصّا للمؤرخ الروسي «ناومكين» جاء فيه: «خلال القرنين اللذين ساد فيهما القساوسة والفرسان الصليبيين على جزء من الشرق العربي.. مارست ثقافته تأثيراً كبيراً على عدد من مظاهر الثقافة الروحية والمادية للأوروبيين وبفضل صلاتهم مع المسلمين أصبح الفرسان الأوروبيون يغتسلون بالماء الساخن وبنوا حمامات ساخنة لم يكونوا يعرفونها من قبل، وشرعوا بتغيير ألبستهم الداخلية، الأمر الذي لم يكونوا يفعلونه سابقا.

وشرعوا بترك لحاهم على الطريقة الشرقية. وتعرّفوا في سوريا على طواحين الهواء ونقلوا هذه التقنية الجديدة وكذلك بالنسبة لدواليب الهواء. وعرفوا وجود الحمام الرّاحل وعلى عدد من التقنيات الزراعية وكوّنوا للمرّة الأولى فكرة عن قصب السكّر (...). ووصلت بفضلهم أدوات الموسيقى العربية ومظاهر أخرى من ثقافة الشرق الأوسط إلى الغرب».

تأثير ثقافي متبادل

ويؤكد بريماكوف أنه يمكنه الذهاب بعيدا في سرد مظاهر تأثير الثقافة العربية على الثقافة الغربية كي يؤكد القول أيضا أنه من غير المشكوك فيه واقع أن الثقافة الغربية قد مارست هي الأخرى تأثيرا كبيرا ومتنوعا على العالم الشرقي في الحقبة الاستعمارية. هذا إلى جانب تأكيده أنه لا يفكّر أبدا بتمجيد تلك الحقبة وما عرفته من حروب استعمارية وفتوحات واستعباد للبلدان وللشعوب واستغلالها ونهب ثرواتها الطبيعية.

ويرى بريماكوف أن التنمية في بلدان المشرق جرى كبحها بسبب العلاقات الاجتماعية الجامدة التي كانت تتسم فيها مجتمعاتها قبل الحقبة الاستعمارية.

كذلك جرى «تعليق» التنمية أثناء التبعية للاستعمار عامة. ومع التأكيد على صحة هذه النتيجة يرى أنه لا ينبغي أيضا نسيان الجانب الإيجابي الذي مارسته الحضارة الغربية على بلدان الشرق العربي.

كذلك يتم التأكيد على خطأ أولئك الذين يقولون بوجود سمات ثابتة لا تتغير في بعض الثقافات بحيث يركّزون على أن الغرب عقلاني ومنظم وتشكّل رفاهية الإنسان جوهر اهتماماته.. بينما الشرق عاطفي ولا عقلاني. وواقع أن بلدان الشرق قد أصبحت في النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات هذا القرن الحادي والعشرين من بين قاطرات التطوّر الاقتصادي العالمي، وهو ما يبيّن مدى عدم مطابقة توصيف «الجمود» على الحضارة المعنية.

ولا ينبغي أيضا إهمال واقع تأثير العولمة على مختلف البلدان والشعوب. ذلك أن هذه كلها تستخدم التكنولوجيات المعاصرة. وهذا له أثره الكبير على الحياة اليومية لأبنائها وعلى عقليتهم وعلى علاقاتهم داخل المجتمع.

وهذا لا يقتصر على الجوانب المادية لمختلف الحضارات. فالثقافات تتجاذب هي الأخرى فيما بينها، والثقافة بالمعنى العريض لهذه الكلمة توحّد البشر والبلدان وبالنتيجة الحضارات. وبكل الأحوال تبقى وظيفتها ذات طابع توحيدي وليس ذات طابع انفصالي.

ويؤكد بريماكوف أن المعتقد الديني يشكّل جزءًا هاما، وحاسما غالبا، في الحضارة. وهذا يعطي نوعا من الاستقرار النسبي للحضارات المحليّة. لكن غياب منظور إيجاد معتقد ديني مشترك لكل البشر لا يعني أبدا أن أديان العالم المتنوعة تؤيد عداء بعضها ضد الأخرى ويُنهي مسيرة إيجاد حضارة كونية.

حوار الحضارات

أعلنت منظمة الأمم المتحدة عام 2001 ك ـ »عام الحوار بين مختلف الحضارات». وشهدت تلك السنة والسنة التي أعقبتها تنظيم سلسلة من اللقاءات والندوات وجلسات النقاش التي تبادل فيها الأخصائيون وممثلو الرأي العام والدوائر الدينية والسياسية لمختلف البلدان وجهات النظر حول مشاكل العلاقات بين الحضارات وسبل تأثيرها المتبادل.

ونظرا للخصوصيات التي يتسم فيها السياق الدولي الراهن جرى التأكيد على ضرورة الشروع بحوار بين الحضارتين الغربية والإسلامية وما بين الإسلام والمسيحية واليهودية. وجدت تلك النقاشات صدًى كبيرا لدى مختلف وسائل الإعلام التي لا تزال تلعب دوراً هاماً في هذا الإطار.

مع ذلك لا يمكن القول ان ذلك كله قد أخرج الحوار بين الثقافتين الغربية والإسلامية من حالة الأزمة المحيطة فيه منذ فترة من الزمن. وهذه الأزمة تتجاوز المواقف «غير المسؤولة» الصادرة عن بعض رجال الدولة الغربيين مثل الرئيس جورج دبليوبوش عندما تحدث في أحد خطاباته عام 2007 عن «الفاشية الإسلامية» ومثل بعض الدعوات الصادرة بين الحين والآخر في العالم الإسلامي والداعية للجهاد ضد «الهراطقة» الغربيين.

الحوار، كما يرى بريماكوف، لا يمكنه أن يكون بناء ومثمرا إذا لم يجد ترجمته في مسارات سياسية، وهذا ما لم يحصل حتى الآن. إن العالم الغربي عموما والعالم الإسلامي منقسمان حيال ما يتعلق بالعراق بعد احتلاله من قبل الأميركيين، وحيال دعم إسرائيل ضد الفلسطينيين، وحيال تهديدات إيران والوضع المقلق في أفغانستان والوضع المتفجّر في باكستان وصول واقع أن النضال العادل ضد الإرهاب يأخذ أحياناً لون العداء للإسلام.

المطلوب، كما يرى بريماكوف، هو تغيير جذري في السياسة وفي الأفعال الملموسة حيال بلدان العالم الإسلامي. هذا هو المطلوب بالتحديد. ذلك أن السياسة التي انتهجتها وطبّقتها الولايات المتحدة الأميركية، زادت من نزعة العداء حيال أميركا وبصورة عامة أكثر حيال الغرب في العالم الإسلامي.

ومثل هذا النهج لا يمكن إلا أن يؤدي إلى الطريق المسدود، هكذا ينهي المؤلف يفجيني بريماكوف حديثه عن «صدام الحضارات».

المؤلف في سطور

شغل يفجيني بريماكوف مؤلف هذا الكتاب، منصب رئيس وزراء روسيا ووزير خارجيتها وكان قد ترأس مجلس السوفييت الأعلى في عصر الاتحاد السوفييتي. وعمل مديرا لجهاز الاستخبارات السوفييتي.

ويعمل الآن رئيسا لغرفة تجارة وصناعة روسيا وهو أحد أعضاء مجلس رئاسة أكاديمية العلوم الروسية.

وعلى الصعيد الأكاديمي، كان ايفجيني بريماكوف مديرا لمعهد الدراسات الشرقية ولمعهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية في موسكو. وهو يتابع نشاطاته العلمية والسياسية على مختلف الأصعدة.

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2009