يحذر الرئيس الأسبق للحكومة اللبنانية د. سليم الحص من تداعيات الخلاف الذي رافق مراحل تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، لافتا إلى أنه رغم التوافق الذي أطلقها إلى النور، فإن السجالات حول تلك الحكومة قد تنتقل إلى الشارع اللبناني، ما قد يدفع البلاد نحو مرحلة أكثر حرجا.

ورغم أن كل محاولة لمرافقته في نقاش عن أدوار القوى الداخلية في عملية التأخير بتأليف ثاني حكومات العهد في لبنان، دائما ما تبوء بالفشل، لأنه يحاذر في الحديث ويردد باستمرار جواب «لا أعرف»، لأن كل كلمة يقولها «ستُحسب في خانة الهجوم وشنّ الحملات»، كما يقول. إلا أنه خص «البيان» بحوار كشف فيه قراءته لتفاصيل ما يدور في الشأن اللبناني.وبسؤاله عن تقييمه للحكومة الحالية، يقول د.الحص لـ «البيان»: «على الأغلب، قد لا تكون متجانسة ومنسجمة، بناءً على السجالات الحامية التي رافقت تأليفها.. وعندذاك ستكون عملية اتخاذ القرارات فيها عسيرة»، فإنه لا يخفي تخوّفه من إمكانيّة انتقال السجالات الحكوميّة إلى الشارع، في المرحلة المقبلة التي يرى أنها «ستكون، على ما يبدو، مرحلة ائتلاف التناقضات السياسيّة»، ولكن «لا خوف من العودة إلى الحرب الأهليّة، لأن اللبنانيين تعلّموا درساً بعدما عانوا كثيراً، والرهان مرتبط بوعيهم لضرورة عدم الاستجابة لضغوط الخارج».

ومن بوّابة سؤاله عن التأخير في تأليف الحكومة، أكانت داخلية أم خارجية، أم خارجية أُلبِست لباساً داخلياً؟ يقول الحص: «لا أعرف.. لم يصرّح أحد بحقيقة الأسباب، بمن فيهم رئيس الحكومة سعد الحريري الذي كان يجري المشاورات»، ويغمز من قناة موقف السفيرة الأميركية ميشيل سيسون، وتحديداً عندما قالت «يجب أن تتشكّل الحكومة، وفق الدستور وعلى ضوء نتائج الانتخابات النيابية»، واضعاً هذا الموقف في خانة كونها «أوحت بأنها ليست مع حكومة إئتلافيّة أو حكومة وحدة وطنية.

. وشممنا من تصريحاتها رائحة معارضة أميركية للتأليف».. والسوريون والسعوديون «لم يتدخّلوا، لا تسهيلاً ولا تعطيلاً».. أما عند سؤاله عن السبب، فلا جواب عنده سوى «لا أعرف».

وحول علاقته برئيس الحكومة الحالية سعد الحريري، يقول الرئيس الثمانيني الذي خاض تجربة خاصة بقيادته خمس حكومات في أوقات حرِجة: «كفى، كفى.. الوضع العام بلغ من التردّي ما لم يعد يُطاق، والوضع يتطلّب وجود حكومة تتحمّل المسؤولية وتحاسب». مضيفا «أنا، بطبعي لا أحب النصائح»، هذا من جهة، و«لكون لا علاقة خاصة تربطني به (مشيرا إلى الحريري)، فقد زارني مثلما زار غيري من رؤساء الحكومات السابقين، وكانت جلستنا تقليديّة، إذ تمحور النقاش فيها حول التشكيلة الحكومية والحصص التي كان ينوي إعطاءها لكل طرف».

سابقة برّرها العُرف

وعن إعادة تكليف الحريري، بعد اعتذاره، يشير د. صّ الى أن هذه الخطوة «سابقة غير مألوفة في الحياة السياسيّة اللبنانية، وإن كان لها ما برّرها في العرْف، كون الحريري هو رئيس أكبر تكتل نيابي سنّي والأكثر تمثيلاً لطائفته، والبلد كله عصبيّات، ولم يكن من الممكن تجاوزه، كما أن لا نصّ دستورياً يمنع إعادة تكليف المعتذِر».

ورغم مباركته للبنانيين إنجاز ولادة حكومتهم، فإن الحص لا يتوانى عن تسجيل «بعض المآخذ» على عملية التأليف، ومنها أن الرئيس الحريري «لم يحدّد قواعد جديدة للتأليف، وما فعله هو أنه ترك كل فريق ممثلاً برئيسه تسمية الوزراء وتحديد مقاعدهم الوزاريّة، ولئن كان هذا مفهوماً إلى حدّ ما بالنسبة إلى حكومة ائتلافيّة، فهو ليس مستساغاً على الإطلاق في تأليف الحكومات العادية، إذ هو يُعتبر افتئاتاً على صلاحيات رئيس الوزراء»، إضافة إلى كون «مشاورات التأليف استغرقت من الوقت أكثر مما يجب، وكان يمكن وينبغي أن تُحسم قبل ذلك بوقت طويل»، ولكن «كل هذا سوف نتناساه، في حال كان أداء الحكومة على المستوى الذي ننشد».

وفي ما يخص موقفه من الأكثرية والأقلية في البلاد، يقول «لو كانت الأكثرية تحكم والأقلية تعارِض، كما هي الحال في الظروف العادية، لكانت هناك أقلية تعارِض وتصحّح، وهذا من شأنه أن يؤمّن أبواب المساءلة والمحاسبة التي هي أساسية في الديمقراطية»، متسائلاً «من الذي سيعارِض وينتقد ويصحّح، بعد أن بات طرفا الصراع في حكومة واحدة أو جبهة واحدة؟».

إلغاء الطائفيّة

وحول رأيه في تركيبة حكومة لبنان ال89 التي أبصرت النور بعد مخاض عسير، يشدّد الرئيس الحصّ على ضرورة الالتزام بقاعدة أن «المطلوب هو تطبيق آفاق الطائف، قبل المطالبة بتعديله، وذلك عبر إنشاء لجنة عليا للعمل على إلغاء الطائفية السياسية، برئاسة رئيس الجمهورية وبعضويّة رئيسّي مجلس النواب ومجلس الوزراء وعدد من المعنيّين بالموضوع، ومن ثم إلغاء الطائفية في مجلس النواب وإجراء الانتخابات على أساس لاطائفي..

والخطوة التالية تكمن في إنشاء مجلس شيوخ يراعي التوازنات الطائفية وينظر في القرارات الأساسية، كالتعديلات الدستورية»، مؤكّداً أهمية أن يصبح لبنان دائرة انتخابية واحدة، وإجراء الانتخابات على أساس الكفاءة، انطلاقاً من كون «إلغاء الطائفية تلغي المناصفة معها بين المسلمين والمسيحيين».

فاتحة خير

وفي خضم الحديث عن الدور المرجو من حكومة الحريري الأولى، أعرب الحص عن أمله في أن تكون «فاتحة خير للبنان، وأن توفّق في التصدّي للأزمات لا أن تنفعل بها، لا سيما وأن الوضع في لبنان عصيب جداً»، لافتاً إلى أهمية «تنشيط الإنتاج وتحسين شروط الخدمات في لبنان».

وفي الشأن الاقتصادي، أشار رئيس الوزراء الأسبق إلى أن «لبنان من الدول القليلة في العالم التي تجاوزت الأزمة المالية العالميّة، وعنده رصيد من العملات الأجنبية الذي زاد احتياطه، منذ نشوء الأزمة، أكثر من 3 مليارات دولار، لأن الأزمة دفعت من كانوا يوظّفون أموالهم في مصارف أميركا وأوروبا الى أن يوظّفوها في لبنان».

مؤكّداً على أن «لبنان لم يصمد فحسب، بل استفاد من الأزمة المالية العالمية»، أما الضرر الحقيقي، ف«تمثل في عودة اللبنانيين الذين كانوا يعملون في الخارج الى لبنان، لأن هناك بلداناً عربية تضرّرت كثيراً من الأزمة، وبصورة خاصة دول الخليج التي تستضيف عدداً كبيراً من اللبنانيين، وبعضهم اضطرّ للعودة ما زاد البطالة في لبنان».

لست طائفيا

وختاماً، حين يُسأل الحص عن نأيه بنفسه عن الخطاب الطائفي الذي أثبت أنه الورقة الرابحة لاستدرار الشعبية في وطن تسكنه هواجس الطوائف الخائفة، يقول: «لم أكن في يوم من الأيام طائفياً، ولن أكون، تعوّدت البوح بما يمليه عليّ ضميري، وقلّما أقوم بالحسابات الضيقة حين أخاطب الرأي العام، فلم يعد هناك ما أبتغيه من مناصب.. فقط، أقول كلمتي وأمشي».

بيروت - وفاء عواد