الوجود الصيني في أفريقيا، من بوابة الاقتصاد؛ لمع مؤخراً كأمر واقع راسخ في عموم القارة. ويبدو أنه مفتوح على المزيد من التوسع والتمدّد. أسست له بكين منذ خمسينات القرن الماضي. مساندتها لحركات التحرر، كانت المدخل. ثم تطورت إلى بناء علاقات اقتصادية متنامية، ولو بطيئة. مع عام 2000، بدأت تشهد قفزات سريعة. من يومها وحتى العام الفائت، تضاعف التبادل التجاري، الإفريقي ؟ الصيني؛ حوالي عشر مرات.

والآن، هو يزيد عن مئة مليار دولار، سنوياً. رافق هذا النمو، عقد اتفاقات استثمارية، مع أكثر من نصف البلدان الإفريقية؛ وتأسيس صناديق للتنمية؛ فضلاً عن انتشار حوالي 1600 شركة صينية، في القارة واستثمارات صينية، بقيمة 6 إلى 7 مليارات دولار؛ موزعة على عدة بلدان وفي مجالات متنوعة. من أبرزها حقل الطاقة. وبموازاة ذلك، ازدادت المساعدات الصينية لهذه البلدان؛ في مجالات البنية التحتية والصحة والزراعة والبيئة. وبعضها بدأ يحصل على قروض صينية.

ومع هذه الطفرة، جاءت الشركات الصينية بألوف الصينيين، من عمال وكوادر وتقنيين وغيره؛ إلى مشاريعها. عزّز هذا الحضور وسهّل انتشاره، بكل جوانبه، أنه كان خالياً من الشروط السياسية. هذا الاقتحام الناجح والمتزايد، فتح عليه العيون.

خاصة عيون الغرب. بل أثار لديه مشاعر الضيق، مما رأى فيه مزاحمة له؛ في جغرافيا يعتبرها حديقته الخلفية. أو ربما يعتبرها أكثر من ذلك، بحكم الماضي الكولونيالي الأوروبي للقارة.

كما بحكم هيمنة، أو الطموح لهيمنة، كبريات الشركات الأميركية والأوروبية؛ على معظم القطاعات والموارد والأسواق، الإفريقية. مشهد بدأ الغمز من زاويته، بل التحريض المبطّن ضده؛ منذ فترة.

في «منتدى التعاون الصيني الأفريقي» في شرم الشيخ قبل أيام؛ ارتفع منسوب التحريض؛ مع انكشاف المزيد من الأرقام والمجالات والمستويات المتقدمة؛ التي بلغتها العلاقات، بين القوة الاقتصادية الصاعدة والأغنى؛ وبين الدول الإفريقية. أكثر ما كان ملفتاً، هو إعلان رئيس وزراء الصين عن عزم بلاده على منح قروض ميسّرة، في غضون السنوات الثلاث القادمة، لدول أفريقية؛ تبلغ قيمتها 10 مليارات دولار. ما يوازي ضعفي المبلغ الذي عرضته بكين في منتدى 2006.

تحدث رئيس الوزراء أيضاً، عن «بداية جديدة» بين بلاده وأفريقيا. فهي تعتزم شطب ديون بعض البلدان الإفريقية الفقيرة. كما تنوي أيضاً، اتخاذ مجموعة إجراءات أخرى؛ منها إعفاء 95% من منتجات الدول الإفريقية الأقل نمواً والتي تقيم علاقات مع الصين، من الرسوم الجمركية. كذلك إعفاء 60% من السلع، ابتداء من 2010.

خطوات أولى ثابتة، لاختراق استراتيجي؛ عند البوابة الغربية. الهمس عن غزو اقتصادي صيني للقارة، تحوّل إلى انتقادات علنية. منها أن التمويل الصيني غير المشروط، في أفريقيا، أدّى إلى تعويم أنظمة غير مقبولة، كما في زيمبابوي. كما أدّى إلى صبّ الزيت على نار الفساد المستشري؛ في القارة. وثمة من ذهب إلى حد الاتهام بأن الصين تزحف على إفريقيا لشفط مواردها وممارسة «الاستعمار الجديد» عليها.

الذي لا شك فيه أن بكين تحقق منفعة مزدوجة: تؤمن أسواقا واسعة لمنتجاتها، في قارة من خمسين دولة وحوالي ثلاثة أرباع المليار نسمة. ثم هي تحصل على إمدادات من المواد الخام، خاصة الطاقة، من منطقة لا تزال معظم مواردها الطبيعية الغزيرة؛ في باطنها. القارة، تحصل بالمقابل؛ على منتجات وسلع، بأسعار رخيصة؛ فضلاً عن المساعدات والتقنيات والسوق الصينية الكبيرة لمواردها ومنتجاتها. والأهم، للأنظمة الأفريقية، أن التعامل لا ينطوي على مطالب سياسية. هل هي معادلة متكافئة؟

طبعاً لا. الشركات الصينية تستقدم معها ألوف الصينيين. منهم عمال عاديين، على حساب البطالة الأفريقية العالية. لكن هل كان النهب الكولونيالي أكثر رحمة وتكافؤ؟ كذلك، لم يكن التعامل الغربي لاحقاً مع البلدان الأفريقية؛ أكثر أخلاقية. الأوروبيون والأميركيون، طالما حصروا تعاملهم مع النخب الإفريقية الفاسدة. بل طالما عملوا على حمايتها. موبوتو، كان، على سبيل المثال، أحد رموز هذه النخبة.

فيكتور شلهوب