عرف العراقيون عددا من الأحزاب الدينية الشيعية والسنية على حد سواء، إذ تعود التيارات السياسات الدينية الشيعية في العراق إلى العام 1957، عندما تأسس حزب الدعوة الإسلامي في مدينة كربلاء الذي كان يعمل لإقامة دولة إسلامية في العراق، وكان بين منظريه الرئيسيين محمد باقر الصدر.
وعندما وصل حزب البعث إلى السلطة عام 1968، عمل على قمع التعددية الحزبية أيا كان توجهها السياسي، وكان من بينها الأحزاب الدينية الشيعية والزعماء الدينيون الشيعة، فمارس التضييق عليها بكل الوسائل الممكنة، لأن «البعث» كان يؤمن بنظام الحزب الواحد وبمركزية الحكم وعلمانيته وشموليته، وبعد الثورة في إيران عام 1979، جعل العضوية في حزب الدعوة جريمة يعاقب عليها القانون بالإعدام، وألقي القبض على العديد من أعضاء الحزب الذي تحول إلى العمل السري بعد أن كان علنيا.
كانت لحزب الدعوة خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي فروع عديدة، فلجأت مجموعة من زعمائه وأعضائه إلى إيران، وأقامت أخرى في لندن بقيادة إبراهيم الجعفري. أما في داخل العراق فقد بقي قويا في منطقة الفرات الأوسط وحول مدينة الناصرية ومدينة البصرة في جنوب العراق. وفي انتفاضة الجنوب التي أعقبت حرب الخليج الثانية في العام 1991، ألقي القبض على آلاف من أعضاء الحزب وأعدموا.
لم يكن هذا التنظيم الحزبي الديني الوحيد الذي ظهر على الساحة العراقية، فقد ظهر «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية» في العام 1982 في طهران، إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية، بقيادة محمد باقر الحكيم الذي ينتمي إلى أسرة شيعية عراقية بارزة، وقد لجأ إلى إيران عام 1979، وكون جناحه العسكري «بدر» الذي كان بقيادة أخيه عبد العزيز الحكيم، وكان تعداده حوالي 10 آلاف مقاتل تلقوا تدريبهم وتمويلهم من إيران، وقد وضع التنظيم نصب أعينه إسقاط نظام صدام حسين في العراق.
ما بعد الاحتلال
لقد خطط الاحتلال الأميركي لضرب هوية العراق الوطنية، والترويج لتقسيمه طائفيا، وكان للأحزاب الدينية الشيعية أثرها الفعال في مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق، إذ وجدت فرصتها في السيطرة على مقاليد الحكم في العراق، وخاصة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية الذي غير اسمه فيما بعد إلى «المجلس الأعلى الإسلامي في العراق» بقيادة محمد باقر الحكيم، و»حزب الدعوة الإسلامي» بقيادة إبراهيم الجعفري، إذ دخلا مجلس الحكم الانتقالي الذي أسسه الحاكم المدني الأميركي بول بريمر في 13 يوليو 2003.
فقد تمكن المجلس الأعلى الإسلامي من أن يفرض هيمنته السياسية على بقية الأحزاب الدينية والعلمانية الأخرى في مجلس الحكم الانتقالي، وخاصة بعد تولي عبد العزيز الحكيم رئاسة المجلس الأعلى بعد مقتل أخيه محمد باقر الحكيم في 29 يوليو 2003 في مدينة النجف.
كان لرئيس المجلس الأعلى عبد العزيز الحكيم بصماته في السياسة الداخلية والخارجية، إذ طالب أثناء رئاسته لمجلس الحكم الانتقالي بتعويضات مالية لإيران جراء الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي دامت ثماني سنوات، وأسفرت عن انتصار عسكري للعراق. وقد واجهت هذه الدعوة انتقادات من عدة شخصيات وكيانات سياسية عراقية.
وحول موقف المجلس الأعلى من المقاومة العراقية، أشار عبد العزيز الحكيم إلى أن العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال الأميركي تؤدي إلى زيادة عدم استقرار العراق، بينما أشار بيان جبر صولاغ عضو المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، إلى أن مشروع المقاومة مؤجل لدى شيعة العراق، وقال «إن الجهاد في الإسلام انتصار وليس انتحارا، وما نقوم به هو الانتصار، أي أن العمل السلمي الذي نقوم به قائم على الحوار والنقاش، ونحن لا نؤمن بالعنف ولا نعمل به».
مرحلة انتقالية
ورغم أن عبد العزيز الحكيم لم ينل أي منصب حكومي في الدولة العراقية، إلا أنه كان الشخصية الأبرز بعد الاحتلال، فكان رئيس الائتلاف العراقي الموحد الذي جمع تحت لوائه كل الأطياف والأحزاب والتيارات الدينية والسياسية الشيعية، التي دخلت انتخابات العام 2005 وانتخابات العام 2006 التي أسفرت عن فوز الائتلاف فيها.
لقد طالب عبد العزيز الحكيم وفي مناسبات عدة بإقامة فدرالية في وسط وجنوب العراق الشيعي، أسوة بفدرالية الشمال الكردي، وهذا الأمر أدى به إلى الاختلاف في الرؤى والتوجهات السياسية مع قوى رافضة سنية وأخرى علمانية، وحتى بعض الفصائل الشيعية المعارضة لهذا المبدأ، مبدأ الأقاليم والتقسيم الذي يمكن أن يجر إلى مشروع تقسيم العراق.
واثر وفاة الحكيم متأثرا بالسرطان عن عمر 59 عاما، تولى نجله عمار الحكيم رئاسة المجلس الأعلى، غير أن الحزب والائتلاف العراقي الموحد افتقدا الحكيم، لما كان له من الأثر البالغ في توجيه سياسة الحزب والائتلاف العراقي.
أما حزب الدعوة الإسلامي فلا يقل تأثيره السياسي عن «المجلس الأعلى»، فقد وصل بقيادة إبراهيم الجعفري إلى سدة الحكم، وعمل على تأليف حكومة انتقالية في العام 2005، وعلى الرغم من أنها ناقصة الشرعية لمقاطعة القوى السنية للعملية السياسية الجارية تحت الاحتلال الأميركي، إلا أنه تمكن من تأليف جمعية انتقالية هدفها إعداد الدستور الجديد، وإشراك عدد من السنة في إعداده، والتصويت عليه في استفتاء شعبي نهاية العام 2005، رغم عدم موافقة أغلبية العرب السنة على هذا الدستور، لما فيه من إشكاليات رأوا فيها مساسا بسيادة العراق واستقلاله.
وشارك حزب الدعوة الإسلامي في انتخابات العام 2006، واستطاع أن يصل إلى منصب رئيس الوزراء للمرة الثانية، ولكن برئاسة نوري المالكي. واليوم يستعد الحزب من جديد بقائمة دولة، لخوض انتخابات يناير المقبل، معولا على نجاحه النسبي في تحقيق الاستقرار الأمني في العراق.
التيار الصدري
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد ظهر التيار الديني الصدري (تيار محمد صادق الصدر)، وقد برز كتنظيم سياسي ديني، استطاع أن يكون شبكات من الموالين له في البصرة وشرق بغداد «مدينة الثورة» التي تأسست عام 1962، والكوفة ومدينتي النجف وكربلاء حتى وصل عدد أعضائه المليونين، وكان الصدر يؤمن بنظرية ولاية الفقيه، غير أنه اغتيل مع ابنه عام 1999.
وخلف محمد صادق الصدر نجله الأصغر مقتدى الصدر الذي اتجه إلى إعلان المقاومة المسلحة إثر الغزو الأميركي، وأسس جناحه العسكري المعروف ب(جيش المهدي) المؤلف من عدة آلاف، وأعلن انشقاقه عن الأحزاب والتيارات الدينية التي تتبع النهج السلمي، ما قاده إلى خوض مواجهة عسكرية مع قوات الاحتلال الأميركي في مدينتي النجف وكربلاء وشرق بغداد العام 2004.
بعد ذلك أعلن التيار الصدري إيقافه لأعمال المقاومة المسلحة ضد الأميركان، وفضل الانخراط في العملية السياسية الجارية في البلاد والاشتراك في انتخابات 2005، واتباع نهج المقاومة السلمية والرجوع إلى المرجعية الدينية العليا في النجف، أسوة ببقية الأحزاب الدينية الشيعية.
وتحالفت كتلة الصدر مع المجلس الأعلى الإسلامي العراقي لإقامة دولة إسلامية يهيمن عليها رجال الدين في العراق، رغم الاختلافات المعلنة بينهما، بشأن التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية.
العلاقات الحزبية
تميزت العلاقات بين الأحزاب الدينية الشيعية بالمد والجزر، وقد حصل صراع خفي بين كل من كتلة الصدر الثاني، والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، وحزب الدعوة، وأتباع المرجع الديني الأعلى علي السيستاني في النجف الأشرف، للسيطرة على فضاءات رمزية أساسية، وهي ضريح الإمام الحسين في كربلاء وضريح الإمام علي في النجف.
ورغم تحول مقتدى وأنصاره من جيش المهدي نحو المقاومة السلمية والعمل السياسي، إلا أن بعضهم اشتركوا في تأجيج الفتنة الطائفية التي حدثت بعد تفجير مرقدي سامراء في فبراير 2006، إذ استولوا على الجوامع السنية في المحافظات الجنوبية ومدينة بغداد، مما أدى إلى وقوع صدامات بين السنة والشيعة خلال عامي 20062007 راح ضحيتها آلاف الأبرياء.
ورغم الجهود والمحاولات، لم تنجح الأحزاب الدينية في استقطاب الشارع العراقي، لعدم إيمان المواطن العراقي بالسياسات التي عانى منها طيلة سبع سنوات من الاحتلال الأميركي، ولما رافق ذلك من طائفية مقيتة، وخطاب سياسي يحمل نعرة تدعو إلى الفرقة وتقسيم العراق إلى كانتونات، واستخدامها للرموز والشعارات الدينية في الانتخابات النيابية عامي 2005 و2006، ومن جانب آخر فإن المليشيات المسلحة التابعة لبعض هذه الأحزاب شاركت في قتل الآلاف من أبناء الشعب العراقي في ظل غياب دولة القانون، فضلا عن سيطرتها على مؤسسات الدولة وبشكل طائفي، مما جعلها تعاني من الإهمال والفساد الإداري والمالي وتردي الخدمات التي تقدمها للمواطن العراقي.
الأحزاب السنية
أما الأحزاب الدينية السنية فأبرزها الحزب الإسلامي العراقي الذي تعود نشأته إلى جماعة الإخوان المسلمين في العراق، حيث أنشئت جمعية الأخوة الإسلامية في العام 1944 التي أسسها الشيخ محمد محمود الصواف، والشيخ أمجد الزهاوي. وعلى إثر صدور قانون الأحزاب السياسية خلال عهد الرئيس الأسبق عبد الكريم قاسم، أعلن الإخوان المسلمون في العراق إنشاء حزب سياسي عراقي في العام 1960، وبعد مجيء نظام صدام حسين للسلطة عام 1968، عمل على تغييب الحريات والمشاركة السياسية للحزب أسوة ببقية الأحزاب الدينية الشيعية، فتعرض الإخوان المسلمون للملاحقة واعتقل الكثير من نشطائهم وأعدم عدد آخر، أبرزهم عبد العزيز البدري ومحمد فرج والغني شندالة.
اتجه الإخوان المسلمون إلى العمل السري في العراق، إلى أن أعاد الحزب نشاطه السياسي العلني في الخارج في العام 1991، وأصدر صحيفته السياسية باسم «دار السلام» في بريطانيا.
رفض الحزب الإسلامي نظام حكم صدام حسين وسعى إلى تغييره، ولكن ليس على الطريقة الأميركية، بل كان يدعو إلى التغيير من الداخل. وقد كشف الأمين العام للحزب الإسلامي د. محسن عبد الحميد موقف حزبه من الاحتلال الأميركي بقوله «نحن واقعيون، والأميركان محتلون وليسوا محررين كما ادعوا، إن العراقيين كشعب حضاري يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه، ولا حاجة لنا بالأميركان، لقد انتهت مهمتكم وأخذ الشعب العراقي وبكل أحزابه وتياراته زمام أمره فيجب تركه وشأنه».
اشترك الحزب الإسلامي العراقي في مجلس الحكم الانتقالي للعام 2003، وفتح له مراكز عدة في الموصل وبغداد والأنبار وديالى والرمادي، وأكد على نهج المقاومة السلمية للحزب، واعترف بوجود مقاومة عراقية فاعلة ضد الاحتلال الأميركي. وأبرز الأمين العام للحزب الإسلامي تأثير وجود الاحتلال الأميركي على الوحدة الوطنية العراقية بقوله «إن قوات الاحتلال الأميركي تعتقل آلافا من العراقيين معظمهم من السنة»، محذرا من أن تهميشهم «سيؤدي إلى الإخلال بالتوازن ويؤثر في وحدة العراق».
وقد دعت «هيئة علماء المسلمين» القوى السنية إلى مقاطعة انتخابات 2005، لكونها تجري تحت هيمنة الاحتلال الأميركي، مما أدى إلى عزوف الحزب الإسلامي العراقي وبقية الأحزاب السنية عن الاشتراك في تلك الانتخابات.
واليوم يدخل الحزب الإسلامي العراقي برئاسة أمينه العام الجديد أسامة التكريتي، سباق الانتخابات العراقية للعام 2010، وتحت مظلة «جبهة التوافق العراقية»، ليمضي قدما في العملية السياسية الجارية، منهيا بذلك مقاطعته السياسية السابقة.
رغم رفض العرب السنة لدستور 2005 الذي رأوا فيه تقويضا لوحدة العراق وهويته العربية، إلا أن الحزب الإسلامي وافق على تمريره، ووعد الجماهير السنية بتعديل فقراته الأساسية كشرط أساسي للدخول في انتخابات 2006.
وكانت القوى السنية غير راضية عن العملية السياسية الجارية في البلاد، إلا أنهم أدركوا أهمية دخول المعترك السياسي، وخاصة بعد أن همش دورهم وحضورهم السياسي في المرحلة التي سبقت انتخابات 2006، مما دعا إلى تكوين جبهة سنية موحدة سميت «جبهة التوافق العراقية» وبرئاسة الحزب الإسلامي العراقي لخوض تلك الانتخابات. ورغم عدم رضى الجبهة عن نتائج الانتخابات، إلا أن العرب السنة آثروا الدخول في العملية السياسية، وخاصة بعد أن عرفوا معنى التهميش، وعدم الحضور على مستوى الساحة السياسية العراقية.
لم يتمكن الحزب الإسلامي العراقي وأمينه العام طارق الهاشمي من إجراء أي تعديل أو تغيير للدستور مع الحكومة العراقية، الأمر الذي أدى إلى امتعاض القوى السنية مما جعل جبهة التوافق تلوح بين الحين والآخر بالانسحاب من الحكومة.
د. سهير عواد الكبيسي