أخيراً استطاعت حكومة نتانياهو حشر السلطة الفلسطينية في الزاوية، إلى الدرجة التي اضطرت رئيسها محمود عباس إلى الإعلان عن عزوفه الترشح لمنصب رئيس السلطة، في الانتخابات المقبلة.

وفي الواقع فإن هذه الحكومة هي التي دفعت أبو مازن في هذا الاتجاه، بإصرارها على مواصلة أنشطتها الاستيطانية في الضفة الغربية، ومحاولاتها الدؤوبة لتهويد القدس، وتمكينها المتطرفين اليهود من اقتحام الحرم القدسي الشريف بين فترة وأخرى. كما أن هذه الحكومة رفضت القيام بكل ما من شأنه التسهيل على السلطة.

بهذا المعنى لم تأت خطوة أبو مازن هذه كمفاجأة لإسرائيل، إذ إن صحفها كانت سربت أخبارا مفادها أن الرئيس الفلسطيني لن يترشح للانتخابات، على خلفية احباطات عملية التسوية، وانسداد أفاقها، وبسبب الضغوط الإسرائيلية والأميركية التي يتعرض لها.

ضغوط متعددة

وكنا شهدنا كيف أن إسرائيل مارست ضغوطا كبيرة على الرئيس الفلسطيني لدفعه نحو تأجيل مناقشة تقرير «غولدستون» في اللجنة الأممية لحقوق الإنسان، ما آثار ردة فعل سلبية إزاءه بين الفلسطينيين.

كما شهدنا التجاذبات بين الإدارة الأميركية وإسرائيل من حول الاستيطان وكيف أنها حسمت لصالح الموقف الإسرائيلي، المتمثل باستئناف المفاوضات بدون وقف فعلي للأنشطة الاستيطانية. كما شهدنا كيف استجلبت إدارة أوباما أبو مازن إلى لقاء ثلاثي مع نتانياهو في البيت الأبيض، ما أضعف صدقية موقفه، القائل بعدم استئناف المفاوضات مع إسرائيل قبل تجميد هذه لأنشطتها الاستيطانية.

وأخيرا جاء موقف هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية التي اعتبرت أن حكومة نتانياهو اتخذت موقفا غير مسبوق بشأن تجميد جزئي ومؤقت للاستيطان، داعية الفلسطينيين لاستئناف المفاوضات!

وقد قدر بعض المحلين الإسرائيليين بأن سياسة الضغط الموجهة على السلطة ورئيسها من قبل إسرائيل، والإدارة الأميركية، من شأنها زعزعة مكانتها، وإفقادها صدقيتها في الشارع الفلسطيني.

كما من شأنها إضعاف معسكر المعتدلين لصالح حماس. وثمة من رأي بأن هذه هي بالضبط النتيجة التي تريدها إسرائيل التي لن يضغط عليها أحد، مع حماس، في موضوع التسوية. وعن ذلك يقول بن كسبيت: «في مثل هذا الوضع لا تعود هناك حاجة للمفاوضات ولا لتجميد أي شيء ومن الممكن التركيز على الحروب والحروب فقط» («معاريف»، 109

صراع الرأي العام

نقطة أخرى مهمة في هذا السياق، وهي تتعلق بالصراع على المكانة أو على الرأي العام العالمي، إذ إن حكومة نتانياهو وجدت نفسها في مكانة حرجة، على الصعيد الدولي، فهي متهمة بالتطرف، وثمة من لا يستقبل وزير خارجيتها (ليبرمان)، وهي مطالبة بوقف الاستيطان، وبالتحقيق في جرائم حرب، في حين أن مكانة السلطة الفلسطينية تتعزز، لاسيما بعد أن نفذت قسطها من خريطة الطريق (وقف الهجمات على إسرائيل)، ما يعني أن إسرائيل باتت وجها لوجه أمام تطبيق قسطها من هذه الخطة المتعلق بوقف الاستيطان.

ويلخص ألوف بن هذا الوضع القائم بقوله: بعد تسع سنوات على اندلاع انتفاضة الأقصى وخمس سنوات على وفاة عرفات، ثمة قيادة فلسطينية راسخة تقف بانتظار إسرائيل. قيادة تتكلم وتتصرف بحسم ضد العنف» (عكيفا الدار، «هآرتس»17/8)

يذكر أن الحملة على الرئيس محمود عباس تصاعدت في أعقاب مؤتمر فتح السادس، حيث شن بعض وزراء إسرائيل هجوما عليه، وعلى المؤتمر، بسبب التصريحات والمقررات الصادرة عن المؤتمر، والتي تضمنت التمسك بالقدس كعاصمة للدولة الفلسطينية وبحق العودة للاجئين، وحق المقاومة ضد الاحتلال.

ذروة الأزمة

وهذه الهجمة بلغت ذروتها في المناخات المتعلقة بمناقشة تقرير غولدستون، الذي يتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في غزة، حيث أخذت إسرائيل على السلطة سعيها لملاحقة مسؤوليها في حين أنها تتحدث عن التسوية معها. وهذا افرايم هاليفي (رئيس الموساد السابق)، يهاجم السلطة بعنف بقوله: «من هم الأشخاص الذين يصفهم ممثل رئيس السلطة المجرمين؟

وزير الدفاع أيهود باراك..رئيس الأركان غابي اشكنازي..ورئيس المخابرات يوفال ديسكين.. من هم الأشخاص الذين بفضلهم ينجح أبو مازن في البقاء في حكمه؟..إيهود باراك الذي يحث بثبات خطوات التعاون مع السلطة ويدفع الحكومة إلى الشروع في مفاوضات على التسويات الدائمة؛ رئيس الأركان الذي يقود الوحدات المختارة من الجيش الإسرائيلي.. للقضاء على أعداء أبو مازن..

ويوفال ديسكين الذي ينفذ تعليمات القيادة السياسية بتوفير حراسة زرقاء بيضاء لأبو مازن..وبينما يبحث العدو عن كيفية مناكفة إسرائيل في ميدان القانون الدولي، بقيادة أبو مازن، يجمل بإسرائيل أن ترد بضربة أليمة لحكم السلطة الفلسطينية. عمليا. («يديعوت أحرونوت»، 101)

إضاءة

يقول ألوف: «شارون وأولمرت، عرضا عباس ك«فلسطيني جيد» وكزعيم المعتدلين.. مقابل «الفلسطينيين الأشرار»، كعرفات حماس..ينظر نتنياهو إلى عباس بطريقة مغايرة..كخصم سياسي يخوض حربا دبلوماسية ضد إسرائيل..بالنسبة لنتانياهو، يمثل عباس عالم الأمس، الصراع على «حقوق الفلسطينيين» وعلى رأسها عودة اللاجئين، والملصقات التي تحمل قوائم مجرمي الحرب في إسرائيل والمطالب الفلسطينية التي لا تنتهي.. لنتانياهو وعباس تصوران متناقضان حول تسوية النزاع.

عباس يريد العمل من أعلى إلى أسفل: تعترف إسرائيل أولا بحقوق ومطالب الفلسطينيين، وبعدها تُبحث التفاصيل وتطبيقها.. نتانياهو يريد العمل من أسفل إلى أعلى: البدء في السلام الاقتصادي..وتأجيل المواضيع الأُخرى..» («هآرتس» 9/10)

ماجد كيالي