ثمة عبارة أقرب إلى الشعار المتكرر أو اللافتة المرفوعة، ويحلو لأهل الصحافة أن يرددوها، خاصة كلما ضاق الأمر بأقلامهم أو فلاشاتهم، دع عنك أفئدتهم وألسنتهم.

العبارة تقول ببساطة شديدة ما يلي: «ارجعوا إلى التعديل رقم واحد من الدستور». ونبادر فنقول أن المقصود في هذا السياق هو الدستور الأميركي، على وجه الخصوص. والقوم يحيلون إلى تعديله الأول باعتبار أنه يمس حرية الصحافة والإعلام وحرية التعبير بشكل عام.. ثم باعتبار أن الصحافة الأميركية وكافة ميديا الإعلام وسبل التعبير على أرضها.. تستند موضوعيا إلى تاريخ طويل وحافل من الريادة والخبرة والنجاح والابتكار. ويكفي بداهة أن جاء التعريف الأميركي للصحافة ليشمل وسائل النشر والتعبير بكل أنواعها.. بما يضم السبل المطبوعة من جرائد ومجلات إلى جانب ميديا الإعلام الالكتروني من إذاعة مسموعة وتليفزيون مرصود بالمشاهدة.. فضلا عما يطرق الأبواب وسط ظروفنا الراهنة من وسائل التعبير ـ بالتدوين والإرسال والتواصل الحاسوبي على شاشات العولمة.

عن التعديل الأول... في 21 يونيه عام 1788 صدر دستور الولايات المتحدة. وفي عام 1791 صدر التعديل الأول على هذا الدستور ليكفل «الآباء المؤسسون» وهم عُمُد التشريع كما تصفهم الأدبيات السياسية الأميركية حرية العبادة وحرية الرأي وحرية التعبير وحرية الاجتماع (تكوين الجمعيات السلمية). وإذا كان لأحد أن يرى في هذه الإحالة إلى دستور الولايات المتحدة، وتعديله الثاني، وقد نيف عمر التعديل الآن على 119 عاما ـ ميلا خاصا لصالح أميركا ـ فقد توافقت جمهرة المشتغلين بمهنة الإعلام وصنعة التعبير على التماس تكريس هذه الحرية أيضا من واقع أهم وثيقة دولية يقترب عمرها الآن من 62 سنة. وهذه الوثيقة تحمل العنوان التالي: «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». وهو الإعلان الذي صدر بقرار من الدورة الثالثة للجمعية العامة للأمم المتحدة برقم 217 أُلِف وبتاريخ العاشر من ديسمبر عام 1948.

يقول نص الإعلان العالمي في المادة 19 ما يلي: «لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء (يقصد المعلومات ـ الأخبار) والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين (يقصد إذاعتها وبثها) بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود (بديهي أن المقصود هنا هو سبل إذاعات الموجات القصيرة والقنوات الفضائية بالأقمار الاصطناعية وبعدها شبكات المعلومات والاتصالات الكوكبية وما في حكمها)، وقد عمدنا إلى إضافة هذه الأقواس من عندنا لمجرد إلقاء أضواء نراها ضرورية على هذا النص الأممي البالغ الأهمية والاحترام».

مخالفات من الجانبين

وكم مرت مياه لا حصر لها تحت جسور أميركا.. فيما ظل أهل الصحافة بمعناها الأشمل الذي ألمحنا إليه، يعيشون حالة من الاطمئنان إلى المكفول لصالحهم من حرية النشر والنقد والتعبير.

ولكن لأن هذه الأمور كلها تدخل في إطار الكسب البشري والاجتهاد الإنساني.. فقد كان طبيعيا أن تحدث مقاطعات أو مخالفات أو أخطاء ـ يسميها البعض من باب اللباقة أو الملاءمة تجاوزات ـ ومن جانب كلا الطرفين على السواء.

* الحكومات من جانبها ارتأت في بعض الأحيان أن تمارس مسئولياتها إلى حد السطوة أو التضييق أو الرقابة أحيانا على وسائل التعبير وساقت في ذلك ذرائع وحججا ومبررات شتى.

حدث هذا في أميركا نفسها خلال الحرب العالمية الأولى بفرض رقابة على المطبوعات بموجب قانون التجسس (عام 1917) ثم قانون التآمر (1918) ثم حدث أيضا خلال الحرب العالمية الثانية من خلال توسيع سلطات مكتب الرقابة الاتحادي.

* من جانبها احتكمت الصحافة إلى القضاء فحصلت ال«نيويورك تايمز» مثلا على حق نشر «وثائق ـ أوراق البنتاجون» بحكم تاريخي انتصر لحرية الإعلام وصدر عن المحكمة العليا للولايات المتحدة.. مع استثناء المستندات البالغة السرية والماسّة بالأمن القومي. وكان ذلك في أوج رئاسة الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون عام 1971 وهو أيضا ذروة اشتعال حرب فيتنام.. هذا فضلا عما توسعت فيه الصحافة الأميركية مع أواخر عقد التسعينات من النشر حول الانحرافات السلوكية، للرئيس الأسبق بيل كلينتون فيما عرف باسم فضيحة «مونيكا ـ جيت».

الضوابط والتوازنات

يومها لم تستطع الإدارة في واشنطن. وهي الفرع التنفيذي للحكومة أن تفعل شيئا.. إذ كان أهل الصحافة والإعلام ـ على نحو ما المحنا ـ لا يفتأون يلوّحون بأحكام التعديل الثاني للدستور وأيضا بمنطوق المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

بهذا كان القوم يمارسون أو يكرسون مبدأ جوهريا من مبادئ الحكم الديمقراطي ـ أي حكم ديمقراطي يستحق هذا الاسم - ويمكن ترجمة أحكام هذا المبدأ على النحو التالي:

؟ الحفاظ على حالة الضوابط والتوازنات بمعنى أن تتبادل سلطات الدولة الثلاث وهي التشريعية والقضائية والتنفيذية متابعة ومراقبة أعمال بعضها البعض، بما يحقق حالة التوازن المطلوبة لتسيير متوائم لسفينة الدولة ـ الأمة، وبما يحول دون أن تجور سلطة منها على السلطة الأخرى.. حيث يضاف إلى ذلك ما أصبح يطلق عليه في اصطلاح توافقي الوصف التالي:

؟ السلطة الرابعة، وهي كما يعرف الجميع الصحافة بكل أشكالها وأساليبها على نحو ما المحنا إليه في مستهل هذه السطور.

مع هذا كله.. فالمسرح السياسي في أميركا يشهد مؤخرا تقلبات ومشكلات وبعضها ظل يعتمل تحت السطح ليشعل معارك إما مكتومة أو مخنوقة بين السلطة التنفيذية ـ الحكومة والسلطة الرابعة إياها ـ وسائل النشر والبث والتعبير. ومن هذه المعارك ما سبق وبذله الطرف الأول من اللجوء خاصة في أيام ولاية جورج بوش السابقة إلى ما وصفوه بأنه «قانون المواطنة» الذي سبق إلى وضعه وزير العدل الأسبق أشكروفت، وقصد به التضييق على ممارسة الحريات العامة في التحليل الأخير.

أما المشكلة الراهنة فقد تتمثل في موجة من النقد التي وصلت إلى حدود التهجّم السافر الذي تعرّض له الرئيس الأميركي الحالي أوباما.. وخاصة من جانب قنوات وبرامج التلفاز في بلاده.

الكوميديا.. والسياسة

وقد توقّف أكثر من كاتب سياسي ومحلل أميركي عند مسألتين بالذات تنطوي عليهما هذه الظاهرة من الهجوم على رأس الدولة الأميركية.

؟ المسألة الأولى تتعلق بالبرنامج الكوميدي الشهير الذي تبّثه قناة إن.بي.سي القومية على مدار أكثر من ساعتين ويحوز نسبة مشاهدة بالغة الارتفاع، حيث يتابعه الملايين في أواخر سهرة السبت تحت عنوانه الشهير: (بث مباشر في ليل السبت). واشتهر البرنامج بنقد كبار المسئولين. والرؤساء بالذات من خلال إتقان تقليد شخوصهم ومحاكاة سلوكياتهم. لكن يبدو أن الأمور بلغت حدا دفع «مارك ليبونوفتش» أحد محللي «نيويورك تايمز» إلى كتابة مقال في منتصف أكتوبر الماضي يتساءل فيه: هل بات الرئيس أوباما يعاني مشاكل مع قاعدته من مشاهدي كوميديا منتصف الليل؟

إن كاتب «التايمز» يلمح بالطبع إلى أن هذه القاعدة من ملايين المواطنين القابعين في بيوتهم في الهزيع الثاني من ليالي السبت كانت في مجموعها تتواصل مع الرئيس الأميركي الشاب على أساس من الإعجاب والتأييد. وقد شاركت بالطبع في إحلاله في المنصب الأول بالبلاد.

لكن ها هي فرقة كوميديا التلفاز.. تحاكي شخصيته من موقع اقرب إلى السخر المستخف.. أذناه الطويلتان.. ملامحه الحادة.. قوامه الممصوص.. التلميح إلى شغفه باحتساء شراب البيرة.. الخ

بيد أن الأهم هو بدء الهجوم الصاعق، في رأي الكاتب الأميركي، على الأداء السياسي للرئيس أوباما.. صوروه في مفردات البرنامج المتلفز وهو يردد عبارته الأثيرة: نحن في لحظة حاسمة فارقة. ثم بدأوا يعددون منجزاته الحاسمة والفارقة التي وعدهم بها.. وانتهوا كما ذكر البرنامج أنه لم ينجز شيئا على الإطلاق.

هو.. وفوكس

من ناحية أخرى، فإذا كان هناك من قد يشير إلى أن المسألة مجرد كوميديا ومن ثم تؤخذ على محمل البساطة والاستظراف، فإن الأمر بالنسبة لرئيس أميركا أكثر جدية مع قناة فوكس ـ القناة الخامسة على الشاشة القومية بالولايات المتحدة..

هنا يجد المشاهد ومستهلك المنتوج الإعلامي نفسه أمام مؤسسة متكاملة.. قناة تشكل أداة بالغة التأثير لتيار المحافظين الجدد والقدامى أيضا، ولا تتورع عن توجيه سهام الانتقاد ـ وبضراوة هجومية في بعض الأحيان ـ إلى البيت الأبيض.. رئيسه.. سياساته.. أخطاؤه.. رؤيته وآفاق مستقبله.. الخ.

وإذا كان الكاتب مارك ليبوفونش قد كتب تحليله تحت عنوان: إنهم يسلقون أوباما بألْسنة حداد. فإن زميله «جيم روتنيرغ» كتب في «التايمز» أيضا في أواخر أكتوبر محللا وقائع ما وصفه بأنه «الحرب المندلعة بين البيت الأبيض وقناة فوكس».

بيرل هاربور

في هذا الإطار شهدت الأيام الأخيرة من الشهر الماضي لقاءات واجتماعات بين مسئوليْ الطرفين وكان أهمها اجتماع «ديفيد اكسلورد» كبير مستشار الرئاسة و«روجر آيلز» كبير مديري فوكس.. ورغم أن الطرفين أعلنا أنها لقاءات حوار وتفاهم إلا أن أوساط السياسة والإعلام ـ كما يقول كاتب التايمز ـ أطلقت على اللقاءات وصفا طريفا بالغ الدلالة وهو: إنها جاءت أقرب إلى الاجتماعات التي دارت بين أميركا واليابان قبيل بيرل هاربور.

والتلميح هنا إلى لقاءات الأميركيين واليابانيين بدعوى التفاهم والتواؤم.. التي لم تسفر سوى عن كارثة تدمير الأسطول الأميركي بالكامل في غارة جوية يابانية وقعت يوم 7/12/1941.

وما برح الجانبان يتبادلان الاتهامات: البيت الأبيض يتهم فوكس بأنها تخلط بالعمد بين الأنباء التي تنقلها، ولابد أن تنقلها بحيادية الاحتراف، وبين الآراء المحافظة والمناوئة التي يبديها معلقوها ومحللوها.

وفوكس تتهم مسئولي البيت الأبيض بأنهم يضيقون عليها الخناق ويميزون ضد مندوبيها في استقاء الأنباء وحضور الاجتماعات التي تعقد في المقر الرئاسي في واشنطون.

في كل حال لا يملك مراقبون إعلاميون محايدون سوى أن يلاحظوا المقارنة التي عقدها أحد معلقي فوكس بين سلوكيات الرئاسة الأميركية وبين حكم «الخمير الحمر» في كمبوديا (وكان حكما إرهابيا ودمويا بكل معنى) دع عنك ملاحظة أبداها معلق آخر وقال فيها: إن أوباما يضمر بغضا متأصلا في نفسه ضد (السكان) من ذوي البشرة البيضاء.

محمد الخولي