يعاني المواطنون في الريف السوري كثيرا في كسب عيشهم و التوافق مع الحياة العصرية دون المساس بالثوابت المتمثلة في التمسك بالتقاليد والإتكاء على الموروث.
العم محمود الرواس» 106 أعوام» يجلس على مصطبة منزله الترابي يفرم ورق التبغ البلدي وهو ينشد أغنية من تراث الساحل السوري. ليروي لنا حكاية معاناته مع الأرض التي امتدت من سفره حافيا إلى اسطنبول إبان الحرب العالمية الأولى «سفر برلك»، وحتى نزوحه لاحقا من قريته عين الكروم إلى الساحل السوري هروبا من الفقر والمرض.
ويضيف: «أصبحت الحياة الآن أكثر يسرا، لآن كل شيء بات متوفرا، في حين كنا في الماضي نعمل طيلة العام لدى الإقطاعي للحصول على مئونة لا تكاد تكفي للعام التالي».
ويعتقد الرواس أن الآباء أكثر تشبثا بالأرض لأنهم بذلوا جهدا كبيرا في الحصول عليها، أما جيل اليوم فيرى أنه فقد علاقته بالأرض، بعد أن ترك مهنة الزراعة، فالحياة العصرية بكل مباهجها وصخبها وصرعاتها وتحولاتها ، تجذبهم كثيرا بعيدا عن الأرض وطينها وعرقها وعائداتها القليلة. كما أن الحياة في الريف لا تعرف السهر وصخب الغناء والليالي الحمراء.
القصص التي يزخر بها الريف السوري تكشف مدى التناقض بين جيل الآباء والأبناء، حيث انصرف الأخير عن الزراعة للعمل في مهن أخرى أقل جهدا وأكثر دخلا.
ورغم أن مظاهر التمدن باتت تظهر بشكل واضح في معظم القرى المتاخمة للمدن إلا أن سكان القرى البعيدة مازالوا يحتفظون بتراثهم الذي ورثوه عن آبائهم، كما يؤكد المهندس الزراعي حسن طريد.
ويشير طريد إلى أن قريته التي تبعد حوالي 40 كيلومترا عن مدينة اللاذقية مازالت تتمتع بتراثها الريفي، حيث عكف السكان منذ حوالي قرن على زراعة التبغ وبعض الأشجار المثمرة، كما أن معظمهم مازال يسكن في بيوت طينية.
ويعتقد طريد أن علاقة الإنسان بأرضه أزلية، بدأت منذ عرف الزراعة، وامتدت عبر مسيرة الآلام والحروب التي خاضها للحفاظ عليها، مشيرا إلى أن الأرض لا تمنح خيراتها بسهولة وعلى المرء أن يقهرها دائما للحصول على ما يريد.
وأكد الرواس أن بقاءه على قيد الحياة رغم تخطيه المائة من عمره يعود للعمل المتواصل والمكوث أوقانا طويلة في الحقل وهو يعمل بلا كلل أو ملل.
دمشق ـ حسن سلمان
