تتميز العمارة التونسية بتنوع أشكالها وهندستها، حيث تركت كل حضارة مرت على تونس بصماتها التي لا تزال تعلو الكثير من المباني، وتغطي أغلب الواجهات والأحياء، واللافت أن تونس تحتفظ بتراثها المعماري الذي تراكمت عليه السنوات، وأبرز مثال على ذلك مدينة سيدي بو سعيد التي تبتعد 20 كيلو متراً شمال شرق تونس العاصمة.

وهي مدينة متكاملة تحتوي على جميع المرافق الطبيعية التي أهلتها لتكون مدينة نموذجية بامتياز، فجميع جدران بيوتها ومرفقاتها مدهونة باللون الأبيض، أما الشبابيك والأبواب فهي مدهونة باللون الأزرق وتتميز كل المباني بنفس درجة اللون حتى إن الزائر لتلك المنطقة يشعر وكأنه دخل فجأة للوحة زيتية مضيئة بألوان بيوتها وتناسق مبانيها. وقد سميت «سيدي بو سعيد» بهذا الاسم نسبة للولي الصالح أبو سعيد بن خليف بن يحي الباجي، الذي كان يعيش فيها في أوائل القرن الثالث عشر، بعد أن انقطع فيها عن العالم من أجل العبادة قبل أن يدفن فيها ويزوره إلى الآن الكثير من الناس لقراءة الفاتحة على روحه الطاهرة. وتقول الأساطير في المنطقة إن أبو سعيد الباجي لم يكن سوى ملك فرنسا لويس التاسع الذي اختلق قصة وفاته عقب حصار تونس واعتنق الإسلام وآثر أن يعيش بقية حياته في هذه القرية الهادئة.

وقد دافع الباجي عن الإسلام ضد حملات المشركين عندما كان من بين الجنود الذين يراقبون السّاحل، وتفرّغ الى الصلاة وتقديم الدروس إلى التلاميذ.

ويقع ضريحه بجانب جامع الزاوية الذي بني في القرن 18 بأمر محمود باي ومنذ ذلك الوقت بنت عائلات تونسية عدة منازل على الثلة وحول المقام لتصبح مكانا للاصطياف والتسلية في جو من الورع الديني.

إذ كانت تقام احتفالات دينية من أهمها الخرجة التي ما تزال تقام إلى اليوم وهي عبارة عن حفل ديني تدق فيه الطبول وترتل فيه الأذكار الدينية والأناشيد، وتطبخ نساء البيوت المجاورة للضريح «الكسكسي» وهو الأكلة الشعبية التقليدية في تونس، ويجتمع كل أهالي القرية مع بعضهم البعض باللباس التقليدي يومها، لإحياء ذكرى الأولياء الصالحين.

خلف الأسوار

ويرقد في مدينة سيدي بو سعيد الصغيرة أكثر من 500 ولي صالح على رأسهم سيدي بوسعيد الباجي ؟وكذلك سيدي الجبالي وسيدي الظريف وسيدي بوفارس وسيدي الشبعان وسيدي الشهلول وسيدي عزيزي وللاّ المعمورة وللا شريفة ابنة سيدي أبو سعيد.

وتعد ضاحية سيدي بوسعيد أول موقع محمي في العالم ويعود تأسيسها إلى القرون الوسطى، وتقع في أعالي المنحدر الصخري المطل على خليج تونس ومدينة قرطاج، ويقطن في سيدي بو سعيد حوالي 5000 شخص، أغلبهم من السكان الأصليين للمدينة حيث يُعتبر التنازل عن البيوت التي سكنها الأجداد بمثابة التنازل عن الشرف.

وقد فتحت بعض البيوت العتيقة أبوابها أمام الزوار والسياح الأجانب ليكتشفوا أسرار المعمار التونسي المخبأ خلف الأسوار العالية، على غرار دار العنابي التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن عشر حيث يتميز البيت بطرازه الإسلامي المتميز وديكوره الجذاب وأشجار البرتقال والياسمين التي تتناثر من هنا وهناك ، هذا بالإضافة إلى الأرضيات الرخامية والمصابيح الملونة.

كما تحولت بعض البيوت إلى مطاعم على غرار بيت زروق ومقهى سيدي الشبعان وهو أشهر مقهى في المنطقة بسبب موقعه الإستراتيجي إذ تطل شرفته على البحر الزمردي والميناء، ويقدم لزبائنه الشاي الأخضر بالنعناع والصنوبر الذي تشتهر به تونس، هذه البيوت والمقاهي والفنادق والمحلات التي تبيع المشغولات التقليدية حولت المنطقة كلها إلى وجهة سياحية يقبل عليها الزوار من مختلف بلدان العالم، كما جذبت الكثير من الكاميرات لتصوير مشاهد إما من أفلام عالمية أو تونسية أو من أغاني مصورة أشهرها «إن شاء الله» للمطربة التونسية لطيفة.

خصائص بيوت سيدي بو سعيد

أشكال البيوت في سيدي بو سعيد لا تختلف كثيراً عن البيوت التونسية بصفة عامة، فكل المساكن التونسية الأصلية ترجع في شكلها إلى البيت الإغريقي الذي نجد فيه عدة غرف مجمعة حول صحن مركزي ويوصل هذا الصحن ممر يوجد وراء المدخل الوحيد للبيت.

ويكون شكل الصحن مستطيلا أو مربعا تحيط به أروقة وتزينه بعض النافورات التي تروي النباتات والأزهار التي تضفي البهجة على هذا الفضاء المفتوح على السماء. ونجد في آخر الصحن غرفة كبيرة صالحة للاستقبال تفتح على الصحن بواسطة عدة فتحات. كما يمكن أن نجد صحونا أخرى ثانوية في البيوت الكبيرة تكون ضيقة نوعا ما ومحاطة بأروقة على جوانبها ونجد حولها غرفا تكون جناحا خاصا.

المشربيات تحتل موقعاً متميزاً في اغلب البيوت التي تشقها الأزقة الضيقة المرصفة بالحجارة، وعلى قدر بساطة البيوت بقدر جمالها وأتساعها، واللافت أن بيوت سيدي بو سعيد تحتوى على أقفاص الطيور كشكل أساسي حيث يهتم الساكنون هناك بتربية الطيور النادرة وحتى الأقفاص ملونة بالأبيض والأزرق، وهي ألوان الطبيعة والحياة بحسب اعتقادات سكان سيدي بو سعيد.

قصر البارون «ديرلانجي»

يُعد قصر البارون الفرنسي ديرلانجي من أبرز المعالم التي تحتضنها مدينة سيدي بو سعيد، إذ يتميز بهندسة معمارية تجمع بين الفن الأندلسي والمعمار التونسي، وقد بناه البارون بين سنتي 1912و1922 وسط حديقة شاسعة تشرف من فوق هضبة سيدي بو سعيد، ويطل قصر البارون والذي أصبح يسمى في الوقت الحالي قصر «النجمة الزهراء» بكل مهابة وشموخ على مدينة سيدي بو سعيد إذ يحتل موقعاً متميزاً فوق هضبة يحدها شمالاً البحر وجنوباً مدينة سيدي بو سعيد بلونها الأبيض والأزرق، وقد أضفى هذا القصر روحاً كلاسيكية عميقة إذ شيد قصر النجمة الزهراء على مساحة 1500متر مربع.

ويٌعتبر مدرسة في الهندسة المعمارية ويكفي القول بأن أشغال البناء دامت عشر سنوات ، عمد خلالها البارون ديرلانجي، وهو رسام مستشرق وموسيقي، عرف بمؤلفه الضخم «الموسيقى العربية»، عمد إلى جلب أمهر التقنيين وأحسن الحرفيين في مهن الرخام والجبس المنقوش والخشب المحفور والمنحوت ، من أقطار عربية وأوروبية مختلفة، بهدف بناء قصر إقامته وقد أختار أن يكون بشكل طولي وهو ما جعل اختيار مشهد البحر مسألة أولية.

و لأهمية هذا الفضاء قامت الدولة التونسية باقتنائه سنة 1988 ليصبح معلماً ثقافياً وسياحياً بامتياز إذ تقام فيه فعاليات بعض المهرجانات التي تعنى بالموسيقية.

سيدي بو سعيد اليوم

تمثّل سيدي بوسعيد اليوم ملجأً هادئًا للكثير من الكتاب، الفنانين والشعراء، منذ أن اكتشفت من قبل السياح الذين يهجمون عليها على مدار السنة للاستمتاع بأجوائها الحميمة ولشم رائحة الياسمين وأشجار البرتقال التي تعبق في المكان، وقد أطلقت على سيدي بو سعيد العديد من التسميات منها ساحرة البحر الأبيض المتوسط. والزائر إلى تونس دائما ما تكون مدينة سيدي بو سعيد من أولى محطاته.

تونس ـ ضحى السعفي