اعتبر الخبير القانوني العراقي المقيم في قطر الدكتور أكرم المشهداني ان البلاد العربية أصبحت بيئة طاردة للأدمغة المفكرة، التي وجدت في الغرب الأوروبي والأميركي مناخاً علمياً مناسباً، وجاذباً لها. واستند المشهداني في حوار مع «البيان» تناول أسباب هجرة العقول العربية إلى إحصاءات رسمية أظهرت الارتفاع المذهل في نسبة الهجرة العربية للغرب.

وأشار إلى ان الحرب الأميركية على العراق، وقبلها الحصار الاقتصادي المفروض قد أديّا إلى هجرة أكثر من 20 ألف عالم وخبير عراقي، 80 منهم هاجروا أو أجبروا على الهجرة، بسبب تردي الأوضاع الأمنية بعد الغزو الأنجلو- أميركي، صاحبتها حملة اغتيال وتصفية لأولئك العلماء بينهم نسبة كبيرة من أساتذة الجامعات والمعاهد والباحثين في مراكز البحوث والمؤلفين وخبراء الكمبيوتر والكيمياء واختصاصيي استخراج البترول والمعادن، وخبراء الزراعة والاقتصاد وغيرهم. * هل لديك أية إحصائيات تبين أعداد المهاجرين، وأين كانت وجهتهم؟ ـ طبقا لما أعلنته وزارة الهجرة المصرية فان إجمالي عدد العلماء المهاجرين من ارض الكنانة وحدها بلغ465 ألف عالم، منهم 200 ألف هاجروا إلى أميركا، و60 ألفا إلى كندا، و50 ألفا إلى أستراليا، و155 ألفا في أوروبا. ومعظم المهاجرين من خريجي الجامعات وعلماء الطبيعة والأطباء والمهندسين. ويكفي القول ان هناك ومنذ بداية الستينات من القرن الماضي أكثر من 61 ألف طبيب مصري و100 ألف مهندس و122 ألف اختصاصي فني. ومن سوريا هاجر 56% من خريجي الجامعات فيها، ومن لبنان 29% من الخريجين أيضا، ومن تونس 12. 5% من علماء الطبيعة لديها.

* ولماذا تزايدت نسبة المهاجرين مؤخرا؟ ـ المجتمعات العربية باتت بيئات طاردة للكفاءات العلمية العربية. الأمر الذي أدى إلى استفحال ظاهرة هجرة الأدمغة العربية للغرب. وهناك دراسة لمركز الخليج للدراسات الإستراتيجية تشير إلى أن 45% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج لا يعودون إلى بلدانهم، وأن 34% من الكفاءات العلمية العربية مهاجرة بالفعل إلى الدول الثلاث «أميركا - بريطانيا ؟ كندا». وإجمالي الخسائر التي تسببها هجرة الأدمغة لدولهم لا تقل عن 200 مليار دولار في حين تستفيد الدول الغربية الرأسمالية من الهجرة التي تحمل معها كفاءات وخبرات علمية تحسن استغلالها. * لماذا تهاجر الأدمغة العربية إلى الغرب؟ وكيف نوقف هجرتها، ونحسن استغلالها في بلادنا العربية؟

هناك مثال واضح يجيب عن الأسئلة يتمثل في تجربة العراق فهناك مؤامرة نفذت لإفراغه من علمائه، فمنذ الغزو على أرض الرافدين عام 2003 تسارعت حدة الهجرة العراقية إلى دول الجوار العربي ومن ثم إلى أوروبا عبر الإغراءات المادية ومنح الجنسية من قبل الدول الغربية، وبحثا عن الأمان والحياة الهانئة بالنسبة للمهاجرين، ولوحظ أن أكثر المغادرين كانوا من أصحاب الكفاءات كأساتذة الجامعات، والأطباء الاختصاصين في علاج الأمراض الخطيرة والمستعصية، ومنهم أيضا المهندسون. وجاءت الهجرة بسبب السياسات التي استهدفتهم من قبل بعض الجماعات التي رفعت شعار اجتثاث البعث، والميليشيات الطائفية التي تقوم بعمليات تصفية حسابات مع كل من عمل مع النظام السابق. كما أن هناك سببا آخر دافع للهجرة وهو انهيار النظام الأمني، وتعرض أصحاب الخبرات إلى عمليات تهديد واختطاف من جماعات غير معروفة تقوم إما بخطفهم والمطالبة بفدية لقاء الإفراج عنهم، أو ترسل رسائل تهديد لهم لمغادرة العراق أو التعرض للاغتيال.

هل هناك تقارير تشير إلى ذلك؟

نعم هناك تقرير أعده مكتب الوكالة الأميركية للتنمية «يو إس اي ايد» الذي أشار إلى أن عددا كبيرا من الاختصاصين أعلنوا أنهم تلقوا تهديدات من جماعات معروفة، طالبتهم بالتوقف عن العمل في بلادهم وإلا كان مصيرهم القتل.

نلاحظ ان الأوضاع الأمنية أفضل عن ذي قبل فهل تتوقف ظاهرة الهجرة؟

1. تدفق الخبرات العراقية الخارج مستمر ويهدد بفقدان البلاد لأهم الكفاءات وشتى المجالات، ما يعني أن عمليات إعادة بناء المجتمع العراقي الذي دمره الغزو الأميركي، وإصلاح البني التحتية قد يحتاجان وقتا طويلا.

ما انعكاسات الهجرة على الداخل؟ وهل الراغبون فيها لديهم القدرة المالية على السفر؟

وتيرة الهجرة ومعدلاتها تتراوح بين القادرين علي ترك البلاد والرحيل إلى دول الجوار، مثل سوريا والأردن ومصر، أما الذين يحملون تأشيرات سفر للدول الغربية فيسافرون فورا لأنهم قادرون ماديا، أم الذين يبقون في البلاد فيشعرون ان الآخرين تخلوا عنهم. وبشأن التأثيرات الداخلية المباشرة للهجرة فيمكن القول انها تتمثل في إن تغطية نقص الكوادر بسبب الحاجة تجعل أشخاصا يمتلكون خبرات أقل يحلون مكان الذين غادروا، أما الذين يقفون علي أبواب التخرج فيحلمون بالخروج من العراق إن وجدوا الفرصة لذلك.

وهناك طلبة في جامعة بغداد يقولون إن غياب الأمن والاستقرار، وعدم توفر فرص العمل، من الدوافع الأساسية للهجرة من البلاد. وحتى الذين عادوا بعد انهيار النظام العراقي السابق، قرروا العودة إلى الأماكن التي حضروا منها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الدول الغربية، فيما يفكر آخرون الآن في الرحيل.

هل هناك أرقام تحدد أعداد الذين هاجروا بسبب التهديدات والوضع الأمني؟

نعم فبعض المصادر تشير إلى ان العدد يتجاوز الثلاثة ملايين شخص بينهم من 400 إلى 500 ألف من الكفاءات العلمية بين أكاديمي وحامل شهادة عليا وأستاذ وضابط ومهندس وطبيب ومحامي وغيرهم من مختلف الاختصاصات العلمية..

أسباب الهجرة

ما هو التوصيف الحقيقي لأسباب هجرة الأدمغة؟

هناك عدة نقاط يمكن التركيز عليها وتتمثل في: الأحوال الاقتصادية والمعيشية السيئة للعلماء والباحثين العرب وتدني أجورهم ومكافآتهم. وتدهور الأوضاع الأمنية في عدد من البلاد كما في العراق وفلسطين مثلا.

وعدم توفير مناخ البحث العلمي السليم، وأجواء الرعاية العلمية المطلوبة للعلماء في البلاد العربية، على عكس ما يلقونه من مناخات علمية سليمة في الجامعات والمؤسسات الغربية وبخاصة المراكز الممولة تمويلا سخيا، من مصانع وشركات كبرى.

لماذا نجح المهاجرون العرب في الغرب وأخفقوا في بلدانهم؟

إن عدم توفر الأجواء الملائمة يعتبر السبب الأساسي، ويجب القول انه وبالرغم من النجاحات الواسعة التي حققها العرب في بلاد الغرب فإن الحنين لتراب الوطن الأم يسيطر على عقول الكثيرين منهم، وتظل قلوبهم مشدودة إلى أوطناهم، ومن السهل جداً جذب هذه الأدمغة إلى العودة والاستفادة من خبراتها.

لكن للأسف الشديد المناخ العلمي في الدول العربية ليس مهيأ لجذب تلك الأدمغة في ظل الروتين، وقلة الموازنات المخصصة للبحث العلمي، وعدم وجود خطط إستراتيجية نستطيع من خلالها استغلال الأدمغة المفكرة.

متى يمكن للعرب أن يتحولوا من مستهلكين للتكنولوجيا إلى منتجين لها؟

ما يحدث في هذا الصدد يعطي مؤشرا وإحساساً بالدونية، ويعد ذلك مؤشراً خطيراً، وللخروج من هذا النفق المظلم لابد من تخصيص موازنات لائقة بالبحث العلمي في بلادنا، وأن تلحق مراكز بحثية لائقة بأقسام الدراسات العليا في الجامعات العربية، تمول من شركات يهمها البحث العلمي لتوفر عليها استيراد قطع الغيار وما يلزمها من الخارج، إضافة إلى تبني الجامعات خططا علمية مدروسة لتمويل الاكتشافات والاختراعات.

فقد آن الأوان ليصبح العرب منتجين لا مجمعين، أو مجرد أصحاب توكيلات، وعلى الحكومات العربية تقديم تسهيلات حكومية للشركات لتشجيعها على جذب رؤوس الأموال لتوطين الصناعات المدعومة التي تتمثل في توافر الأمان والمناخ الاستثماري الجاذب إلى جانب استثمار أموال الوقف في البحث العلمي وضمان حق الانتفاع بالابتكارات وأن تكون الاستثمارات العربية في الداخل، وفي ظل اتفاقيات تضمن للمستثمر حقوقه كاملة بعيدا عن التقلبات السياسية.

وتردي الأحوال الاقتصادية ما يساعد ويشجع على طرد الأدمغة العربية إلى بلدان أكثر اهتماما توفر كل الإمكانات المشجعة للبحث والابتكار والبقاء هناك..

إضافة إلى الظروف السياسية التي تمر بها معظم البلدان العربية، وهي ظروف قهرية لا تشجع على الإبداع العلمي الذي يحتاج إلى مناخ جيد من الحرية والانطلاق، أما الغرب فإنه يوفر كل المغريات للأدمغة المهاجرة التي تتراوح بين حرية التعبير وحرية البحث العلمي الجاد والعائد المادي المجزي.

وخصوصاً لأصحاب التخصصات النادرة.. وهناك كثير من الرموز العربية التي حققت نجاحات واسعة في مجال البحث العلمي في الغرب في مجالات مختلفة مثل عالم الفضاء الشهير الدكتور فاروق الباز، والدكتور احمد زويل الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء، والدكتور مجدي يعقوب جراح القلب الأول في العالم، وغيرهم كثيرون.. . وهذا ما حفَّز عدداً كبيراً من العقول العربية للهجرة إلى الغرب أملا في الحصول على فرصة مناسبة.

الحلول

وما هي الحلول الناجعة لتحفيز المهاجرين ومعهم أبناؤنا الذين يدرسون في أوروبا وأميركا إلى العودة أوطانهم ولاستثمار طاقتهم العلمية والإبداعية؟

يجب التفكير جديا في جملة من الإجراءات والسياسات ومنها ضرورة تغيير المناخ السياسي والثقافي والاقتصادي في البلاد العربية بما يحقق الظروف المناسبة لجذب هذه العقول التي تزخر بها مجتمعاتنا.

واستنهاض همم الشركات الصناعية والمؤسسات المالية العربية لدعم البحث العلمي، بما يحقق سياستها الإنتاجية كبديل للمساعدات الأجنبية في المجالات العلمية التي هي في معظمها موجهة لصالح الجهات المانحة إضافة لأهمية خلق نوع من التوحد البحثي وإنشاء أكاديمية عربية للبحث العلمي من خلال جامعة الدول العربية.

وتوفير المناخات العلمية المناسبة: من حق الدول العربية ان تستفيد من أبنائها النابغين في مختلف العلوم، وبخاصة علوم الحاسبات وتكنولوجيا المعلومات والطب والهندسة وغيرها.

وذلك بتوافر المناخ العلمي المناسب الذي يجعلهم يواصلون تفوقهم وابتكاراتهم... وإذا ما وفرنا لهم هذا المناخ يصبح من الواجب على هؤلاء الأبناء العودة إلى أوطناهم فهي أولى بهم.. ويجب الا نطالبهم بالعودة قبل أن نوفر لهم المناخ العلمي المناسب والظروف الملائمة لوجودهم.. وتهيئة المناخ الذي يشجعهم على حرية البحث العلمي والابتكار في بلدانهم التي في أمِّس الحاجة لاستثمار خبراتهم العلمية.

وعلى أن توفر الدول العربية الإمكانات المادية والثقافية والسياسية للتفرغ للبحث العلمي. وتحسين الأحوال المعيشية السيئة للعلماء والباحثين العرب ورفع أجورهم ومكافاتهم، وتوفير أجواء الرعاية العلمية المطلوبة للعلماء، على غرار ما يلقونه من مناخات علمية سليمة في الجامعات والمؤسسات الغربية وبخاصة المراكز الممولة تمويلا سخيا، من مصانع وشركات كبرى. وزيادة المبالغ المخصصة لتمويل البحث العلمي في البلدان العربية في موازنات الدول العربية.

موقف

يقول المشهداني أن قلة المبالغ المخصصة لتمويل البحث العلمي يحول دون النهوض بالتجارب، فأكبر دولة عربية كانت تخصص أقل من 1% من موازنتها للبحث العلمي، مقابل نسب كبيرة من الموازنات المالية تذهب للتسليح والمجالات الأخرى. في حين تخصص الدول الغربية نسبة لا تقل من 8-10 بالمئة من موازناتها السنوية للبحث العلمي.

وعلى سبيل المثال فإن الهند التي تحقق عائدا يفوق 12 مليار دولار سنويا من البرمجيات، طبقت تجربة ناجحة تمكنت خلالها من تعليم الأطفال والنساء استخدام الكمبيوتر، بل عممته في الشوارع والحارات والبيوت والمدارس. كما أنها قامت مؤخرا باستقطاب عقولها المهاجرة للعودة إلى الوطن الأم بعد أن هيأت لها المناخ العلمي السليم.

الدوحة ـ أنور الخطيب