الإرهاب ظاهرة قديمة، لكنه يتخذ في السياق الدولي الراهن أبعادا خطيرة، ويمكنه أن يزيد من حدة التحديات التي تواجهها البشرية في هذه المرحلة من مسيرتها، خاصة في ظل انتشار مختلف أسلحة الدمار الشامل وكل أشكال الجريمة المنظمة واستمرار النزاعات الإقليمية وفي مقدمتها النزاع العربي الإسرائيلي.

وبعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 طرحت إدارة بوش مقولة «الإرهاب الدولي» وقررت بمواجهته ممارسة «سياسية التدخل» من أجل الأمن الدولي وبعيدا عن منظمة الأمم المتحدة. وفي مثل هذا السياق وجد المحافظون الأميركيون الجدد فرصتهم من أجل غزو العراق واختلقوا جميع الحجج للقيام بذلك مثل امتلاك أسلحة دمار شامل ووجود روابط بين النظام العراقي السابق والمنظمات الإرهابية. وأخيرا قرروا القيام بحربهم باسم نشر الديمقراطية بعد أن ثبت بطلان الحجج الأولى. وكان التدخل العسكري الذي تحوّل إلى احتلال تواجهه مقاومة مسلحة. هذا مع وضع استثنائي في منطقة كردستان التي أصبحت تحظى بدرجة عالية من الاستقلال الذاتي ولكن مع حرص قادتها على البقاء داخل الإطار العراقي.

لا يفهم الجميع تعبير «الإرهاب الدولي»، لكنه يعكس جيدا ما يجري اليوم بالمقارنة مع إرهاب «الأمس» الذي كان ذا طابع محلّي، إلى حد كبير. ويشير المؤلف بنفس الوقت إلى أنه لا ينبغي، مع ذلك، أن يستخلص من هذا القول أنه يمكن اعتبار الإرهاب الدولي كمنظومة «تراتبية» يقودها مركز واحد. الانترنت له أهمية خاصة بالنسبة لنشر الأفكار والوثائق وتصريحات «الزعماء». ويقول المؤلف: «ليس من أجل التبرير»، كما يؤكد أن إرهابيي اليوم لم يخترعوا شيئا فروبسبيير الفرنسي، كان من أنصار الرعب الجماهيري كأداة هامة في النضال الثوري. ولينين وتروتسكي مارسا «الرعب الأحمر» كرد على «الرعب الأبيض». ومارس النظام الستالينيني الإرهاب من أجل تحقيق أهدافه كما تثبت سياسته الدموية عام 1937.

وبعد أن يؤكد مؤلف الكتاب بريماكوف أن موسكو لم تمارس، حتى في فترة الحرب الباردة، أي عمل إرهابي ضد الولايات المتحدة، يرى أن الإرهاب يجعل التحديات التي يواجهها العالم اليوم أكثر خطورة، وفي مقدمتها خطر انتشار الأسلحة النووية وبقية أسلحة الدمار الشامل وخطر تجارة المخدرات من حيث أنها أصبحت أحد مصادر الدعم المالي للنشاطات الإرهابية، وخطر غياب تسوية النزاعات الإقليمية، وخاصة نزاع الشرق الأوسط، مما يخلق أرضية لتعزيز التطرف. وفي مواجهة ما وصفته الولايات المتحدة بالإرهاب الدولي جرى تبنّي أسلوبين متداخلين:

الأول هو إعداد برنامج أعمال وقائية في حالة بروز تهديد للأمن الدولي بنظرها.

والثاني هو التحرك بمعزل عن منظمة الأمم المتحدة. بل ويشرح مؤلف هذا الكتاب مسار تدهور علاقات واشنطن مع المنظمة الدولية منذ فترة رئاسة رونالد ريجان وصولا إلى التعارض التام معها في ظل إدارة جورج دبليو بوش.

سياسة التدخل

القاعدة التي يؤكّدها مؤلف هذا الكتاب هي أن معيار صواب هذه النظرية أو تلك هو دائما الممارسة وكيفية تجسّدها في الواقع العملي. هكذا كان الاتحاد السوفييتي قد أراد أن يجعل العالم كله ثوريا، لكن أظهر الواقع أن ذلك كان حلما طوباويا. والحياة قررت شيئا آخر.

والنظرية القائلة أن الولايات المتحدة تستطيع أن تعيد اليوم صياغة العالم كله على صورتها. وأحيانا عبر اللجوء إلى القوة، لا يمكنها أن تصمد أيضا أمام الواقع. ذلك أن العالم تبدّى أكثر تعقيدا مما جرى الظن أنه يمكن تغييره بشكل جوهري عبر اللجوء إلى تطبيق مبدأ التصرف من جانب واحد.

كان المحافظون الأميركيون الجدد قد قرروا قبل فترة طويلة من التدخل في العراق القيام بذلك كهدف أولي لهم، لكن كان عليهم أن يقنعوا الأميركيين بضرورة ذلك وضمان القبول الملموس لحلفائهم بذلك. في مثل ذلك السياق ظهرت اتهامات امتلاك العراق للسلاح الذري، أو على الأقل، أن العراقيين قريبون من التوصل إلى ذلك بواسطة البرامج المكتّفة التي كانوا يطبقونها لتحقيق هدفهم.

وينقل بريماكوف أنه تأكّد من النوايا الأميركية إثر حديث أجراه مع رئيس اللجنة الخاصة للمفتشين الدوليين «باتلر» أثناء زيارته لموسكو. نقرأ: «عندما سألته إذا كانت اللجنة الخاصة تستطيع إغلاق ملف الأسلحة النووية والصواريخ نظرا إلى أنه لم يتم اكتشاف أي شيء من ذلك. أجابني بتلر: اتفقوا مع الولايات المتحدة وسأفعل ذلك. كان باتلر مرتبطا منذ فترة طويلة مع الولايات المتحدة، ولم أكن أنتظر مع ذلك موقفا شبيها منه.

وكما ترون لم يكن الأمر يتعلّق بالسمة الموضوعية للتحقق من الأمر ولكن من قبول الولايات المتحدة بالنتائج المبرمجة». ويؤكد بريماكوف أن روسيا كانت ترقب باهتمام كبير نتائج عمل لجنة التفتيش الدولي. لكن أبحاثها لم تتوصّل إلى شيء. رغم ذلك كانت الولايات المتحدة تحضّر عمليتها العسكرية على قاعدة أن موظفيها قد علموا من أخصائيين عسكريين سيكتشفون بالضرورة آثار تسلح نووي في العراق، على عكس ما تقوله اللجنة الخاصة.

لكن لم تتوصّل مجموعة الخبراء بدورها على أي أثر لأسلحة الدمار الشامل وتوجّب حل مجموعة خبراء القوات المسلحة الأميركية التي ترأسها الجنرال دافيك كاي الذي استقال بعد تصريحه أنه لا يمكن اكتشاف أي أثر في العراق لأسلحة نووية أو كيميائية أو جرثومية.

فراغ في العراق

ويشير المؤلف أنه يمكن تصوّر جميع أجهزة الاستخبارات الأميركية مجنّدة لتثبيت اتهام آخر ضد العراق يبرر العملية العسكرية الأميركية. فكانت أطروحة «روابط بغداد مع الإرهاب الدولي». هذه الأطروحة لم تصمد أيضا أمام الواقع. وصرّح مدير وكالة الاستخبارات الأميركية نفسه أمام الكونغرس أن العراق ليس له أية علاقة مع القاعدة أو غيرها.

بدأت عندها نغمة نشر الديمقراطية في العراق. كانت الديمقراطية الأميركية هي النموذج، رغم أنه لا يشترك في شيء مع التقاليد التاريخية والعقائدية، ولا مع الوضع الاجتماعي-الاقتصادي أو مع عقلية الشعب العراقي والشعوب العربية الأخرى.

وكان احتلال العراق، ولم يتم استقبال القوات الأميركية ك»محررة» ولكن جرى استقبالها بالمقاومة المسلّحة التي لم تتوقف مع اعتقال صدام حسين، كما اعتقد الأميركيون. ويحدد بريماكوف خطأ كبيرا ارتكبوه في العراق عندما قرروا أن يطبقوا في هذه البلاد نموذج الاحتلال الذي استخدموه في ألمانيا الغربية. وكما اعتبروا في ألمانيا الحزب النازي خارجا عن القانون وحلّوا البنية الهتلرية العسكرية. لكن الوضع في العراق كان مختلفا.

من جهة أخرى وعلى أساس مبدأ تدمير كل ما كان قائما في عهد صدام حسين أضاعت سلطات الاحتلال إمكانية استخدام جزء من آليات مجرّبة عبر توجيهها نحو العمل على استقرار الوضع في العراق. باختصار حدث فراغ حقيقي في السلطة.

ويبدو أنه لم يؤخذ في واشنطن الاعتبار لواقع أن سحق العراق على الصعيد الإستراتيجي سيخرّب توازن القوى في الشرق الأوسط حيث بدأت مباشرة تعرض نفسها كقوة إقليمية. ووجدت إيران أيضا تحالفات إقليمية ومواقع في العراق نفسه عززت من مواقعها في معارضة جزء هام من المجموعة الدولية بخصوص الملف النووي.

وبسبب نفوذ المحافظين الجدد لم تأخذ إدارة بوش بحسابها نصائح بعض الساسة الأميركيين الواقعيين والمجرّبين من أمثال جيمس بيكر، وزير خارجية أميركا الأسبق والسناتور الديمقراطي هاملتون اللذين أنجزا تقريرا في إطار اللجنة الحزبية الجمهورية-الديمقراطية التي شكّلها الكونجرس.

ويشير بريماكوف هنا إلى أن الاتصالات التي أجراها السفير الأميركي في بغداد مع ممثلين إيرانيين من مستوى متواضع لا تتناظر بالطبع مع المحادثات الكبرى التي اقترحتها لجنة بيكر-هاملتون. اضف إلى ذلك أن الاتصالات التي جرت كانت على خلفية تهديدات مستمرّة بتوجيه ضربات إلى إيران وسوريا.

ماذا يجري في كردستان؟

يروي ايفجيني بريماكوف أنه زار كردستان العراقية في شهر مايو من عام 2008 بدعوة من جلال طالباني الذي يعرفه منذ أكثر من 40 سنة. وقد حضر من بغداد إلى السليمانية حيث التقيا لساعات طويلة. ثم توجّه بريماكوف إلى «اربيل»، العاصمة الحالية لكردستان العراقية. وهناك فتحوا له أبواب الدوائر الرسمية وأبواب السكان العاديين فهو من معارف أسرة البرازاني منذ أن كان مراسلا لصحيفة «البرافدا» السوفييتية في المنطقة خلال سنوات الستينات المنصرمة.

ويؤكد المؤلف أنه بعد الإطاحة بصدام حسين نال أكراد العراق الكثير من المكاسب. إنهم يمتلكون وحداتهم المسلّحة الخاصة بهم ؟البشمرغا- وينالون 18 بالمئة من قيمة جميع الصادرات البترولية ولا يتواجد في منطقتهم أي موظفين قادمين من المركز، وفضلا عن هذا كله لديهم مواقع قوية في السلطة المركزية من خلال مناصب الرئيس ونائب رئيس مجلس الوزراء ووزارات الخارجية والتخطيط والصناعة والسكن، الخ.

ويصف البعض كردستان العراق أنها دولة داخل الدولة. إذ للمنطقة الكردية رئيسها وحكومتها وبرلمانها. وهذا ما يخلص منه بريماكوف إلى نتيجة مفادها: «إن أفكار الملاّ مصطفى البرزاني الذي قاتل، كما قيل لي، كي يتمتع الأكراد باستقلال ذاتي حقيقي وكي يكون لهم تأثيرهم على سياسة بغداد، قد تحققت».

وهنا يفتح المؤلف قوسين ليسأل: ألا يتم التوجه عبر هذا السبيل نحو إنشاء دولة كردية مستقلة؟ ويشير إلى أنه طرح هذا السؤال على مسعود البرزاني، رئيس المنطقة الكردية، وعلى قادة أكراد غيره عند زيارته الأخيرة وكانت الإجابة هي نفسها التي سمعها من مصطفى البرزاني في نهاية سنوات الستين الماضية والقائلة: مهمتنا هي الحصول على استقلال ذاتي للأكراد دون الخروج من العراق.

ثم ينقل عن البارزاني الأب أسباب اتخاذ مثل هذا القرار عندما قال: «لن يطردوني من العراق بقوة. وأنا أفهم أن دولة كردية مستقلّة ستجد ضدها مباشرة العراق وتركيا وإيران وسوريا مجتمعة. هذه الدول كلها ستخشى، ولديها ما يبرر ذلك، أن تدفع الدولة الكردية المعنية الأكراد الذين يعيشون في هذه الدول للقدوم إليها».

ويشير بريماكوف إلى أن أكراد العراق أقاموا علاقات جيدة بين الولايات المتحدة ومنطقتهم هي الوحيدة بالتأكيد التي لا يطالب سكانها بخروج قوات الاحتلال. لكن إلى أي درجة ستبقى هذه العلاقات بدون غيوم مستقبلا؟ سأل المؤلف ويجيب أن أشياء كثيرة يمكن أن تتغيّر، خاصة عند رسم الحدود النهائية للمنطقة الكردية في العراق.

تأليف: يفجيني بريماكوف

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: ايكونوميكا- باريس- 2009