بدأت تلوح في الأفق مجموعة من الحلول البديلة للنفط، في مقدمتها استخراج «الايتانول» من الذرة ليحل محل البنزين كوقود محركات السيارات وغيرها.
وكان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش قد دعا في خطابه السنوي حول «حالة الاتحاد» لعام 2006 وكرر ذلك عام 2007 إلى ضرورة أن تحد أميركا من «إدمانها للمخدر البترولي» وأن تزيد من استخدام «الايتانول» باعتباره «حلا وطنيا» أميركيا. وطالب أن تبلغ نسبة استهلاك الايتانول في أفق عام 2030 هي 15 بالمائة من مجموع استهلاك الطاقة في أميركا. وكانت البرازيل قد سلكت سبيل استخراج «الايتانول» من قصب السكر. ولجأت كولومبيا إلى زراعة النخيل لإنتاج الزيوت المكرّسة لاستخراج «الايتانول»، وكذلك فعلت اندونيسيا. وحثت المفوضية الأوروبية بلدان الاتحاد ال27 إلى أن تبلغ نسبة استهلاك الوقود النباتي 10 بالمئة في عام 2010. ويشكل خيار «الوقود النووي» أيضا أحد مصادر الطاقة «البديلة» للنفط، حيث أن العقدين القادمين سيشهدان إنشاء 200 مفاعل نووي إضافي في العالم، خاصة في أوروبا وروسيا وأميركا والصين والهند.
شبح ندرة البترول أصبح مصدر قلق حقيقي على المدى المنظور بالنسبة للكثير من البشر، وعلى رأسهم الأميركيين. الحلول المطروحة عديدة، لكن المشاكل الكبرى هي في التطبيق العملي. وفي عداد اقتراحات الحلول «البديلة» الرائجة، ذلك الذي يروّج له عدد من أصحاب المزارع الأميركيين الذين يرون «الحل في الحقول» ولا يرون في المستقبل سوى «صورة مشرقة». ذلك أن «الذرة التي تنتج منها أميركا كميات هائلة يمكن أن تتحول إلى وقود تسيير محركات السيارات وغيرها من المحركات. هكذا انطلق قبل سنوات أصحاب العديد من مزارع الذرة الأميركيين بمغامرة تحويل الذرة إلى «ايتانول» بهدف أن يحل محل البنزين والديزل في محطات التزويد بالوقود. كان ذلك أيضا بمثابة حلم أميركي جديد يعد سنوات من الجمود. فالذرة تصبح «ايتانول» يتم بيعه بأسعار جيدة بفضل مساعدات الحكومة الفدرالية وما يبقى منها بعد عملية التكرير يخدم لعلف للمواشي، أي لا شيء يضيع إذن.
ولم تظهر حتى الآن أية آثار على هذا التوجه الجديد في أميركا، ولم يحدث أي شح في عبوات «البوب كورن» العزيزة على قلب الأميركيين. لكن من الواضح أن كميات الذرة المطروحة في الأسواق العالمية قد قلّت إذ غابت الصادرات الأميركية عمليا من هذه المادة. وارتفعت بالتوازي أسعار جميع المواد الأولية الزراعية الأخرى وفي طليعتها القمح. وينقل المؤلف عن أحد منتجي الذرة المكرسة لاستخراج الايتانول قوله: «الايتانول وقود وطني ينبت عندنا ويبقى عندنا». لكن هذا لا يمنع واقع أن أميركا بحاجة أيضا إلى كميات أكبر بكثير من الايتانول كي تتوقف عن الاهتمام بحقول الشرق الأوسط، كما يعلّق المؤلف.
حل وطني
ولا شك أن المزارعين الأميركيين يتلقون الدعم من قمة الدولة في البيت الأبيض. وبتاريخ 30 يناير 2006 تحدث الرئيس السابق جورج بوش حول «حالة الاتحاد»، فقال ما مفاده: «إننا نعاني، كأمّة، من مشكلة كبرى. وهي أن أميركا مدمنة على مخدر البترول. وهذا البترول يتم استيراده من مناطق غير مستقرة في العالم، الأمر الذي يمثّل مشكلة بالنسبة للأمن القومي الأميركي».
كانت المرة الأولى طيلة حياته التي يؤكد فيها الرجل الأقوى في العالم، والذي كان قد وحّد بين ممارسات مجموعة الضغط ـ اللوبي- البترولية في تكساس وبين السياسة الخارجية لبلاده، إن هناك خطأ كبيرا. لقد قبل أمام مواطنيه أن الإمبراطورية تترنّح وأن قناعاته النفطية قد زالت. لم تتبع هذا الخطاب أية إجراءات ملموسة، لكن كان مجرد ذكر نقطة الضعف تلك مؤشرا بذاته على منعطف حقيقي. ذلك أن الولايات المتحدة أدركت أخيرا، كما يبدو، أن الحصول ولو بالقوة إذا دعت الضرورة على احتياطيات النفط الخام لا ينبغي أن يشكل النهج السياسي الوحيد للبلاد.
في العام التالي، كرر الرجل نفسه من المكان ذاته وبنفس مناسبة الخطاب السنوي حول «حالة الاتحاد» نداءه كرئيس. تحدث هذه المرة بوضوح عن «المحروقات». وفي حديثه للأميركيين ولسائقي السيارات بشكل خاص، قال: «الايتانول هو حل وطني. ونريد أن تكون نسبة 15 بالمائة من الوقود المستهلك في البلاد بأفق عام 2020 مصدرها نباتي». هكذا ازداد عدد مصانع تكرير الايتانول التي كانت تُعدّ على أصابع اليد في مطلع سنوات 2000 إلى مئات المصانع المتواجدة في عموم أنحاء الولايات المتحدة، وخاصة في منطقة «ديتروا»، عرين السيارات في أميركا.
إن الولايات المتحدة، باختيارها تحويل الزراعات الغذائية إلى وقود للطاقة لم تفعل سوى أنها سلكت نفس نهج البرازيل. فمنذ سنوات السبعينات المنصرمة وإثر ما عانته البرازيل من آثار الصدمتين البتروليتين، شرعت بتبني برنامج لتأمين طاقة بديلة تمثّلت في الحصول على «الايتانول» عبر تكرير قصب السكر. أثار الأمر في البداية سخرية الجميع. وبعد ثلاثة عقود يتم تسيير ثلاثة أرباع السيارات في سان باولو ومحيطها بواسطة الوقود «السكّري».
حمى تتفشى
أثار الأمر إعجاب الجميع .والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا تلقي التهاني من جميع زواره الكبار على النجاح المحقق. بل وعقد الرئيس بوش عند زيارته لبرازيليا في ربيع عام 2007 «ميثاق طاقة» مع مضيفه البرازيلي من أجل تطوير صناعة الايتانول. أي ما كان يعني بوضوح أن تقوم البرازيل بتصدير فائضها من الايتانول إلى الجار الأميركي في شمال القارة.
وانتقلت حمى الوقود «الأخضر» إلى بلدان أخرى. ففي كولومبيا بدأ سادة تجارة المخدرات بالتخلي عن زراعة الكوكا من أجل زراعة النخيل المنتج للزيت. ذلك أن تحويل هذا الزيت إلى زيت ديزل نباتي يجر أرباحا كبيرة. وفي اندونيسيا جرى التحول نحو زراعة نخيل الزيوت بعد أن بدأت آبار البترول الاندونيسية بالنضوب. ذلك إلى درجة أن جاكارتا أعلنت في ربيع عام 2008 انسحابها من منظمة البلدان المصدّرة للنفط «الاوبيك» إذ لم يعد لديها فائض منه للتصدير.
ثم إن المفوضية الأوروبية التي مقرّها بروكسل، وأمام مواجهتها لتحديات حقيقية فيما يتعلق بتزودها بمواد الطاقة قررت في عام 2006 أن تكون نسبة الوقود المستهلك في بلدان الاتحاد الأوروبي ال27 في أفق عام 2010 لا تقل عن 10 بالمئة يكون مصدرها نباتي. لكن المفوضية راجعت فيما بعد سياستها باتجاه تخفيض النسبة المعنية.
ومثلما أن لاستخراج الطاقة من الفحم آثاره السلبية الكبيرة على البيئة والمناخ فإن اللجوء إلى الطاقة ذات المنشأ النباتي المكرس للتغذية أصلا، رآه البعض بمثابة «جريمة ضد الإنسانية»، حسب تعبير لعام الاجتماع السويسري الشهير جان زغلر.
وينقل المؤلف عن «جان زجلر» قوله عند ما كان منسّقا خاصا للأمم المتحدة حول حق التغذية، في 27 أكتوبر 2007 من على منصّة المنظمة الدولية في نيويورك: «الوقود النباتي هي جريمة ضد الإنسانية، وإنني أطالب بتجميد هذا النشاط خمس سنوات تمنع خلالها الأمم المتحدة استخدام الزراعات المكرسة للتغذية كزراعات صناعية لإنتاج الوقود». وأضاف: «تنبغي معرفة أنه يستوجب حرق 232 كيلوغراما من الذرة من أجل تسيير سيارة ثقيلة مسافة 400 كيلومتر. هذه الكمية من الذرة تكفي لتغذية طقل في زامبيا لمدة سنة كاملة».
ويشير مؤلف هذا الكتاب أنه أثناء الحملة الرئاسية الانتخابية الأميركية الأخيرة، بما في ذلك الحملة الأولية لاختيار الديمقراطيين والجمهوريين لمرشحهم الرئاسي، لم ينس أي مرشح أن يلتقط الصور في ولاية «ايوا» داخل إحدى مصافي تكرير الذرة لتحويلها إلى ايتانول. وحتى باراك اوباما، صاحب الآراء الأكثر وضوحا من المرشحين الآخرين حول مسائل الطاقة تحدث عن مناقب «الوقود الوطني». إن أصوات أصحاب مزارع الذرة في «ايوا» غالية الثمن.
الوقود النووي
ويشكل الخيار النووي أحد مشارب البحث عن مصدر «بديل» للطاقة في أفق انحسار دور البترول، وأوروبا هي أحد أكثر مناطق العالم رهانا على «الطاقة النووية». ويتطرق المؤلف بداية للحالة الفنلندية. ذلك أن فنلندا قد بنت أول «مفاعل نووي» لتوليد الطاقة في القارة الأوروبية بعد حادث مفاعل نووي» لتوليد الطاقة في القارة الأوروبية بعد حادث مفاعل تشيرنوبيل الشهير في الاتحاد السوفييتي السابق في ربيع عام 1986.
ويقدم الفنلنديون عدة اعتبارات كانت وراء خيارهم «النووي» في ميدان الطاقة. فمن جهة تمتلك فنلندا كميات كبيرة من شجر الحور ومن المياه. من هنا تأتي شهرتهم بصناعة الورق. لكن تحويل الخشب إلى معجون «سيليلوز» يستهلك كميات هائلة من الكهرباء. وتنتج فنلندا أيضا الحديد، وهذه الصناعة شرهة أيضا للكهرباء. الحاجة كبيرة بالنتيجة للكهرباء، لاسيما أن الليل طويل جدا خلال الشتاء. هكذا يجد الفنلنديون أنفسهم في رأس قائمة كبار المستهلكين للطاقة في العالم.
وتدل مختلف التقديرات أن هذا الاستهلاك مرشح للازدياد خلال السنوات العشر القادمة. وحجة أخرى يسوقها الفنلنديون هي أن استخراج الطاقة النووية يترتب عليه تقليص كبير لكمية الغازات الضارة المنطلقة في الجو قياسا بالفحم. وحجة ثالثة هي أنهم يريدون الانتهاء من تبعيتهم «الكهربائية» حيال الروس الذين يصعب تحديد منهج ثابت في تعاملهم. هكذا مثلا لم يترددوا في قطع الغاز عن اوكرانيا دون انذار عدة مرات.
لكن لا بد من القول أن الطريق طويل بين الحصول على مادة اليورانيوم وإنتاج التيار الكهربائي. ويعود هذا المسار الشاق إلى عدة أسباب يتم تحديد أهمها فيما يلي:
ـ يأتي اليورانيوم الطبيعي من مناجم على سطح الأرض أو جوفية. وتحتوي الصخور عامة 3 غرام يورانيوم في كل طن، وتصل الكمية في حالات نادرة إلى 10 غرام.
ـ يتم طحن المعدن بصيغة بودرة ناعمة ويتم تمرير المياه عليها لاستخراج المواد القابلة للانحلال، مثل الطريقة المستخدمة في مصفاة تحضير القهوة. واليورانيوم الحاصل ليس صالحا بحالته لإنتاج الطاقة رغم تمريره في مصافي تحتوي مختلف المحاليل لإذابة الحموض وغيرها. وبعد عملية التبخير يتم الحصول على عجينة صفراء، هي في الحقيقة ليست صفراء وإنما رمادية وأحيانا سوداء. وهذه العجينة سهلة الصنع بحيث يمكن لجميع البلدان التي تمتلك مناجم يورانيوم الحصول عليها.
ـ يأتي بعد ذلك دور «المطبخ الذرّي: الذي يتطلب تقنيات أكثر تعقيدا وتقدما. فاليورانيوم الطبيعي هو مزيج من نوعين مختلفين: يوارنيوم 235 ويورانيوم 238. الأول 235 يتمتع بقدرة انشطارية أكبر وبالتالي يحرر طاقة أكبر. لكن النوع المزعج «238» هو صاحب الحصّة الأكبر في «العجينة الصفراء» وبمعدّل ذرة واحدة من يورانيوم 235 مقابل 140 ذرة من يورانيوم 238.
ـ الذهاب أبعد يتطلب «التخصيب»، أي زيادة عدد ذرات اليورانيوم 235. وعندما يتم تخصيبه ـ الإيرانيون يملكون بعض المعارف في هذا الميدان، حسب إشارة عابرة للمؤلف- يتحول إلى «اكسيد اليورانيوم»، وهو بودرة سوداء يتم وضعها في عبوات صغيرة بحجم سدادات الزجاجة.
هذه العبوات يتم دسّها في أنابيب من مادة «الاركينيوم» تسمّى ب«الأقلام» تشكل وقودا نوويا جاهزا للاستخدام، وبطول ثلاثة أمطار ل«القلم». ويكفي إدخال هذه الأقلام إلى قلب المفاعل النووي بمعدل عدة عشرات كي تثير سلسلة من التفاعلات النووية . «الأقلام» النووية المكرّسة للمفاعلات النووية الفنلندية يتم تصنيعها في ألمانيا وفرنسا واسبانيا.
وتوجد أكثر احتياطات العالم من اليورانيوم في كندا واستراليا. وبناء على إيقاع استخراجه الحالي يمكن أن يؤمن تزويد الكمية المطلوبة خلال 50 سنة قادمة على الأقل. لكن هذا لم يمنع، رغم القصر النسبي لعمره، لجوء العديد من الحكومات الأوروبية إلى تنشيط حركة بناء مفاعلاتها النووية فبريطانيا تنوي بناء 20 مفاعلا جديدا وألمانيا التي تبنّت خطة للسحب النهائي لمشروع إنتاج الطاقة النووية في مطلع سنوات 2000 عند وجود فريق شرودر والخضر في الحكم، تراجعت وهي بصدد «سحب قرار سحب إنتاج الطاقة النووية» وسويسرا تنوي بناء مع مفاعلات جديدة. وحتى في إيطاليا، الكارهة للنوويات بعمق، قرر سيلفيو برلسكوني، بمساعدة باريس إعادة النظر في الأمر.
وماذا يقال عن الولايات المتحدة وروسيا والهند والصين؟
يجيب المؤلف: سيكون هناك إجمالا ما بين مفاعلات بصدد البناء ومفاعلات ورشاتها مبرمجة ومفاعلات مقترحة أكثر من 200 مفاعل إضافي في العالم خلال العقدين المقبلين.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: سويل ـ باريس ـ 2009



