منذ تأسيسه في مطلع الخمسينات من القرن الماضي احتكر اللوبي اليهودي ايباك( اختصار اسم لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية) مهمة الضغط على الكونغرس والإدارة، لمصلحة الكيان الصهيوني. اصطفت خلفه كافة المنظمات اليهودية الأميركية، لمنحه الزخم اللازم. احتكار واصطفاف، كانا المصدر الأساسي لقوته ونفوذه الكبيرين. خاصة في مجلسي الشيوخ والنواب، عرين هذا النفوذ. من خلال ورقة الكونغرس، بالأساس، ضمن اللوبي الدعم الأعمى والمطلق لإسرائيل. قوته في هذه المؤسسة لا تضاهى. بل هو صاحب سطوة فيها. هذا الوضع الفريد، لاحت مؤخراً مؤشرات تآكل في تماسكه؛ لأول مرة في تاريخه.
لوبي يهودي جديد، «جيه ستريت»، أعلن في واشنطن عن ولادته؛ من موقع الاعتراض على خط وأساليب ونفوذ «ايباك». جمع حوله شريحة وازنة من التنظيمات اليهودية؛ومن مجلس النواب الأميركي. أهمية هذا التحدّي، أنه جاء من داخل البيت اليهودي. وفي ذلك ما يمكن أن يؤدي إلى خلخلة نفوذ اللوبي العتيق.
مثل هذا التطور، يقلق إسرائيل. وهو بحدّ ذاته ملفت. ليس لأن منسوب التأييد والدعم الأميركيين للكيان الصهيوني، بات على وشك الهبوط بدرجة ملحوظة في المدى القريب. ولا لأن «ايباك» دخلت بالضرورة طريق التفكك السريع. ولا أيضاً لأن « جيه ستريت» سيعمل ضدّ إسرائيل. بل لأن التصدّي لمؤسسة عاتية مثل «ايباك»، من شأنه أن يخفف من غلواء الاحتضان الأعمى لإسرائيل.
حدّة الحملة التي أطلقها هذا الأخير ضد منافسه الجديد وشدّة التجاذبات التي شهدتها مؤخراً وما زالت، الساحة اليهودية الأميركية؛ فضلاً عن أجواء الاستياء في صفوف الرأي العام الأميركي؛ كله يشي بأن مثل هذا التحوّل قد لا يكون حصوله مستبعداً. بل ربما أنه بدأ يشق طريقه.
»جي ستريت» يطرح نفسه كبديل أفضل، لخدمة إسرائيل. في مؤتمره الأول الذي عقده قبل أيام، أبرزت قياداته، اعتراضاتها على (ايباك)، الذي يؤيد إسرائيل «في السراء والضراء، سواء كانت على صواب أو خطأ»؛ بحيث صار « أكثر يمينية من حكومة نتانياهو».
ويخشى مؤسسو هذا التنظيم، الذي لم تمض سوى سنة ونصف على تأسيسه، من أن «نشاطات ايباك باتت تؤدي إلى نفور في تأييد المواطنين الأميركيين لإسرائيل وتتسبب في عداء متزايد لها في الشارع الأميركي».
وحسب رصدهم لنبض الساحة الأميركية، يقولون بأن المزيد من الأميركيين باتوا « يرون في إسرائيل عقبة أمام المصالح الأميركية في العالم. فالسياسة الإسرائيلية الحالية لا يمكن أن تحظى إلى الأبد بدعم الأميركيين.
وهناك اليوم من يرى بأن إسرائيل هي التي دفعت أميركا إلى الحرب الفاشلة على العراق وتدفعها اليوم إلى محاربة إيران. كلام جديد، بقدر ما ينطوي على حرص على مصلحة إسرائيل، التي يرى «جيه ستريت» بأن « الزمن لا يعمل لصالحها»؛ وبأن الآن «هناك فرصة تاريخية لتحقيق السلام، ينبغي أن لا تضيع».
الإدارة تمثلت، في المؤتمر؛ بمستشار الرئيس أوباما لشؤون الأمن القومي، الجنرال جيمس جونز. كما حضره حوالي مئة وخمسين من أعضاء الكونغرس. وهو عدد ملفت. في حين قاطعه السفير الإسرائيلي في واشنطن. وكذلك المسؤولون الإسرائيليون.
«ايباك» شنّ حملة شعواء على منافسه الجديد. وكان يمكن تجاهله، لو أنه غير يهودي. وزاد الطين بلّة، أن(جيه ستريت) تمكنت من الانتشار في أكثر من أربعين ولاية أميركية ؟ من أصل خمسين. يجمع في صفوفه حوالي عشرين تنظيماً من اليهود الليبراليين في أميركا. كما استقطب تأييد إدارة الرئيس أوباما.
لا يعني هذا التطور على الساحة اليهودية الأميركية، بأ ي حال أن حكاية «ايباك» ربما دخلت طور الضمور السريع. ولا أن شوكته انكسرت. نفوذه راسخ ومتغلغل في مطبخ صنع القرار الأميركي؛ كما في مفاصل الثقافة الأميركية على تشعبها ومختلف تلاوينها. تراثه الضاغط، المتراكم منذ حوالي ستة عقود؛ عميق الجذور. يسعفه في ذلك، حضور يهودي ناشط وفعّال، في سائر نواحي الحياة الأميركية. يزيد من فعاليته أنه منظم وملتزم، حتى العظم، بإسرائيل وبتأمين أقصى الدعم لها.
كما ساعده، وإلى حدّ بعيد، التزام واشنطن المتواصل بهذه السياسة؛ باعتبار أن إسرائيل حليف استراتيجي لها. لكن مع كل هذا، فإن مزاحمة اللوبي من قبل طرف يهودي آخر؛ حدث قد تكون له آثار وتداعيات، على الأقل في إرباك الإخطبوط «ايباك» .
قوة «ايباك»
ايباك هي أقوى جمعيات الضغط على أعضاء الكونغرس الأميركي. هدفها تحقيق الدعم الأميركي للكيان الصهيوني الموجود على أرض فلسطين. لا تقتصر الايباك على اليهود بل يوجد بها أعضاء ديموقراطيون و جمهوريون. تم تأسيسها في عهد إدارة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور. تعتبر منظمة الايباك منظمة صهيونية وقد يكون أكبر دليل على ذلك الاسم السابق لها والذي تأسست باسمه و هو «اللجنة الصهيونية الأميركية للشؤون العامة» و التي تم تأسيسها في سنة 1953.
تم تحويل مسماها إلى ما هو معروف اليوم بالايباك بعد تدهور علاقة داعمي إسرائيل و الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور حيث وصلت الأمور إلى إجراء تحقيقات مع اللجنة الصهيونية الأميركية للشؤون العامة. لهذا تم تغيير الاسم وتأسست جماعة ضغط جديدة تُسمى اللجنة الإسرائيلية الأميركية للشؤون العامة.
فيكتور شلهوب
