شكل انعقاد مؤتمر منظمة «جي ستريت»، لليهود الأميركيين، في واشنطن (251028)، محطة جديدة في علاقة اليهود الأميركيين بإسرائيل، وفي علاقة منظمات اللوبي اليهودي بالسياسة الأميركية الشرق أوسطية، كما بالنسبة لعلاقة النخب اليهودية بمنظماتهم.
وتعتبر منظمة «الإيباك» الأقوى بين المنظمات اليهودية الأميركية الداعمة لإسرائيل، ولها نفوذ كبير ومثير للانتباه، ولا بد هنا أننا نأخذ بعين الاعتبار أن أغلبية اليهود الأميركيين لا ينتمون إلى التيار اليميني المحافظ في الولايات المتحدة، وإنما إلى التيار الليبرالي العلماني الديمقراطي فيها. كما أنهم لا ينتمون إلى التيار الأرثوذكسي في اليهودية، وإنما إلى التيار الإصلاحي فيها.
وتأسيسا على ذلك فإن أغلبية يهود الولايات المتحدة لا يبدون ميالين تماما في أهوائهم السياسية إلى السياسات التي تنتهجها إسرائيل، فهم مثلا لا يعتبرون إسرائيل مركزا ليهود العالم وإنما احد مراكزها، كما لا يرضون عن مبدأ الهجرة من الولايات المتحدة إلى إسرائيل، باعتبار ذلك امتحانا ليهوديتهم، أو لموالاتهم لإسرائيل. كما ثمة منهم من لا يعتبر أن إسرائيل ملاذا آمنا لليهود، ولا يقر بواجب تغليب الولاء لإسرائيل على ولائهم لموطنهم (الولايات المتحدة).
كذلك ثمة بين هؤلاء من يرى بأن سياسات إسرائيل الحربية، وممارساتها ضد الفلسطينيين، بالاستيطان والجدار الفاصل والتمييز العنصري، باتت تثقل عليهم، بعد أن باتت تضر بصورة إسرائيل في العالم، بقدر ما تضر بسياسة الولايات المتحدة ومصالحها في الشرق الأوسط.
وقد نجحت منظمة «جي ستريت» بعقد مؤتمر كبير لها، حضره حوالي 1500 شخصية يهودية أمريكية، بعد أن تمكنت من حيازة حوالي 100 ألف عضو في شبكاتها، برغم مقاطعة الحكومة الإسرائيلية لها، وتشكيكها بمقاصدها، وبرغم محاولات التضييق والتشهير التي بذلتها «الإيباك»، لعزل ووأد هذه المنظمة.
وتتمحور سياسة المنظمة الجديدة حول معارضة سياسات «إيباك»، المؤيدة بدون حساب لسياسات إسرائيل اليمينية المتطرفة، وعلى تأييد سياسات اوباما في الشرق الأوسط، وضمن ذلك تأييد عملية التسوية، وفق حل الدولتين، وتقسيم القدس إلى اثنتين، تكون كل واحدة منها عاصمة لكل من الدولتين الإسرائيلية والفلسطينية، ووضع حد لأعمال الاستيطان التي تتعارض مع هذه العملية، وكبح الأعمال العسكرية الإسرائيلية التي تصل إلى مستوى ارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين. أيضا، فإن (جي ستريت) تؤيد الانسحاب الأمريكي من العراق والحوار مع السوريين، وتجنب أية مواجهة عسكرية مع إيران وهو الموقف الذي يخالف سياسة إيباك.
لكن ما يجب التأكيد عليه هنا هو أن هذه المنظمة إنما تعارض سياسات إسرائيل اليمينية المتطرفة من منطلق ترشيد سياسات إسرائيل، وتدعيم مكانتها، المهزوزة، في العالم، ومن منطلق تعزيز أمنها واستقرارها كدولة يهودية في الشرق الأوسط.
إضاءة
بادر إلى تأسيس «جي ستريت» جيرمي بن عامي، وهو مستشار سابق للسياسة الداخلية في إدارة بيل كلينتون، ودانيل ليفي مستشار سابق لرئيس الحكومة الإسرائيلية (الأسبق) إيهود باراك ـ ونجل اللورد ليفي مبعوث بريطانيا السابق في الشرق الأوسط وهو باحث في مؤسسة أمريكا الجديدة التقدمية وهو أحد مهندسي مبادرة جنيف - وتضم قائمة المؤسسين السيناتور السابق لينكولن شافي، والكاتب السياسي هنري سيجمان، ومورتن هالبيرن مدير التخطيط بالخارجية الأمريكية سابقا، وصامويل لويس السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، وروبرت مالي من مستشاري كلينتون السابقين، وحنا روزنتال المدير السابق للمجلس اليهودي للشئون العامة.
بالإضافة إلي العشرات من رؤساء المنظمات المروجة للسلام وحاخامات بارزين، وأساتذة جامعات ومفكرين. وثمة مؤيدون للمنظمة، داخل إسرائيل، منهم شلومو بن عامي وزير الخارجية الأسبق، وأبراهام بورج رئيس الكنيست السابق، ويوسي الفار المسئول السابق في جهاز الموساد، وديفيد كمحي المدير السابق للخارجية الإسرائيلية، وداليا رابين (ابنة اسحق رابين) وعديد من الجنرالات المتقاعدين. وتدرك إسرائيل أنها في موقف حرج إزاء «جي ستريت»، من عدة نواح، فهذه المنظمة تلقى دعما من الرئيس أوباما نفسه، ومن المقربين منه.
