أثار تشكيل منظمة جديدة للوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية («جي ستريت») مجدداً التساؤل حول دور هذا اللوبي في صوغ السياسة الأميركية، والدور الذي يضطلع به في العلاقة بين إسرائيل واليهود الأميركيين.
فثمة حاجة لصوغ نظرة تحليلية مركبة للعلاقة الخاصة التي تربط الطرفين (الأميركي والإسرائيلي)، بعيدا عن المسلمات التبسيطية والمطلقة والمتسرعة، فإسرائيل ليست مجرد دولة تابعة، والولايات المتحدة بدورها هي أكبر من أن يديرها لوبي معين. وخلال العقود الماضية، أثبتت الولايات المتحدة أنها تستطيع أن تحدد سقف السياسة الإسرائيلية، وأن تستثمر هذه السياسة لصالح تعزيز نفوذها في المنطقة. ومعنى ذلك أن الموقف الأميركي هو المرّجح، في هذه العلاقة، بالنظر لأن اعتمادية إسرائيل على الولايات المتحدة، هي اعتمادية وجود، بينما الاعتمادية الأميركية على إسرائيل هي اعتمادية سياسات ورؤى، لا تمسّ بوجود الولايات المتحدة ذاتها، وإنما بشكل وجودها في المنطقة.
وتهتم الولايات المتحدة والدول الغربية كثيرا لوجود إسرائيل وأمنها واستقرارها، ولكنها لا تهتم لادعاءاتها الأسطورية ـ الدينية، ولا بسياساتها المتمثلة بالاستيطان والتهويد. وبمعنى آخر فإن هذه الدول مازالت تنظر لإسرائيل باعتبارها ذخرا لها، ولكنها تعمل بذات الوقت أن لا تكون عبئا، يصعب عليها سياساتها في الشرق الأوسط، ويسهم في تزايد نفوذ القوى المعادية لها.
ويمكن تفسير العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية الفريدة والاستثنائية بعوامل متعددة ومترابطة، أهمها:
1 ـ وجود شعور من التماثل، بين قيام إسرائيل وقيام الولايات المتحدة، التي نشأت أيضا بوسائل الهجرة والاستيطان والقوة، ضد أهل الأرض الأصليين. فمن جهة المقاربة التاريخية استطاعت إسرائيل تسويق تجربة الاستيطان اليهودي، في الإدراك الأميركي، باعتباره تمثّلا للمغامرة الأميركية التي تتعلق باكتشاف «العالم الجديد» والاستيطان فيه، واستخدام القوة لوأد مقاومة السكان الأصليين (الهنود الحمر)، وبناء عالم يقوم على أساس من التكنولوجيا والرفاهية والحرية (مع تحفظاتنا على هذا المصطلح في التجربة الإسرائيلية العنصرية).
وفي مثل هذه المقاربة تماهت الدولة العبرية مع أميركا، بادعائها أنها بمثابة العالم الجديد في قلب العالم العربي (القديم ) وبأنها بمثابة واحة للديمقراطية، في بحر من التخلف والاستبداد!
2ـ ثمة بعد ثقافي ـ ديني متأت من نفوذ تيار أصولي في المسيحية البروتستانتية، المنتشرة في المجتمع الأميركي، يعتبر قيام إسرائيل علامة من علامات «القيامة»، ولذلك فإن هذا التيار يدعم وجود إسرائيل من هذا المنطلق، وإن كانت غاياته في ذلك مختلفة.
3 ـ اعتبار أن إسرائيل تنتمي لمنظومة الحضارة الغربية، في الشرق الأوسط، وإنها بمثابة حارس لقيمه (الحداثة والديمقراطية) ومصالحه. وبديهي أن تنحاز المجتمعات الغربية لها، وخصوصا المجتمع الأميركي. وعلى أية حال فقد تداعت هذه الأسطورة، بعد انفضاح الطابع العنصري والاستعماري والأصولي (الديني) لإسرائيل، ولكن النتائج كانت أكثر وضوحا في أوروبا منها في الولايات المتحدة، بسبب البعد الجغرافي والتباين بين ثقافات وقيم المجتمعات الأوروبية عن المجتمع الأميركي.
4 ـ طبيعة النظام السياسي الأميركي، الذي يعتمد على دوائر عدة، خصوصا أن الضغط عليه، لتوجيه دفة السياسة الخارجية الأميركية، لا يقتصر على العلاقة بالرئيس أو بأركان إدارته، وإنما يشمل التأثير في دوائر الناخبين وفي مجلسي النواب والشيوخ، ووسائل الإعلام والشركات الكبرى والجامعات.
5 ـ واقع تشتت وضعف الإرادة الإدارة السياسية في العالم العربي، برغم كثرة العرب وكثرة دولهم ونفطهم. فالكثرة تعني تضارب وتباين الإرادات والسياسات، على الصعيد الداخلي أو الخارجي، والثروات التي يمتلكها العرب تتحول عاملا ضاغطا عليهم، لأنها مصدرهم الوحيد لتأمين حاجاتهم الضرورية.
6 ـ وجود تجمع يهودي في أميركا، على غاية الحيوية ويتمتع بإدارة متناسقة، ما يجعل نفوذه الفعلي أكبر من حجمه؛ بحكم احتلال اليهود أماكن حساسة وقريبة من التأثير على مؤسسات صنع الأفكار والقرار في المجتمع الأميركي، في المؤسسات السياسية والبحثية والبنكية والإعلامية، وفي الجامعات وإدارات الشركات وفي مجالات الفنون والثقافة والعلوم، ما يجعلهم يصلون إلى مختلف فئات وتشكيلات المجتمع الأميركي.
7 ـ ثمة في الإدراك الأميركي والغربي عموما وجهة نظر مفادها «أن ليس في الشرق للغرب أفضل من الغرب نفسه»، والمقصود هنا أن إسرائيل (التي يتم التعامل معها كامتداد للغرب) هي الحليف الوحيد الثابت والموثوق للمصالح الغربية في الشرق الأوسط.
هكذا يتبين كم هي العلاقة الإسرائيلية ـ الأميركية علاقة وطيدة وإشكالية في نفس الوقت، وهو ما بينته التجاذبات الحاصلة مثلا بين إدارة البيت الأبيض في عهد كل من الرئيس بوش الأب وكلينتون وأخيرا أوباما، في مواجهة رؤساء حكومات إسرائيل شامير وشارون ونتنياهو (الأول والثاني).
وهكذا وبسبب من طبيعة النظام السياسي الأميركي وخلفيته الاجتماعية والثقافية، مضافا إليها العلاقة السياسية الخاصة التي تربط الولايات المتحدة بإسرائيل، فمن الطبيعي أن تنتقل حالة الجدل بشأن طبيعة العلاقات الإسرائيلية ـ الأميركية إلى داخل الولايات المتحدة الأميركية، إن على شكل نقاش بين الأميركيين أنفسهم أو بين هؤلاء والإسرائيليين، أو بين النخب اليهودية في الولايات المتحدة.
ماجد كيالي
