ثلاث قنابل متنوعة من حيث الحجم والطابع والآثار، هي التي تتربص بالمجتمع الغربي بعامة والمجتمع الأميركي بشكل خاص: هكذا كتب منبها بل محذرا الصحفي الأميركي الشهير توماس فريدمان في (نيويورك تايمز، 2009107).

ويصدر فريدمان ـ بحكم السن والنشأة - عن ثقافة جيل «البومرز» وهو الجيل الذي ولد في الولايات المتحدة مع النصف الثاني من عقد الأربعينات في إطار ما يعرف في الأدبيات السياسية الأميركية باسم «طفرة المواليد ـ بيبي بوم» حيث شهدت بلاده زيادة بل كانت قفزة ديموغرافية من حيث الارتفاع المشهود في معدلات الخصوبة والولادة بفضل ما تمّ في تلك الفترة من زيادة بالغة فيما يعرفه أخصائيو السكانيات بأنه الوقائع الحيوية من خطوبة وزواج وإنجاب، ولاسيما بين صفوف الشبان العائدين من أتون الحرب العالمية الثانية وقد استغرقت نحوا من 4 سنوات هي فترة مشاركة أميركا في صراعاتها الدموية، ابتداء من واقعة تحطيم الأسطول الأميركي في بيرل هاربور وانتهاء بواقعتي سقوط برلين واستسلام اليابان اللتين تصدرت أميركا قيادتهما عسكريا وسياسيا عند انتصاف عام 1945.

عاد شباب الأميركيين إلى بلادهم يحتفلون بالانتصار، ويتطلعون إلى الاندماج من جديد وتحت أكاليل الغار ـ في الحياة المدنية في بلادهم، حيث كانت تنتظر خطيباتهم وزوجاتهم وحيث مارسوا الحياة بمنطق الشغف والمتعة، بل والتعويض فكانت طفرة المواليد التي ظل أفرادها يشكلون قوام الحياة والنشاط في أميركا، وخاصة بعد اقترابهم من منتصف العمر في أواخر الثمانينات، واكتهال ومن ثم اكتمال نضجهم مع سنوات التسعينات حتى كان منهم مثلا الرئيس ونائب الرئيس ـ بيل كلينتون وآل جور.. جورج بوش الابن.. وغيرهم. هذا هو الجيل الذي ما برح يعيش ـ كما يذكر فريدمان ـ في ظل القنابل الحياتية الثلاث التي تلخصها كلمات الكاتب الأميركي فيما يلي:

(1) قنبلة التهديد النووي (ويمكن أن ينجم حرفيا عن تفجير قنبلة نووية).

(2) قنبلة الديون التي يرزح تحت وطأتها الخزانة القومية الأميركية وقد أسهمت في تشديد وطأة الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة.

(3) قنبلة البيئة التي يمكن تتطاير شظاياها المهلكة ما بين تلويث المياه والهواء.. أو التغييرات السلبية في المناخ، ناهيك عن الاحتمالات المنذرة بالخطر وبالذات تضاؤل كميات المياه اللازمة لاستمرار ـ مجرد استمرار- الحياة على ظهر هذا الكوكب.

ثورة التوقعات

وإذا كانت مشكلة ـ أو حتى قنبلة «البومرز» السكانية أمرا يهم أميركا على وجه الخصوص، فإن القنبلة الديموغرافية الأوسع تهمّ العالم بأسره.. فمن المنتظر مع انتصاف القرن الحالي أن يزيد حجم سكانه على ستة مليارات.. بكل ما يرتبط بهذه الزيادة، ليس فقط باحتياجات الكمّ فقط (كميات الطعام والمياه الضرورات اللازمة لاستمرار الحياة) ولكن باحتياجات الكيف أيضا (أدت ظاهرة العولمة وثورة الاتصالات ـ بالأدق التواصل الكوكبي - إلى اندلاع ما يعرف في علوم الميديا باسم ثورة التوقعات، حيث باتت الملايين ـ بل البلايين من سكان الجنوب في العالم تلمس وتحسد، ومن ثم تتطلع إلى أن تحاكي سكان الشمال فيما ينعمون به من مستويات المعيشة التي يتابعونها على شاشات التلفاز ومواقع الحواسيب وآليات العرض الرقمية وما في حكمها، وبصرف النظر عن تحليل الأسباب أو تدارس الامكانات.. بل تلخصت المسألة في التطلع إلى ما أصبح يعرف تحت عنوان «نوعية الحياة»).

وبمناسبة التطرق إلى هذا البعد الديموغرافي تلزم الإشارة إلى أحدث التقارير الصادرة عن مؤسسة «بيو» الأميركية الشهيرة المعنية بدراسة الأديان، وهو التقرير الذي استغرق إعداده ثلاث سنوات وصدر في الأسبوع الثاني من أكتوبر الماضي ليؤكد أن أحدث الإحصاءات الدولية لعام 2009 الحالي أوضحت وصول عدد المسلمين في العالم إلى أكثر من 5,1 مليار نسمة، وهو ما يشكل ربع سكان الكرة الأرضية. ويصنَّف في ترتيب المؤمنين من أتباع الأديان السماوية ضمن المركز التالي مباشرة بعد المسيحية التي يفاد ببلوغ عدد أتباعها إلى نحو 2,2 مليار نسمة على مستوى العالم.

منطق الديالكتيك

وعندنا أنه فيما تشكل القنبلة النووية خطرا داهما وحقيقيا، وتهديدا ماثلا وملموسا فإن الزيادة في حجم السكان.. إنما تشكل في تصورنا قضية جدلية، وتخضع من ثم لقواعد المنطق الديالكتيكي، وبمعنى أنها يمكن من ناحية سلبية أن تمثل مشكلة خطيرة تهدد معادلة التوازن بين سكان ـ بشر متزايدين وموارد معرضة للتناقص أو الانحسار، فيما يحتمل من ناحية إيجابية أن تشكل زيادة في جانب العمل بوصفه العنصر الحيوي في عملية الإنتاج، وفي إضافة امكانيات التجديد والابتكار والإبداع إلى المجتمع الإنساني على اختلاف الأقطار والثقافات (تأمل مثلا نموذج الصين وقد أمكن بفضل أساليب الانضباط والتعمق والترشيد تحويل الفائض السكاني على أرضها ـ وفي غضون أقل من ربع قرن ـ من مجرد الكمّ المتراكم، إلى مستوى الكيْف القادر على «غزو» العالم بكل أنواع المصنوعات والمنتوجات والى حد الإغراق السِلَعي في بعض الأحيان).

وبالمناسبة أيضا فهذه «الحالة الصينية» تتصل بسبب وثيق مع فداحة الدين الأميركي العام الذي يشير إليه الصحفي فريدمان.

الصين تمتلك احتياطيات بترليونات الدولارات من النقد الأجنبي ومن ثم فهي قادرة ـ إن شاءت ـ على أن تطيح بمكانة الدولار الأميركي بوصفه العملة المعتمدة بشكل عام على مستوى منظومة الأمم المتحدة والمعتمدة بشكل خاص في تحديد الأسعار الدولية للنفط: والمعنى أيضا أن يكون بوسع الصين تفجير قنبلة اقتصادية تزلزل أركان الاقتصاد الأميركي وبمجرد إشارة من الإصبع الصغير على نحو ما يذهب إليه المحلل الإنجليزي «ريتشارد داودن» (في كتابه الصادر مؤخرا عن قارة أفريقيا). لكن الأستاذ «داودن» لا يلبث أن يضيف مستدركا بأن هذا التصرف من جانب الصين مازال أمرا مستبعد الحديث.. لماذا؟ لأنه يعني أولا تدمير «المعبد الدولاري» على ساكنيه من صين وأميركان ويعني ثانيا خسارة السوق الأميركية، حيث أصبح مستهلكوها في عداد أهم زبائن المنتجات الصينية.. لهذا يصف الكاتب البريطاني علاقة بيجين مع واشنطن بأنها يصدق عليها الوصف الطريف المعروف سياسيا باسم «ماد» وهو توصيف ينصرف بداهة إلى معنى لوثة المجنون فيما يرادف حرفيا الاختصار المستقى من العبارة الإنجليزية التالية: الدمار المؤكد المتبادل. وبديهي أن يحرص طرفا مثل هذه العلاقة على اتقاء هذا الدمار المتبادل، لأنه كفيل بأن يلحق بكل منهما أفدح الأضرار، وعلى وجه التأكيد.

دور الدولة ضروري

وفيما يتعلق بالقنبلة الثانية، فقد ألمحت مجموعة العشرين في أحدث اجتماع لها بمدينة بتسبرغ الأميركية في أواخر سبتمبر الماضي إلى ضرورة أن تعمل أميركا من جانبها على اتخاذ إجراءات حازمة لتخفيض عجز ميزانيتها وتعزيز مدخرات مواطنيها بعيدا عن أسلوب الانسياق المسرف في دوامة الاستهلاك ـ فيما أكدت المجموعة ضرورة أن تعمل الصين على تشجيع مواطنيها على أن يستهلكوا أكثر مع استثمار احتياطياتها الطائلة في أغراض الضمان والتأمينات الاجتماعية وبما يكفل في التحليل الأخير أن تفيد هذه الاحتياطيات في تحقيق التوزيع العادل للثروة على جموع المواطنين وخاصة الفقراء.

في إطار هذا كله تُلمح تحليلات جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية إلى ما يمكن أن نصفه من جانبنا بأنه استعادة دور الدولة، لا بوصفها إدارة للقمع السياسي أو التضييق على انطلاق النشاط الاقتصادي ولكن بوصفها تضطلع، بحكم التعريف، بدور أقرب إلى حكام المباريات حيث تتسابق على ساحتها أطراف الاستثمارات والمبادرات الاقتصادية، وبوصف الدولة أيضا ممثلة للمصالح القومية العليا التي تمّس في الصميم حياة مواطنيها ـ رعاياها ومستقبل أبنائهم.. ومن هنا تشير دوائر المفكرين السياسيين والمحللين الاقتصاديين إلى أن الأزمة المالية، ومن ثم الاقتصادية الراهنة، إنما استمدت جذورها أساسا من واقع حالة الانفلات التي عاشتها دوائر المال والأعمال في وول ستريت ـ نيويورك بالولايات المتحدة، وهي حالة ناجمة موضوعيا عن تهميش الدور التنظيمي والرقابي للدولة التي ظلوا يدفعونها بفعل ضغوط جماعات المصالح ودوائر الاحتكارات وسطوة الشركات المتعددة الجنسيات، نحو التخلي عن مسؤولية تفعيل الضوابط وتطبيق اللوائح وإِعمال نصوص القوانين التي تنظّم طبيعة ومسار وأغراض الأنشطة الاقتصادية.. وبذلك تركت ساحاتها نهبا لأهواء وأغراض وجموح، وأحيانا انحرافات جماعات التكنوقراط من رؤساء مجالس الإدارات وكبار المديرين في مصارف وشركات «وول ستريت» وبيوت التمويل الرئيسية على صعيدها.. حتى تحولت الاستثمارات إلى مضاربات وتحولت حوافظ المشاريع إلى فقاعات كبيرة ما لبثت أن تفجرت في وجوه المستثمرين على نحو ما يذهب إليه محلل اقتصادي وسياسي كبير، كندي هذه المرة هو الدكتور راؤول سول في كتابه الصادر مؤخرا بعنوان «انهيار العولمة» (من ترجمة كاتب السطور).

قنبلة المناخ

عن القنبلة الأخيرة المتعلقة بالمناخ الكوكبي وخطورة المتغيرات التي ما برحت تطرأ عليه، يواصل توماس فريدمان التحذير من مغبة التراكم الذي ما برح مطردا في انبعاثات أكاسيد الكربون إلى أجواز الغلاف الجوي المحيط بكوكب الأرض، وبمعدلات غير مسبوقة، سواء في حجمها أو في معدل تسارعها، أو بالطبع في فداحة الأضرار التي تؤدي إليها.

في هذا السياق بالذات تقول سطور فريدمان:

ـ لسنا نعرف على وجه اليقين متى تصل العناصر الكربونية (المنبعثة من الأنشطة البشرية) إلى الحافة الرهيبة التي تستفحل معها إصابة النظام الايكولوجي (البيئي) في العالم، ومما قد يؤدي إلى تفجير حدث مناخي غير مسبوق كأن يحدث مثلا أن تنصهر صحراء التوندرا الجليدية في فيافي سيبيريا (في شمال شرقي أوروب ـ الروسية بالذات) وأفدح ما ينجم عن ذلك هو إطلاق عناصر غاز الميثان التي تحتويها.

أو يصاب كوكب الأرض بدلا من ذلك بحالة جفاف لمنابع نهر الأمازون في قلب القارة الأميركية اللاتينية الذي يضم أغزر منابع المياه وأغنى الغابات المطيرة التي ما برحت تمثل رئة كوكبنا.. أو يحدث بدلا من ذلك ذوبان مجمل الكتلة الجليدية التي تغطي القطب الشمالي في موسم صيف قريب أو بعيد..

كلها احتمالات بالغة الخطورة ولكنها يحذر منها الكاتب الأميركي بعيدا عن مسرح السياسة أو المصالح الخاصة بأمة بعينها، ثم ها هو يطل من منظور تحليلي أكثر عمقا على عقابيل مثل هذه «القنبلة البيئية أو المناخية». هذا العمق ـ في تصورنا يتمثل في إدراكه أن هذا الكون ـ هذا الكوكب الأرضي مخلوق على أساس عبقرية التكامل والتداخل بين نظمه المختلفة ونواميس الحياة التي تحكم الحركة بين ظهرانيه.

لهذا يختم فريدمان تحذيراته قائلا في إيجاز شديد:

- عندما ينهار واحد من النظم البيئية من كوكب الأرض، فذلك كفيل بانطلاقة تغييرات تعتري النظم الأخرى وبما يؤدي إلى تغيير أشمل (وربما أخطر وأفدح) في مجمل العالم الذي نعيش فيه.

محمد الخولي