عُرفت دمشق على مر العصور بكثرة الأنهار وجريان الماء في قنواتها، كما اشتهرت بالعديد من الحمامات التي تعد من المظاهر الفنية وملتقى للحياة الاجتماعية فيها.

والحمامات الشعبية أو «حمامات السوق»، تشكل إحدى أهم المظاهر المعمارية التي يشاهدها الزائر إلى دمشق القديمة، يضاف إليها الأزقة والحارات ذات الحجارة السوداء والقصور والمقاهي والجوامع.

ويعود تاريخ إنشاء معظمها إلى العصر الأموي، وتم بناؤها على شكل قصور إسلامية على مداخل الجوامع، باعتبارها تقليدا دينيا له علاقة بمبدأ الطهارة والوضوء، فضلا عن دورها الاجتماعي والترفيهي.

كما ارتبط عدد الحمامات في دمشق بعدد سكانها وتوسعها العمراني، وقد تناقص عددها مابين القرنين الرابع عشر والسابع عشر للميلاد، ثم بدأ بالتزايد حتى بلغ 77 حماما، لينخفض مؤخرا إلى 13 حماما فقط منها 8 لا تزال في الخدمة. واشتهرت دمشق بحماماتها التي كان يتسابق المعماريون القدماء في زخرفتها وكسائها بحلّة جميلة، حتى أصبحت من المعالم التاريخية المهمة في العاصمة السورية.

وحمامات السوق العامة في دمشق تعود العهد الأموي، مشيرا إلى أن بعض المؤرخين أعادها للعصر الروماني، «ولذلك لا صحّة للمقولة التي تعيد تاريخ الحمامات للعهد العثماني، لأنها كانت موجودة في دمشق قبل ذلك بقرون».

وقد ورد ذكر الحمامات الدمشقية في كتابات مؤرخين عدة، كابن عساكر وابن شدّاد، حيث كان عددها مئة وعشرين في القرن الثالث عشر الميلادي، بدأت بالتناقص تدريجيا، ليصبح في أواخر القرن التاسع عشر بحدود ستين حماماً، أما الآن فلا يتعدى 20 حماما».

ويتألف الحمام الدمشقي من أربعة أقسام:

البراني: وهو القسم الخارجي من الحمام أو ما يسمى بالقسم البارد، وفيه يقوم الزبائن بخلع ملابسهم وارتدائها عند الدخول والخروج، ويتكون من باحة تتوسطها بركة ماء ومسقوفة بقبة محاطة بالنوافذ، وفي كافة الجوانب توجد مساطب مفروشة بالأرائك والمساند ومجهزة بالمناشف، ويستريح على تلك المساطب المستحمون بعد انتهائهم وقبل مغادرتهم.

الوسطاني: وهو معتدل الحرارة من الحمام، مسقوف بقباب تحتوي على فتحات زجاجية تتيح لضوء الشمس الدخول، وعلى الجوانب توجد مساطب يستريح عليها المستحمون خلال فترات الاستحمام.

الجواني: وهو الداخلي الحار من الحمام، يتكون من إيوانين متقابلين على طرفي بيت النار، وضمن كل إيوان يوجد جُرن أو أكثر يحتوي على الماء الساخن الواصل من بيت النار عبر شبكة تجري تحت الأرض، كما تتفرع من الإيوانين غرف أو مقاصير خاصة تحتوي كل منها على الجرن الخاص بها، كما أنه مسقوف بقبة ذات فتحات زجاجية تسمح للضوء بالدخول.

قسم القميم: جناح خارجي مُلحق بالحمام وله مدخل خاص، ويتم فيه تسخين الماء الداخل إلى الأقسام الأخرى، ويحتوي على غرفة لسكن القميمي وأسرته، وكان الوقود المستعمل في إشعال الحمام عبارة عن القمامة المجففة وروث الحيوانات وكل ما هو قابل للاشتعال، ولم يعد في أيامنا هذه دور لهذا القسم نظراً لاختلاف أساليب التسخين.

ويؤكد مروان حمامي، صاحب حمام البكري قائلا: في الماضي كان العمل فيه غير مأجور (سبيل)، «حيث كان المرء عندما يفرغ من الحمام يقرأ الفاتحة على روح صاحبه ويقوم الأخير بإعطائه شيئاً للأكل لقاء ذلك، أما الآن فقد أصبح مأجورا بسبب ضغوط الحياة المادية».

ويشير حمامي إلى أن الحمام كان في السابق منارة للحي، لأنه إضافة إلى دوره الصحي كان يساهم في حل جميع مشاكل أهل الحي، «حيث يجتمع فيه الوجهاء لينظروا في جميع القضايا المتعلقة بأبناء الحي، كما أنه شكل مكانا جيدا لعقد الصفقات بين تجار دمشق». ويضيف: «تراجع دور الحمامات إبان الحكم العثماني وخاصة خلال الحرب العالمية الثانية، حيث أدى ضيق الحياة المادية ورحيل معظم الناس من منازلهم إلى توقف عدد كبير من الحمامات، واعتبار الحمام نوعا من الرفاهية بعد أن كان متاحا للجميع». ويؤكد حمّامي أنه ورث هذا العمل عن والده وأن تسمية «حمامي» هي نسبة إلى الحمام، حيث يعتبر جد العائلة من القلائل الذين عملوا في الحمامات الدمشقية، مشيرا إلى أن عائلته تنقّلت بين عدد من الحمامات بدءا من حمام نور الدين الشهيد إلى البكري الذي يقوم الآن باستثماره من مديرية الآثار بدمشق.

وحول بيتي الشعر اللذين كتبا على باب حمام البكري: «لأبي المواهب بالكمال بنى ال... بكري حماما بإحكام /فنظمت في شعري أؤرخه... «لأبي المواهب خير حمام».

يقول حمامي: «بيوت الشعر هذه موجودة على جميع المعالم الأثرية (الحمامات-المدافن- المعابد الكبيرة) وهي تشير إلى تاريخ تشييد هذه الأماكن، فإذا قمنا بجمع أرقام الحروف في الشطر الذي يلي كلمة أؤرخه أو أدونه سنحصل على تاريخ إنشاء هذا المكان وبالنسبة لحمام البكري عمره حوالي 400 عام أي أن تاريخه يعود إلى العام 1027 هجري».

دمشق ـ حسن سلمان