يعيش العرب تخلفا تكنولوجيا كبيرا ويعتمدون على استهلاك التكنولوجيا الغربية والشرقية في مختلف المجالات، دون التفكير بمغزى تطويرها ،ما جعلهم غير قادرين على الفكاك من التبعية للدول الصناعية الكبرى.
خبراء سعوديون حملوا الحكومات العربية المسئولية في تكريس ثقافة استهلاك التكنولوجيا وذلك بعدم تحفيز المبدعين العرب الذين تسربوا إلى الغرب بدلا من انتاج التكنولوجيا داخل بلادهم في عدم تهيئة البنية التحتية اللازمة لهذا النوع من المنتج التقني.
وأجمعوا على أن الحكومات العربية لا تعتمد إلا على ما هو مستورد من التكنولوجيا، وعلى المناقصات الدولية التي لا يستطيع أن ينافس فيها المواطنون والعلماء والمكاتب والشركات العربية ذات العلاقة بل تعطى الأولوية فيما يتصل بالتكنولوجيا، للشركات الأجنبية التي لا يشترط عليها حتى تدريب الكوادر العربية أو تشغيلها والاستفادة منها.
البعض يرى أن العرب رغم أنهم مستهلكين لمنتجات التكنولوجيا أكثر منهم منتجين لها، إلا إنهم يمتلكون أهم مقومات النجاح للدخول في مجتمع المعرفة، وهو الكادر البشري المتعلم والقابل للمواكبة والتطور، كما يمتلكون الرأسمال الضروري للنهوض بمؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي. ولا ينقصهم سوى الإدارة الكافية لتوفير البيئة التنظيمية والمناخ المجتمعي الذي يشجع على البحث والابتكار، لأن المواهب الفردية ـ على أهميتها ـ لا تستطيع العمل والمنافسة في بيئة إقليمية ودولية تتحول بشكل متزايد نحو المأسسة والتنظيم وحصر المعارف والتقنيات الأكثر تقدماً في أكاديميات ومراكز بحثية تستقطب الكفاءات من كل أنحاء العالم، لما تملكه من عوامل الجذب.
الخبير السعودي في مجال التقنيات متناهية الصغر، الدكتور غسان حبيب أن العرب مكانهم الحالي خارج مجال التكنولوجيا، وأنهم لو بقوا على هذا الحال لعقد أو عقدين من الزمن، فسوف يكونوا خارج التاريخ، مشددا على أن المجتمعات العربية في حاجة لجهود هائلة لتدارك الفجوة المعلوماتية بينها وبين دول العالم المتقدم خاصة وأن انتشار الحواسب الشخصية في العالم العربي يقل سبع مرات عن المعدل العالمي، مما يشير الى فداحة التخلف حتى في استخدام تكنولوجيا متقدمة من هذا النوع.
واوضح أن الدول العربية مجتمعة دون استثناء بحاجة لتطوير مداخيلها وتوجهاتها نحو البحث والتطوير العلمي والتكنولوجي، لولوج عالم التكنولوجيا المتقدمة التي يفرضها اليوم عصر العولمة الشاملة وتتطلب تفعيل مراكز البحث العلمي القائمة وترشيد عملها وإيجاد الناقص منها لتكامل دائرة التعليم والإعلام والبحث العلمي وإنتاج واستهلاك التكنولوجيا المتقدمة وتنسيق الجهود على صعيد الوطن العربي.
وأضاف دكتورغسان حبيب أن تقرير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الاسكوا» يشير إلى أن الدول العربية تعانى من عدم القدرة على مواكبة مستجدات التكنولوجيا، ليس فقط في مجالات التكنولوجيا الحديثة بل حتى بمجال التكنولوجيات المتوسطة الحديثة أو القديمة.
وقال: يجب علينا التفاعل مع التكنولوجيا، من منطلق المعرفة بأسرارها وخلفياتها العلمية والنظرية.. لأن التماهي المجرد مع التكنولوجيا والتقنية الحديثة يصنع صخب الاستهلاك الترفي، ووهم الإنتاجية دون أن تكون هناك أسسا صلبة وبنية تحتية لعمليات التنمية الشاملة، لذلك علينا التفاعل المعرفي مع خلفيتها العلمية ودلالاتها المختلفة».
وأضاف حبيب قائلا: علينا تحرير طاقات المجتمع وتطوير برامج التعليم والتدريب ونقل التكنولوجيا وتشجيع الابتكار والتجديد وإلا فان العولمة، بزخم اتصالاتها وتأثيراتها الثقافية والإعلامية المتطورة دائماً، ستبتلع ما تبقى من شبابنا ولن ينفعنا التنديد بالعولمة ومظاهرها كما لم تنفعنا الشعارات في مواجهة التحديات التي تفرضها».
البحث العلمي أولا
من جهته أكد الباحث الاجتماعي الدكتور فيصل العاني أن الشركات العربية ذات الصناعات التقليدية لن تتمكن من أنتاج منتجات التكنولوجيا المتقدمة ما دامت الجامعات والمختبرات العلمية لا تنتج أبحاثا علمية متقدّمة مثلما تعمل الجامعات الغربية.
ودعا العرب إلى الاستفادة من التجربة الصينية في إنتاج التكنولوجيا باعتبارها قابلة للتكرار في كل بلد تتوافر يمتلك الإرادة والجدية. موضحا أن الصين أنشأت العديد من مراكز البحث العلمي، وأعدت الكوادر، المؤهلة والحاصلة على أعلى الدرجات العلمية من الجامعات الكبرى في الدول المتقدمة حتى وصل عدد الباحثين في ميادين العلوم والتكنولوجيا إلى أكثر من مليونين و100 ألف، منهم مليون ونصف المليون من العلماء والمهندسين.
وقال العاني: علينا عدم اليأس فنحن أمة نمتلك كتاب الله الذي يحثنا على العلم وامتلاك ناصية التكنولوجيا، وأهم مقومات النجاح للدخول في مجتمع المعرفة، وهو الكادر البشري المتعلم والقابل للمواكبة والتطور، كما نمتلك رأس المال الضروري للنهوض بمؤسسات التعليم العالي ومراكز البحث العلمي. ولا ينقصنا سوى الإرادة السياسية وتوفير الحريات وتهيئة البنية التحتية للبحث العلمي والإنتاج التكنولوجي إضافة إلى تهيئة المناخ المجتمعي الذي يشجع على البحث والابتكار.
وأضاف «الصين زادت الإنفاق الحكومي على مراكزها العلمية والتكنولوجية في منتصف الثمانينات لتبلغ 16 مليار دولار سنويا، وبذلك نجحت عام 1999 في إطلاق أربعة أقمار صناعية، وتصنيع الصواريخ الباليستية، وإرسال أول سفينة فضاء آسيوية من صناعتها بنسبة 100% وأرسلت بعد ذلك أول إنسان صيني إلى الفضاء، وصارت ثالث دولة في إرسال بشر إلى الفضاء بعد الولايات المتحدة وروسيا وسبقت ذلك بإطلاق سفينتي فضاء تحملان حيوانات في عامي 1999 و2001م.
وأكد العاني أن السبيل الوحيد المتاح حاليا للعرب للحاق بركب التكنولوجيا وامتلاك ناصيتها هو التوجه شرقا نحو الصين ودولا أخرى مثل اليابان وكوريا والهند والفلبين وسنغافورة وماليزيا على اعتبار أنها لا تربط خدماتها وتعاونها مع العرب بشروط سياسية كما يفعل الغرب.
الرياض ـ عبدالنبي شاهين
