لايزال عالمنا العربي يعاني من فجوة علمية وتكنولوجية كبيرة رغم الطفرة المالية والاقتصادية التي تنعم به بعض بلدانه مقارنة بدول العالم الثالث، خاصة النامية، وحتى الغنية منها تظل دولا مستهلكة للعلم والتكنولوجيا وليست صانعة لها، نظرا لعدم الاهتمام بالبحث العلمي في عالمنا العربي.

يقول العالم المصري الدكتور محمد النشائي الخبير في علم النانو تكنولوجيا، لا يمكن أن نضع العرب جميعهم في سلة واحدة، فهناك فروق كبيرة بين الدول، خاصة في ظل تهميش دور الجامعة العربية واختزاله حتى أصبحت عاجزة عن تحقيق وتنفيذ الآمال والأحلام التي أنشئت من أجلها.

فدول الخليج مثلا تعيش طفرة مالية كبيرة وقد أحسنت استخدامها إلى حد معقول، خاصة في تحقيق طفرة التعليم والبحث العلمي، كما يعيش المصريون الآن على ما قدمه أجدادهم القدماء من خلال السياحة والزراعة على نهر النيل.

وتابع: هناك أيضا عرب يمتلكون تكتلات سكانية وهي مصر والعراق وسوريا، وسعى الغرب إلى عزل مصر ووجهوا لها ضربات قوية وعنيفة اضطرتها إلى الدخول في صراعات طويلة تحاول الآن معالجة نتائجها وآثارها الكارثية، ثم بعد ذلك انقضوا على العراق والتي كانت قد قطعت شوطا كبيرا في مجالات البحث العلمي وبناء القدرات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية، وبعدها انتقلوا إلى سوريا التي تحاول الخروج من الحصار المفروض عليها.

وبالطبع كل ذلك يستهدف منع الدول العربية من استغلال قدراتها وإمكاناتها سواء كانت بشرية أو طبيعية أو اقتصادية حتى تصنع برنامجا علميا عربيا سواء كان ذلك نوويا أو غيره، فكيف في ظل كل ذلك نطالب بإنتاج تكنولوجيا علمية عربية في ظل حالة الضعف والتشرذم والتفكك التي تسيطر على عالمنا ؟!.

صحيح هناك بعض التقدم في المملكة العربية السعودية التي تملك مصادر مادية هائلة، ومصر أيضا تشهد بعض التقدم والتغير في طرق التفكير وتقدما في مجالات كثيرة، إلا في البحث العلمي والتعليم العالي، مشيرا إلى أن التقدم في أي مجال يمكن أن يعوض التأخر في المجال الآخر إلا مجال البحث العلمي والتعليم العالي، فالتأخر فيه لا يمكن أن يعوضه أي تقدم في أي مجال آخر، وهو أمر محزن أن تصبح أغنى أمة هي أفقر أمة وأقوى أمة تصير أضعف أمة.

أزمة البحث العلمي

وبدوره، يرى الأستاذ في كلية التربية جامعة القاهرة وعضو أمانة السياسات بالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في مصر الدكتور علي المليجي أن الحديث عن أزمة البحث العلمي في الوطن العربي يعني بكل تأكيد الحديث عن أسباب التخلف العربي عن ركب الحضارة والنهضات العلمية المتلاحقة في دول العالم المتحضر، وتابع من غير المعقول أن نرى العالم من حولنا يحقق أرقاما متقدمة في مجالات الإنفاق على البحث العلمي وبراءات الاختراع واستثمار البحوث في الوقت الذي يتراجع فيه بحثنا العلمي عاما بعد عام، وإن تقدم خطوة فإنه لا يواكب مئات الخطوات التي اجتازها الغرب.

ونوه إلى أنه ليس أدل على ذلك من التقديرات التي تقول ان 95 في المئة من علماء العالم ينحصرون في أميركا وأوروبا واليابان، وهذا يعني أن نصيب البلدان النامية، والتي منها الدول العربية، من البحث العلمي لا يتعدى 5 في المئة، بينما 95 في المئة من الأبحاث العلمية تقوم بها الدول المتقدمة.

وقال إننا إذا أردنا الحديث عن نهضة حقيقية للبحث العلمي في الوطن العربي، فنعتقد أن مفردات هذه النهضة تتألف من عدة نقاط أساسية يجب تفعيلها، ومنها زيادة الدعم المالي لمؤسسات البحث العلمي، وتقديم المنح السخية لبرامج البحث العلمي والتطوير، والمشاركة الفعالة للقطاع الخاص في تمويل الأنشطة العلمية، واستثمار البحوث العلمية استثماراً حقيقياً في خدمة المجتمع. وإنشاء قاعدة علمية قوية تتبنى استراتيجيات لتطوير البنية التحتية لمؤسسات البحث العلمي والتطوير، وتحسين وتيسير التواصل بين قطاع البحث العلمي والمنشآت الصناعية، وتفعيل العلاقات بين الجامعات ومراكز البحث من جهة والقطاع الخاص من جهة أخرى سعياً وراء حل مسائل تكنولوجية محددة.

وشدد على أهمية تفعيل الاستفادة من الأعمال البحثية والتعليمية لتحسين المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتسهيل التواصل بين الباحثين والمنشآت الصناعية، ومنح صلاحيات مناسبة تمكن الباحثين من الاستفادة المباشرة من أعمال وبرامج المنشآت الصناعية، والتأكيد على استقلال الجامعات والمؤسسات البحثية، وإعطاء الحرية الكاملة للمؤسسة العلمية في رسم سياساتها وبرامجها وتعيين من تشاء في سُلمها الوظيفي.

دور صناع القرار

ويرى محمد حمدي حلاوة أحد المخترعين المصريين أن واقع البحث العلمي في العالم العربي لا يحتاج إلى تشخيص فوق تشخيص بات واضحا لكل المراقبين، فالمسؤولية خرجت من أيديهم، حيث قدموا الحلول الكثيرة من أجل إنهاض البحث العلمي العربي وبقي دور صناع القرار في تنفيذ هذه الحلول على أرض الواقع.

وتابع في نهاية كل مؤتمر أو ندوة لمناقشة مشكلة البحث العلمي في الوطن العربي هنا أو هناك نجد أن النتائج واحدة والتوصيات واحدة، فالمؤتمر الذي يعقد في الإمارات يصل إلى نفس نتائج المؤتمر الذي يعقد في مصر أو الأردن أو قطر وتبقى المشكلة قائمة في ظل تحويل هذه المؤتمرات إلى منتديات فكرية ومناقشات نظرية بعيدة عن الدور المفقود لصناع القرار.

وقال أنا لن أضيف عما خرجت وتخرج به المئات من المؤتمرات التي انعقدت لبحث مشكلة البحث العلمي في الوطن العربي سواء على المستوى الكلي أو القطري، فالبحث العلمي العربي يفتقد لسياسة استراتيجية واضحة، وليس لدينا صناديق متخصّصة في تمويل البحوث، وليس لدينا ما يسمّى بصناعة المعلومات، وليس لدينا مراكز أو هيئات للتنسيق بين المؤسسات البحثية، وليس لدينا حرية أكاديمية كافية، كتلك التي يتمتع به الباحث الغربي. ناهيك عن المشاكل الروتينية البشعة التي يتعرض لها المخترعون من المراكز البحثية ومكاتب براءات الاختراع والتكاليف الباهظة والإجراءات الروتينية المملة التي يتكبدها المخترعون في سبيل إثبات براءات اختراعاتهم فقط.

وأشار حلاوة إلى أن تبعة التنفيذ تلقى على عاتق أصحاب القرار وأرباب المال، فمسؤولية تخلفنا في البحث العلمي ليست في أعناق الأكاديميين الذين يهربون إلى جنات الحرية الأكاديمية والبيئة العلمية الرغيدة في أوروبا وأميركا في سياق هروب النخبة العلمية (هجرة العقول) تلك الظاهرة التي باتت هي الأخرى مؤشرا طبيعيا لتدهور وضع البحث العلمي في المنطقة.

ولفت إلى أنه ليس أدل على ذلك مما وصل إليه حال كثير من مؤسسات البحث العلمي في العالم العربي من تهميش الكوادر البحثية التي لا تتفق وسياسة السلطة أو إمكاناتها، ومن ثم يتم تهجير، أو هجرة، هذه النخب العلمية إلى أوروبا وأميركا، لتجد هذه العقول البيئة العلمية المناسبة لها، والمعززة لمواهبها وقدراتها.

القاهرة ـ سباعي إبراهيم