بعدما ضجّت الساحة السياسية اللبنانية بالتوقّعات التي روّجت لولادة الحكومة قبل نهاية الأسبوع الجاري، فإن الانطباع الأوحد الذي حكم مسار اليومين الفائتين بأن لا حكومة في القريب العاجل وضع كل التوقّعات في «ثلاجة» الانتظار إلى أجل غير مسمّى، تماماً كما كان عليه مشهد جلسة انتخاب اللجان النيابية، أمس، والتي أجّلها رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى 12 نوفمبر الجاري، لعدم اكتمال نصاب انعقادها في حضور 36 نائباً معارِضاً وأربعة نواب من الأكثرية.

وإذا كان التأجيل الثالث لجلسة انتخاب اللجان النيابية جاء ترجمة للسياسة التي تنتهجها الأكثرية، والقاضية بتطبيق معادلة: «لا حكومة، لا مجلس نيابي.. فإذا تألّفت الحكومة، هناك انتخاب لجان، والعكس صحيح»، فإن رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب ميشال عون لا يزال يعتمد سياسة «خذ وطالِب»، بعد أن اطمأنّ إلى أن حقيبتَي الاتصالات والطاقة حسِمتا من ضمن حصّته الوزارية، ولم يعدّل في موقفه المتمسّك ببديل لوزارة الثقافة، من نوع وزارة الاقتصاد.

أما الرئيس المكلّف سعد الحريري، فلا يزال ملتزماً الصمت ومستمراً في اتصالاته لتذليل كل العقد المتبقية، ومصرّاً على تفاؤله لجهة تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.. وذلك، حيال واقعين: مطالب عون من جهة، ومطالب مسيحيّي 14 آذار الذين يرفعون سقوفهم كلما تجاوب الحريري مع مطالب عون، وذلك سعياً إلى الحفاظ على التوازن السياسي معه في الساحة المسيحية، بحسب قول مصدر متابع لوقائع المفاوضات الجارية.

وأشار هذا المصدر إلى ضرورة عدم التقليل من أهمية الخلاف على النصف الثاني من السلّة الوزارية العائدة لتكتل التغيير والإصلاح، فـ «استمرار هذا الخلاف من شأنه أن يهدّد مصير الحكومة ككلّ».

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن عون أعلن رفضه القاطع استبدال حقيبة الشؤون الاجتماعية التي انتزعت منه بحقيبة الثقافة، بعدما وافق على استبدال حقيبة الزراعة بحقيبة السياحة، معتبراً أن البحث في البدائل «يجب أن يأخذ بعين الاعتبار خيارات أخرى، تتضمّن على سبيل المثال الاقتصاد أو عودة الشؤون الاجتماعية مع السياحة»، حسبما نقل عنه عضو التكتل النائب نبيل نقولا لـ «البيان»، والذي شدّد على أنه «في حال كان الرئيس المكلّف غير قادر على تأمين البدائل المقبولة، فإن أسهل حلّ أمامه هو إبقاء كل القديم على قدمه».

في المقابل، أكّدت مصادر مقرّبة من الرئيس المكلّف على أن حقيبتَي: الاتصالات والطاقة «منِحتا لعون على أساس أنهما جزء لا يتجزّأ من سلّة متكاملة»، مشيرة إلى إمكانية إعادة النظر بما يعتبره عون صار محسوماً في حال بقي الأخير على موقفه المطالب بتحسين مواصفات الحقيبتين المتبقّيتين اللتين عرضهما عليه الحريري، أي السياحة والثقافة، مع إمكانية إستبدال الأخيرة بحقيبة الصناعة لا حقيبة الاقتصاد التي يرفض وزيرها الحالي محمد الصفدي التخلّي عنها.

وإذا كانت شروط عون، وما تثيره من تحفّظات عن سعيه إلى كسب أربع حقائب وزارية أساسية متساوية في الأهمية، تحتل صدارة المسبّبات المعلنة للتأخير في تأليف الحكومة، فإن مصادر الأكثرية أكدت أن «الاتصالات والوساطات لم تتوقف، خصوصاً أن حلفاء عون يعملون على بلورة بدائل معقولة لمطالبته بحقيبتَي الاقتصاد والشؤون الاجتماعية»، لافتة الى أن لدى الرئيس المكلّف رفضاً قاطعاً لمنح عون حقيبة الاقتصاد مع الاتصالات والطاقة، لأن ذلك سيوفّر له الإمساك بثلاث حقائب اقتصادية أساسية، والتحكّم بالكثير من السياسات الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، رأى مصدر نيابي بارز في تكتل التغيير والإصلاح أن وراء عرقلة ولادة الحكومة من جانب بعض القوى في الأكثرية هدفين: الأول، إضعاف قدرة وحجم وفعالية مشاركة التكتل في التشكيلة الحكومية، وتالياً في القرار السياسي والاقتصادي للحكومة بحيث لا يكون له تأثير فاعل في القرارات التي قد تتخذها والتوجهات التي قد تنحو في اتجاهها، لاسيما على الصعيدين المالي والاقتصادي.. فيما يتمحور الهدف الثاني على الضغط على سلاح حزب الله.

بيروت - وفاء عواد