قبل ست سنوات خاطب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة النجباء من الطلاب الحاصلين على معدلات عالية في امتحان شهادة الثانوية العامة حين كرّمهم بالقصر الرئاسي، قائلاً «لا أريد أن أزرع ويحصد الآخرون.. هذه رسالتي لكم فاستوعبوها جيدا».

وجاءت العبارة في سياق حديثه عن هجرة الأدمغة من أبناء بلده الذين يغادرون بالآلاف كل عام ويعمرون مراكز الأبحاث والجامعات في القارات الخمس. وتحدث بألم عن هجرة ثلاثة آلاف من أمهر الأخصائيين في الإعلام الآلي «ربما إلى غير رجعة» نحو أوروبا وكندا والولايات المتحدة والشرق الأقصى.

لكن كلمات الرئيس لم توقف النزيف وزاد عدد من هربوا بعلمهم إلى ديار الغربة حتى بلغ عددهم 30 ألف باحث وخبير من مختلف التخصصات في السنوات الخمس الأخيرة بمعدل ستة آلاف مهاجر كل عام، وربما كان من بينهم بعض من حضروا حفل التكريم ذاك واستمعوا إلى تحذير الرئيس.

لكنهم تركوا ذلك الخطاب الحماسي وراءهم وراحوا هائمين بحثا عن موطن يقدر توظيف معارفهم ويغمرهم بالكرامة التي يستحقها كل مجتهد.

وحسب تقرير صدر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مؤخرا فإن الجزائر تحتل الصدارة بين الدول العربية المصدّرة للأدمغة. وأهم أسباب هجرة الأدمغة الجزائرية عدم الاهتمام بها ككفاءات، ونقص فرص التوظيف وفق تخصصاتهم وتكريس القوانين المعمول بها لأولوية الموالين سياسيا للسلطة على حساب المتفوقين علميا.

وقدرت دراسة صدرت قبل سنوات خسارة الجزائر جراء هجرة أدمغتها بما يزيد على 40 مليار دولار.

وقال أحمد أوقاسي الباحث في مجال الإعلام والاتصال بالولايات المتحدة إن العلماء الجزائريين في البلدان المتقدمة يجدون مجالا لترقية قدراتهم ومواصلة أبحاثهم واكتشافاتهم لكنهم لا يجدون البيئة الملائمة في الجزائر بفعل تأخر المستوى العام في كل الميادين، لأن قدراتهم في كل الأحوال أكبر بكثير مما يمكن أن تستوعبه المراكز والمؤسسات الجزائرية.

وأحمد أوقاسي درس في الجزائر حتى الليسانس وحصل على منحة من أميركا عام 1977 لإكمال الدراسة ولما نال دكتوراه دولة بامتياز عاد واشتغل بجامعة الجزائر ثم صار مديرا للدراسات بمعهد العلوم السياسية والإعلام وكان يسكن غرفة في فندق لثلاث سنوات فقرر مغادرة البلاد العام 1986 وعاد إلى أميركا التي احتضنته ووفرت له إمكانات البحث.

أفاد تقرير صدر عن المجلس الوطني الاقتصادي ـ الاجتماعي وهو هيئة استشارية رسمية أن عدد الكفاءات الجزائرية عالية المستوى المنتشرة في مختلف بلاد العالم تجاوز 400 ألف شخص في مئات التخصصات، نسبة عالية منهم تخرجوا من جامعات جزائرية وأكملوا الدراسة في جامعات عالمية كبيرة واكتسبوا خبرات مهنية عالية.

ويتمركز معظم علماء الجزائر في أوروبا خاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا والبقية في الولايات المتحدة وكندا واليابان وباقي بلدان الشرق الأقصى. واستقطبت ألمانيا وكندا في السنوات الأخيرة آلافا من الاختصاصيين في تكنولوجيا الإعلام والاتصال وفي التسيير والطرق الحديثة للترويج والإعلان، وهي تخصصات لا يحظى بدخول معاهدها في الجامعات الجزائرية غير المتفوقين بمعدلات عالية في امتحان الثانوية العامة.

أما في الولايات المتحدة فالتخصصات أشمل ومن بين نحو 24 ألف جزائري يقيمون في المدن الأميركية يوجد 20 ألفا من المستوى العالي بينهم أكثر من 400 يحتلون مواقع حساسة في النسيج الصناعي وفي المؤسسات الأميركية المهمة على غرار البروفيسور الياس آدم زرهوني الذي شغل منصب مدير عام معاهد الصحة الأميركية مدة ثماني سنوات من 2002 حتى هذا العام، بقرار من الرئيس الأميركي السابق جورج والكر بوش.

و«كمال حديدي» باحث في الفيزياء النووية مختص البلازما، و«زهير بوكرا» مختص لدى شركة «بوينغ» لصناعة الطائرات، و«محمد سيدي سعيد» نائب رئيس شركة «فايرز» وغيرهم كثير حيث يصل عدد أمثال هؤلاء إلى 300 ألف موزعين على القطاعات الحيوية في الصناعة الأميركية. أما في كندا فيوجد آلاف من الجزائريين من ذوي المستوى الراقي في التكنولوجيات الدقيقة وفي التسيير والترويج الاقتصادي.

ويوجد في اليابان عدد من الجزائريين المتميزين من بينهم محمد بنّات الفيزيائي ـ الميكانيكي صحح نظريات علمية في اختصاصه بعدما أثبت أن العالم سار عليها خاطئة.

يجزم الكثيرون ومن بينهم الباحث في علم الاجتماع علي الكنز بأن من خرجوا من العلماء والباحثين لن يعودوا للجزائر للعمل لأنهم يتقدمون بعلمهم ومعارفهم كل يوم والجزائر في وضع علمي متدن.

وقال هؤلاء يحبون وطنهم لكن أيضا يحبون الرقي بعلمهم وبحياتهم ووجدوا هذا في مكان آخر وهم اليوم متألقون، ولو بقوا في بلدهم ما بلغوا المستوى المتاح لهم اليوم لا من الناحية العلمية والوظيفية ولا من ناحية حياتهم العامة.

واستبعد البروفيسور كمال صنهاجي الباحث في تفاصيل مرض الايدز العامل في معاهد الصحة الفرنسية عودة الكفاءات رغم أنه يرتبط شخصيا بالجزائر من خلال زياراته المتكررة وعضويته في البرلمان.

وقال ان العالم يستفيد من تلك الخبرات وهي تبحث وتنتج في المخابر الغربية ومن غير اللائق تصور «حجزها» في الجزائر لمجرد حسها بالانتماء. ففي الجزائر لا يوجد ما يصنع هؤلاء. وأمام هذا الوضع قلصت الدولة الجزائرية من خطابها الحماسي الداعي لعودة الكفاءات عالية المستوى العلمي وصارت تركز على إيجاد صيغ للاستفادة منها عن بعد. وصار هذا نقطة لقاء بين مصلحة الباحث ومصلحة بلده.

ويشارك عشرات من علماء المهجر في منتديات وحلقات تنظمها الجامعات ومراكز البحث الجزائرية وقدموا في السنوات الأخيرة إسهامات لبناء أطر قوية للبحث العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والاجتماعي.

ويستفيد آلاف من الباحثين العاملين في الجزائر من تلك الحلقات. كما يقدمون مساهمات تساعد مؤسسات الدولة على تحسين الأداء، سواء فيما يتصل بالقطاعات العلمية والتكنولوجية أو بتسيير الاقتصاد وحتى ما تعلق بالتعامل مع الكوارث الطبيعية.

وحضر البروفيسور زرهوني للجزائر عدة مرات مع وفود أميركية وتم توقيع عدد كبير من اتفاقيات التعاون الطبية بين بلاده والولايات المتحدة وهو ما فعله أيضا عدد كبير من الباحثين في البلدان المتقدمة بربط الصلات بين معاهد وجامعات ومؤسسات الجزائر ومثيلاتها في البلدان التي يشتغلون بها لنقل التجربة وتطوير قدرات بلدهم.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي