عقدان من الزمن.. مرا على سقوط جدار برلين الشهير. حدث تاريخي مثير، بدا وكأن العالم قد دخل به في معادلة جديدة مستقرة قد تستمر لأجيال مديدة. معادلة قد تكون معها الساحة الدولية خالية من أي اعتراض على هيمنة ايديولوجية وقيم وقيادة، قطب واحد. عالم، لا منافسة ولا سباق فيه، حول الخيارات الكبرى ولا توازن بشأنها.

المفكر فوكوياما، ذهب بعد الجدار والانهيار السوفييتي الذي أعقبه؛ إلى حدّ الحديث عن «نهاية التاريخ». لكن بعد عشرين سنة على ذلك السقوط المدوّي، تبيّن أن العالم لم يعد فقط كما كان؛ بل أيضاً لم ينته إلى ما كان متوقعاً أن يكون. فترة غابت معها أنظمة ومواقع وترهّلت أخرى، فيما برزت نماذج جديدة أكّدت صعودها وجدارتها؛ ليس من باب سدّ الفراغ، بل كبدائل قابلة للتطور ومرشحة لتكون النواة التي تؤسس لنظام متوازن، يقوى على الاستمرار والصمود إزاء تحديات التنمية والسلام في العالم. فالانهيار الذي حصل، تبعته انهيارات في الخندق المقابل.

النموذج الذي ساد الاعتقاد بأن الغلبة حسمت له في الصراع، بدأ يترنح ويتآكل. صحيح انه بقي الأقوى. لكن زعامته باتت مترهلة ومعطوبة. غرقت بأكثر من أزمة كاسرة. التخبط يحكم سياساتها الراهنة ولا تملك المخارج. على الأقل حتى اللحظة.

فمع تهاوي الجدار، ثم الصرح الاشتراكي والتلاشي الذي تبعه لحلف وارسو؛ حسب الخصم الغربي وبالتحديد الأميركي، أن جدارته، كنظام، باتت ثابتة لا جدال فيها. لبسته القناعة بأنه كسب الحرب الباردة بتفوقه؛ وليس كنتيجة لانهيار القطب الآخر، تحت وطأة تجربته؛ بعدما تخشّبت وتجوّفت وسقطت بالتالي من داخلها. وقع تحت تأثير نشوته بهذا الانتصار.

عن خطأ أو عن صواب، امتلكه الاعتقاد بأنه بات الخيار والنموذج الوحيد الذي لا يقهر. اللاعب الحاسم والمقرر، على الملعب الدولي. لاسيما وأن الوريث الروسي للقطب المنهار مرّ بعدة سنوات من التراجع إلى مستوى دولة عالمثالثية.

جاء 11 سبتمبر ليقدم للمحافظين فرصة لترجمة سياسة العضلات. ركبوا رؤوسهم، فافتعلوا تلفيق مسوغات الحرب على العراق. كسروا القوانين الدولية. قفزوا من فوق الأمم المتحدة. نسجوا الذرائع الواهية. هاجس «تغيير الدول» ؟ كما قال نائب وزير الدفاع، آنذاك، بول وولفويتز ر والخرائط، في المنطقة؛ كان بداية الغرق في المستنقع الذي تحول، بالنهاية، إلى ورطة؛ فاقمتها التطورات الميدانية الأفغانية؛ في الآونة الأخيرة.

لكن الانفلات العسكري، لم يكن سمة التهور الوحيد، للقطب المستأثر. الانفلات المالي، لم يقل عنه خطورة. بوش افتتح عهده بالأول، ليختمه بالثاني.

الأزمة المالية التي انفجرت في أواخر ولايته الثانية وكادت تهدد بانهيار مالي اقتصادي عالمي؛ كانت بامتياز، منتجاً من صنع الانفراد المستأثر، الذي بلغ قمته مع المحافظين الجدد. منذ قدومهم الأول مع الرئيس ريغان، اول ثمانينات القرن الماضي، عملوا بلا هوادة، لإزالة الضوابط والكوابح؛ من طريق المؤسسات المصرفية والمالية العاتية.

أو على الأقل لتخفيفها بالحدود القصوى وخلق ما يكفي فيها من الفجوات؛ بحيث تتمكن هذه المؤسسات من تحقيق ما يتيسّر من العائدات وإلى حدّ النهب. وما تبقى من العوائق، تكفلت إدارة بوش بإزالتها.

الأمر الذي فتح الأبواب أمام الانتفاخ الهائل. فالانفجار الأكثر هولاً. الشظايا، لم يسلم أحد من أذاها، الذي كان شبه مدمّر. خاصة على الاقتصاديات الضعيفة. مجموعة العشرين عقدت أكثر من قمة للإنقاذ. انتهت كلها عند توصيات، لا تلامس العطب الأساسي. واشنطن، لا تسمح بأكثر من ذلك. لا تزمع التنازل عن امتيازات بريتون وودز. ثم إن التغيير لا بدّ وأن يشدّد قبضة الضوابط ويوجد نوعاً من رقابة الدولة.

وربما شراكتها. وهذا ما لا تسمح به الكتل المالية المتحكمة باللعبة. لذلك بقي التعامل مع الأزمة، حتى الآن، بحدود الترقيع؛ مع الاكتفاء بإشاعة التفاؤل بقرب انتهاء حالة الركود.

دوّامة لم تقو واشنطن نفسها، على الخروج منها. البطالة لديها بلغت 10%. أرقام العجز في الموازنة، فلكية: 4 .1 تريليون دولار لهذا العام. ما يعادل 10% من الناتج الإجمالي المحلي. أكثر من ثلاثة أضعاف الحد المقبول.

المشهد بعد عشرين سنة من سقوط الجدار، ضبابي وانتقالي. نظام الستار الحديدي ذهب إلى غير رجعة. ونظام الانفلات الرأسمالي، دخل طور العجز والإفلاس. طور الاهتراء. لا النموذج اليابس صمد. ولا ندّه قد يكون البديل. على العكس تغوّل لينتج فقط الأزمات والتأزم.

خلف الضباب يلمع نموذج «اشتراكية السوق» الصيني. أثبت قدرته على التفوق في التنمية كما في الصمود بوجه الأزمة المالية والخروج السريع منها. نجاحه في الصعود والصمود، يعود لصيغة الشراكة التي يعتمدها، بين الخاص والعام. الأول يبادر ويراكم الإنتاج والثروة.

والثاني يضبط ويؤمّن التوزان. معادلة نجحت في حدودها الصينية. وتبدو أنها افتتحت عصر نظام الشراكة المتوازنة. التجربة الصينية تقدم كل الدلائل لتكون، بعد تطوير الجانب الديمقراطي فيها، نظام المستقبل؛ القائم على أنقاض مرحلة الجدار وانهيارات الرأسمالية الجشعة..

إضاءة

دوّامة، لم تقو واشنطن نفسها على الخروج منها. فالبطالة لديها بلغت 10%. أرقام العجز في الموازنة، فلكية: 4 .1 تريليون دولار لهذا العام. ما يعادل 10% من الناتج الإجمالي المحلي. أكثر من ثلاثة أضعاف الحد المقبول.

في مقابل هذه الأرقام المفتوحة على أمد غير قريب، سجلت الصين أفضل صمود بوجه الأزمة. لا بل احتفظت بمعدل نمو لن يقل حسب التقديرات، عن 7%. فضلاً عن الفائض الهائل من العملات الأجنبية الذي يبلغ حوالي 2 تريليون دولار.

فيكتور شلهوب