ظلت إسرائيل لعقود طويلة تعتقد بأن الخطر الأكبر عليها إنما ينجم عن العداء العربي لها، وعدم الاعتراف بها، كدولة من دول المنطقة؛ ولذلك فهي أعدت جيشها، وقدراتها العسكرية، بالقدر الذي يمكنها من مواجهة عدة جيوش عربية؛ كما إنها احتفظت بقدرة الردع، بامتلاكها احتكار ما يسمى «سلاح يوم الآخرة»، أي القوة النووية.

وفيما بعد توسع مفهوم مصادر التهديد لإسرائيل لتضاف إليه فصائل المقاومة الفلسطينية، بعد ظهورها (في الخارج) في الستينيات والسبعينيات وإلى خروج قواتها من لبنان، بفعل الاجتياح الإسرائيلي له (1982).

مع اندلاع الانتفاضة الأولى (19871993) ظهر أمام إسرائيل مصدر تهديد اخر، ومختلف، يتمثل بفلسطينيي الأراضي المحتلة (1967)، الذين يرفضون الاحتلال، ويقاومونه بالحجارة وبوسائل العصيان المدني، بحيث وجدت إسرائيل نفسها أمام مصادر تهديد غير تقليدية، وغير عسكرية، بمعنى أنه ليس ثمة جيوش، ولا من يستخدم السلاح، في محاربتها.

وحينها رأت إسرائيل بأن هذا الوضع يضع جيشها في مواجهات غير مألوفة، ويظهره أمام الرأي العام العالمي كمن يقتل الأطفال والنساء والشيوخ العزل من السلاح، ما يكشفها على طبيعتها، كدولة استعمارية وعنصرية تستخدم القوة للسيطرة على شعب اخر؛ وهذا ما حصل.

الديموغرافيا

وخلال مواجهات الانتفاضة الأولى، أيضا، وجدت إسرائيل نفسها فجأة في مواجهة نوعا من سلاح سلبي، أطلقت عليه لقب «القنبلة الديمغرافية»، أو الخطر الديمغرافي، وهو ما يتمثل بوجود أكثر من مليوني فلسطيني (حينها) في الضفة والقطاع. وحينه رأت إسرائيل بأن هذا الواقع يهدد بتقويض امكانية تحولها لدولة يهودية خالصة، ويهدد بتحولها إلى دولة ثنائية القومية بقوة الواقع.

وقد تعاملت إسرائيل مع هذا الأمر باعتباره احد مصادر التهديد التي تواجهها، بل إنها سخرت مراكز أبحاث عديدة، وضمنها «مركز المناعة القومية» في هرتسليا، الذي ينظم مؤتمرات سنوية، لدراسة سبل مواجهة إسرائيل لهذا التحدي.

ومشكلة إسرائيل أن التهديد الديمغرافي لا تستطيع إزاءه شيئا، بالمعنى المباشر، وأن هذا التهديد يضعها أمام واقع انكشافها على شكل دولة عنصرية، أو تحولها إلى دولة «ثنائية القومية» بقوة الدستور والقانون؛ وهما أمرين تحاول إسرائيل التهرب منهما بطريقة أو بأخرى.

ومنذ حدث الهجوم الإرهابي في نيويورك وواشنطن (11 سبتمبر 2001)، وجدت إسرائيل نفسها في مواجهة مصدر تهديد آخر يتمثل بخطر الجماعات الإسلامية المستهدفة، التي استهدفت مصالح إسرائيلية في العالم، ضمنها في كينيا وإندونيسيا والأرجنتين.

وبعد احتلال العراق (2003) برزت إيران بوصفها أحد أهم مصادر التهديد لإسرائيل، بسبب تزايد نفوذها في العراق، ثم بسبب دعمها لمنظمات المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، ولاسيما بسبب سعيها الحثيث لتملك الطاقة النووية.

الرأي العام العالمي

وفي الخلاصة فإن الأمور، بالنسبة لمصادر تهديد إسرائيل، لم تقف عند هذا الحد فثمة الآن مصدر تهديد آخر، لا يقل عن مصادر التهديد المذكورة آنفا، وهو الرأي العام العالمي.

فبنتيجة سياسات إسرائيل المتعنتة واستخدامها القوة المفرطة ضد الفلسطينيين في الانتفاضتين الأولى والثانية، وفي حربها على غزة، باتت إسرائيل مكشوفة تماما، كدولة استعمارية وعنصرية وقهرية؛ وهذا ما تم التعبير عنه، مثلا، في مقررات مؤتمر ديربان (2001) في جنوبي إفريقيا، وفي تحول الرأي العام الغربي نحو التعاطف مع الفلسطينيين، وفي موقف الحكومات الغربية (وضمنها الإدارة الأمريكية، الممانع للأنشطة الاستيطانية، والمطالب بإقامة دولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 (الضفة والقطا)، وأخيرا في تقرير لجنة غولدستون، الذي اتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.

بنتيجة ذلك ثمة في إسرائيل من يرى بأن خطر نزع الشرعية عن إسرائيل، والخطر الديمغرافي هما أهم من خطر تملك إيران قنبلة نووية، بحسب شلومو غازيت. فبحسب غازيت (رئيس سابق لجهاز الاستخبارات العسكرية «أمان») فإن الخطر الأول، يضع إسرائيل وسط «عملية مشابهة لتلك التي اجتازها النظام الأبيض في جنوب إفريقيا وأدت إلى انهياره قبل ثلاثين سنة»..

أما الخطر الثاني (الديمغرافي)، و«في ظل غياب حل سياسي يفصل دولة إسرائيل، ذات أغلبية يهودية متماسكة عن الكتلة العربية ـ الفلسطينية التي بين البحر والنحر، فإننا نتقدم بعيون مفتوحة نحو قيام «دولة كل مواطنيها، نحو دولة ثنائية القومية.» («معاريف»،1022)

إضاءة

ثمة تحديات يصعب على إسرائيل التعامل المباشر معها، كونها اعتادت على غطرسة القوة، وعلى مواجهة مصادر التهديد لها بوسائل القوة العسكرية. وليس بوسع إسرائيل أن تعمل شيئا بجيشها وطائراتها ودباباتها، وبسلاحها النووي، إزاء الكتلة البشرية الفلسطينية الكبيرة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وإزاء تعاطف الرأي العام العالمي مع الفلسطينيين.