بات اهتمام إسرائيل بإيران نوعا من الهم اليومي، فإيران هذه ليست فقط معادية لإسرائيل، وإنما هي لا تقر بشرعيتها، أيضا، وتسعى إلى مزاحمتها في إدارة شؤون المنطقة، وتقويض مكانتها كدولة رادعة فيها بكسر احتكارها للتسلح النووي.

معلوم أن اهتمام إسرائيل بإيران تصاعد بعد ازدياد نفوذ هذه في الشرق الأوسط عموما والعراق خصوصا (بعد احتلاله)، وبعد أن بات دعم إيران لجماعات المقاومة الإسلامية المسلحة في لبنان وفلسطين، يؤثر على إسرائيل، وبلغ هذا الاهتمام أوجه في السنوات الثلاث الماضية، بعد انكشاف جدية سعي إيران لحيازة قوة نووية.

لكن مشكلة إسرائيل، التي كانت وجهت ضربة مدمرة للمفاعل النووي العراقي (1981)، أنها وجدت نفسها، هذه المرة، مكبلة إزاء نواياها استهداف إيران بواسطة القوة العسكرية.

تساؤلات وإجابات

ويمكن تلخيص الموقف الإسرائيلي مؤخراً من المسألة النووية في إيران من خلال مراجعة مادتين شاملتين كتبهما مؤخرا رونين بيرغمان، وعوفر شيلح، وهما محللان سياسيان، كتبا كثيرا بما يخص سعي إيران لتملك طاقة نووية، وقد كتبا مادتهما على شكل مجموعة أسئلة وأجوبة.

تساؤلات وإجابات بيرغمان كانت على النحو التالي: «ماذا يقول الاتفاق؟.. تتخلى إيران عن حقها في تخصيب معظم اليورانيوم الذي في حوزتها لدرجة 20 في المائة، وبدلا من ذلك ينقل اليورانيوم إلى روسيا للتخصيب، ومن هناك إلى المعالجة في فرنسا، وبعد ذلك يعاد إلى إيران..هل يمكن للإيرانيين أن يستخدموا المخصب في روسيا لإنتاج السلاح النووي؟ هذا ممكن، ولكنه معقد جدا. أولا، اليورانيوم سيكون تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ثانيا، يكون قد اجتاز معالجة تجارية، وسيكون من الصعب نسبيا إعادته إلى الوضع الذي يمكن فيه تخصيبه..هل معنى الاتفاق هو أن الخيار العسكري شطب عن جدول الأعمال وماذا بالنسبة للعقوبات؟..من المعقول الافتراض بأنه من اللحظة التي توقع فيها إيران على صفقة تقبلها الولايات المتحدة وأوروبا ـ ناهيك عن روسيا والصين ـ ستنسى كل خطاياها الماضية..

في هذا الواقع من الصعب جدا إقرار مشروع قرار يدعو إلى مقاطعة إيران وفرض عقوبات دولية عليها.. معقول الافتراض بأنه إذا تبين بان المسار العسكري، الخفي، لإيران حقق تقدما ذا مغزى في الطريق إلى القنبلة، وإذا لم يكن هناك خيار آخر فان الخيار العسكري سيصبح ذا صلة.. هل الاتفاق يقرب إيران من القنبلة أم يبعدها؟ في المدى الزمني الفوري يبعدها، ولكن في المدى البعيد يسمح لإيران بمجال مناورة وزمن لم يكونا لها من قبل.

السياسة النووية الإيرانية هي رقصة تانغو ذكية مع الأسرة الدولية..كيف يؤثر هذا الاتفاق على إسرائيل؟ الاتفاق يؤثر أساسا على قدرة إسرائيل للضغط باتجاه فرض عقوبات على إيران. ماذا يكسب الإيرانيون من هذا الاتفاق وماذا يخسرون؟ الإيرانيون يكسبون أساسا الوقت وتخفيف الضغط الدولي.

وهم يخسرون كميات كبيرة جدا من اليورانيوم كان يمكنها أن تحولهم إلى قوة عظمى شبه نووية.. بمعنى، كان يمكن أن تصبح دولة ليس لها سلاح نووي، ولكن لديها قدرة في غضون وقت قصير أن تنتجه بجهد مركز. ماذا سيفعل الإيرانيون الآن كي يواصلوا برنامجهم النووي العسكري؟ سيواصلون السير في ثلاث مسارات: الأول جميع المزيد من اليورانيوم المخصب في مفاعل «نتنياز».

الاتفاق يتناول فقط اليورانيوم الذي تجمع حتى اليوم وليس ما سيجمع في المستقبل؛ الثاني: استمرار تطويل «العدسة المتفجرة»، المنشأة التي يدخل إليها مع الوقت لباب القنبلة. الثالث: تطوير منشآت سرية أخرى يكون ممكنا فيها تخصيب اليورانيوم دون رقابة دولية.

إيران النووية

بدوره فإن عوفر شيلح يبدأ مقاله بطرح التساؤل التالي: «كيف سيبدو عالمنا إذا امتلكت إيران القنبلة: قنبلة في القبو، قنبلة نعلم عنها، أم قنبلة لا نعلم عنها ولكننا نفترض وجودها (كما يفترض العالم بأسره امتلاك إسرائيل لها)؟

في إجابته يعتقد شيلح بأن مفهوم الردع النووي المتبادل، الذي يفترض عدم قدرة أي طرف على استخدام القوة النووية ضد الطرف الأخر، لأنه يعلم أن ثمة ضربة ثانية، يسري على إيران أيضا. ويفسر شيلح ذلك بقوله: «على رغم أن إسرائيل هي دولة القنبلة الواحدة..أراضيها ضئيلة، قسم كبير من سكانها وتقريباً كل مؤسساتها الاقتصادية الهامة تتركز في كتلة مساحتها بضع عشرات من الكيلومترات المربعة.

وبالمقابل فإن إيران دولة هائلة، مترامية الأطراف، وقسم كبير من سكانها ليس معلقاً بطهران تحديداً. على أساس أن الردع الإسرائيلي لا يرتكز فقط على قدرة الضربة الثانية من إسرائيل، فقط، وإنما على أن القنبلة الإيرانية..تجر وراءها تهديداً دائماً من جانب الولايات المتحدة بأن استخدامها ضد إسرائيل سيواجه بتدمير إيران على يد الأميركيين..

وبشأن التخوف من سير الشرق الأوسط وراء إيران النووية، فيعتقد شيلح بأن هذا الأمر لن يكون سهلا، بواقع وجود مصر والسعودية، اللتان لن تجلسا مكتوفي الأيدي أمام هذا الخطر. وعن السؤال عن تغير مفهوم الأمن إذا امتلكت إيران القنبلة، فإن شيلح يقر بأن إسرائيل مطالبة بإدخال تغييرات على مفهومها لأمنها، بوجود قنبلة إيرانية من عدم ذلك.

فوق ذلك فإن شيلح يعتقد بأن «الردع النووي والردع التقليدي أمران مختلفان..حيث أن الردع في لبنان وفي قطاع غزة لا ينبع من أن نصر الله أو خالد مشعل يؤمنان بأن لدى إسرائيل قنبلة نووية وليس للآخرين مثلها.» وبرأيه فإن «الردع هو محصلة القوة المعروفة للجيش الإسرائيلي، كما تم تفعيلها في حالات مختلفة».

الغموض النووي

أخيرا فإن شيلح يرى بأن إيران سارت خلف إسرائيل بشأن سياسة الخيار النووي «مثلنا، يرسخون مشروعيتهم ويعملون ميدانياً على الغموض، الإخفاء، الاستغلال الذكي للمصالح المتضاربة في الحلبة الدولية، وإحساس بالظلم جراء ما يبدو كازدواجية معايير..إذا كان مسموحا لنا أن نبني مفاعلا..فلماذا ليس إيران؟.. وإذا لم تكن هي فسوف يكون عدواً أشدّ، سيمتلك في يوم من الأيام القنبلة». ويخلص شيلح من كل ذلك إلى مطالبة إسرائيل بالحد من مخاوفها من التسلح النووي الإيراني، وعدم المبالغة به.

مؤكدا ضرره على إسرائيل ومدارك الإسرائيليين لأحوالهم، كما يطالبها بالانخراط في الدعوة لخلق «الشرق الأوسط الخالي من السلاح النووي.. وهذا يتطلّب انقلاباً في الوعي، لم يحدث لنا من قبل. هذا يتطلب زعامة، لم تتوفر لنا منذ بن غوريون.. هذا سيكون الرد الحقيقي الوحيد على القنبلة الإيرانية. («معاريف» 910)

وكان عديد من المحللين والخبراء الإسرائيليين طالبوا بوضع حد لسياسة الغموض النووي الإسرائيلي، من مثل شلومو غازيت (رئيس اسبق للاستخبارات العسكرية)، ومثل رؤوبين بدهستور الذي يطالب بـ «تغيير مكانة إسرائيل كدولة نووية ضبابية إلى عضو يحظى بمكانة معترف بها في نادي الدول النووية..إن إعلان إسرائيل عن امتلاكها سلاحا نوويا- إذا كان هذا السلاح موجوداً بالفعل- سيغير كليا قواعد اللعبة في المنطقة.

وسيتيح نشوء ردع متبادل قوي بين إسرائيل وإيران، عندما تتزود الأخيرة بالسلاح النووي. فصُّناع السياسة في طهران يدركون جيدا مغزى استخدام الخيار النووي الإسرائيلي، ومغزى الغطاء الأميركي للردع الإسرائيلي. الإدراك الإيراني الواضح بأن أي محاولة للمس بإسرائيل بواسطة سلاح غير تقليدي سيقود بالتأكيد إلى تدمير إيران كدولة عصرية، سيمنع حكام إيران عن التفكير باستخدام السلاح النووي. («هآرتس» 14/10/2009)

ماجد كيالي