في يوم 2 سبتمبر من عام .1945. شهدت السفينة الحربية الأميركية «ميسوري» توقيع صك استسلام اليابان - الإمبراطورية على مرأى ومسمع من قوات الحلفاء المنتصرين وفي طليعتهم الولايات المتحدة الأميركية. بهذا انتهت الحرب العالمية الثانية.
كان قد سبق هذا المشهد مشاهد أخرى من إسقاط النظام الفاشي بقيادة موسوليني في إيطاليا ومن بعده اندحار النظام النازي بقيادة أدولف هتلر في ألمانيا. في الثاني من سبتمبر تنفس العالم الصعداء بعد أن كتبت عليه أقداره أن يعاني ويلات ذلك الصراع الدولي الذي أهلك الحرث والنسل في شرق العالم وغربه على مدار أعوام ستة اشتعلت شرارتها الأولى منذ سنة 1939 في شرقي أوروبا، ثم انتقلت ألسنة لهيبها إلى أنحاء شتى من عالم ذلك الزمان. هنالك تصور الناس أنهم مقبلون على مرحلة يسود فيها السلام وينصرف فيها سكان الكرة الأرضية إلى إصلاح ما دمرته الحرب والى بناء عالم جديد يسوده الأمن والسلام.
دعوة إلى الغذاء
لهذا لم يكن صدفة أن تلتفت أطراف دولية عديدة إلى أهمية التعاون العالمي لإنجاز هذا البناء المنشود.
ولا كان صدفة أيضا أن تتصدر هذه الدعوات أهمية العمل على ضمان الحد المعقول من الغذاء للبشر من سكان كوكبنا، ولا كان صدفة كذلك أن يسبق هذا الاهتمام بالغذاء سائر القضايا المتعلقة بداهة بأمور السياسة أو المواصلات أو حتى تصفية بقايا الميراث الإمبريالي واشتداد ساعد حركات التحرر الوطني التي كانت تناضل لإنهاء الاستعمار البريطاني والفرنسي بالذات بعد أن طالت سيطرتهما على أصقاع شاسعة وشعوب عديدة في طول العالم وعرضه على السواء. وسط هذا الجو المفعم بالأمل والواعد في تطلعه إلى ضمان النصيب العادل من الغذاء لسكان العالم.. جاء مولد «الفاو».
يدل اختصارها في الإنجليزية على الحروف الأولى من العبارة التالية: منظمة الأغذية والزراعة. وهي المؤسسة الدولية العتيدة التي جاء ميلادها ليسبق حتى ميلاد منظمة الأمم المتحدة نفسها.
ولم يكن صدفة كذلك أن يأتي ميلاد منظمة الأغذية والزراعة ـ الفاو بعد أيام قلائل من انتهاء الصراع الكوني الذي حمل ـ كما ألمحنا ـ عنوان الحرب العالمية الثانية.
اليوم العالمي
هكذا كان ميلاد الفاو بالتحديد في يوم 16 أكتوبر من عام 1945.
وعليه فقد وقع الاختيار على اليوم المذكور ليكون المناسبة التي تحمل بدورها لافتة دولية غاية في الأهمية وهي: اليوم العالمي للغذاء.
وهي المناسبة التي يعمد فيها مقر المنظمة الدولية في روما إلى إصدار تقاريره المتخصصة ودراساته الإحصائية بشأن قضايا الأغذية، من حيث توافرها وإتاحتها ومعدلات إنتاجها وخاصة من المصادر الزراعية والحيوانية - فضلا عن نسبة المحتاجين والمعوزين والفقراء في مختلف أقطار عالمنا ومدى تأثر شعوب هذا العالم.
وخاصة في أجزائه النامية أو المتخلفة بأنواء الطبيعة من جفاف وأعاصير وزلازل أو فشل غلاّت المحاصيل الزراعية، ناهيك عن ارتفاع أسعار هذه المحاصيل وفي مقدمتها الحبوب والبقوليات اللازمة لسد الرمق مجرد سد رمق ملايين البشر - ممن يعانون حالات من نقص الأغذية وسوء التغذية بكل ما يفضي إليه ذلك من شظف وحرمان وأمراض.
يتولى إدارة منظمة الفاو شخصية تنتمي إلى العالم الثالث هو السيد «جاك ضيوف» وقد اجتمع في إطار اليوم العالمي الذي ذكرناه مع أعضاء الوفود التي شاركت في ندوة دولية عقدت مؤخرا تحت عنوان يلخصه السؤال التالي: كيف نطعم العالم في عام 2050؟
قد يبدو السؤال طموحا أكثر من اللازم. أو قد يشكل حسب ما يسميه اللغويون الإنجليز مثلا «سؤالا بلاغيا» بمعنى أنه تساؤل مطروح لمجرد إثارة القضية وتحريك السواكن الفكرية دون أن ينتظر الإدلاء بالجواب. لكن الحقيقة في رأينا وهو ما ينبغي أن يتنبه إليه صانعو القرار وراسمو السياسات في عالمنا العربي بخاصة وعلى مستوى المنظومة الدولية بشكل عام - هو أمران:
الأول أن عام 2050 ليس بالبعيد، فلم يكد يبقى عليه سوى أربعة عقود، وهي فترة ينبغي أن تخضع موضوعيا لعمليات الإسقاط الإحصائي بمعنى وضع التوقعات ورسم السيناريوهات والتنبؤات العلمية التي لابد وأن تبنى عليها سياسات ومخططات المستقبل.
الثاني: أن العالم سبق له مع بداية هذا القرن الحادي والعشرين أن عقد قمته الشهيرة في رحاب منظمة الأمم المتحدة في نيويورك وخرج الإجماع الدولي وقتها بقائمة ثُمانية حملت العنوان التالي: الأهداف ـ الغايات الإنمائية للألفية.
وجاء في مقدمة هذه الأهداف الغايات هدف محاربة الفقر (وهو السبب الأساسي لنقص الغذاء أو الحرمان من مقاديره الكمية وجودته النوعية) وذلك بالعمل في إطار من التعاون والتآزر الدولي على الوصول بحالات الفقر في العالم إلى النصف بحلول عام 2015.
هذا الفشل العالمي
وبديهي أن العالم مازال بعيدا عن الوصول إلى هذه النسبة المنشودة بعد انقضاء ثلثي المدة التي حددها الفرقاء الدوليون في تلك القمة التي شهدت الأمم المتحدة التئام عقدها منذ 10 سنوات، فما بالك وقد حلت الأزمة الاقتصادية التي أنشبت مخالبها في خناق عالمنا منذ خريف عام 2008 ومازالت عقابيلها ماثلة حتى الآن.. فضلا عما سبقها كما هو مسجل ومعروف من ارتفاعات كانت باهظة في أسعار الأغذية على مستوى العالم بأسره.
في ضوء هذا كله جاءت مداخلة «جاك ضيوف» مؤكدة على أهمية العمل من أجل مضاعفة إنتاج الأغذية على مدار العقود الأربعة القادمة وموضحة أهمية رصد العوامل التي باتت تؤثر بشكل أو بآخر، وبدرجات متفاوتة حسب تفاوت أوضاع الدول والشعوب على زيادة استهلاك الأغذية.
ومن هذه العوامل ما يلي:
الزيادة المطردة في عدد السكان + الهجرات المتزايدة من الأرياف والبوادي إلى المدن فيما أصبح يعرف باسم «استشراء ظاهرة التحضّر» هذا فضلا عن النمو في دخول الأفراد والأسر المعيشية مما يزيد من ضراوة التنافس للحصول على مقادير أكبر ونوعيات أعلى جودة وأكثر تنوعا من المواد الغذائية.
وقد نبادر إلى القول بأنها دعوات إيجابية في حد ذاتها، وأن نحمد لأصحابها أن أطلقوها كما رأينا في مواعيد معقولة زمنيا وقوامها السنوات الأربعون المتبقية وعليك خير على انتصاف القرن الحالي.
لكن المشكلة ليست بهذه البساطة ولا هي مرهونة بداهة بحسن النوايا، ولا حتى بتبكير التنبّه والمبادرة إلى حسن التخطيط: ثمة تحديات نراها غاية في الخطورة، إلى حد الشراسة وينبغي أن تؤخذ جديا في الاعتبار.
من هذه التحديات مثلا: الدعوات التي بادرت إلى استغلال تحذيرات علماء الأيكولوجيا وسائر المهتمين بشؤون البيئة الكوكبية بشأن ارتفاع درجة حرارة الأرض وتأثيرها السلبي على أحوال المناخ وتشدد هذه الدعوات تحديدا على مساهمة أنواع الوقود الأحفوري (الفحم والنفط بالذات) في هذا التساخن الكوكبي بفعل ما يصدر عن إحراقها واستخدامها من انبعاثات كربونية.. ومن ثم ارتفعت نداءات كثيرة إلى استخراج الوقود من المصادر العضوية النباتية.. ومنها الذُرة وقصب السكر على وجه الخصوص.
هنالك التبس الحق بالباطل، واختلط الصالح السياسي بالطالح.. وامتزجت الطموحات بالأطماع.. وخاصة حين تَنَادي القوم من مستهلكي النفط في العالم الأول المتقدم بالذات إلى مواجهة منتجيه ومعظمهم من دول العالم الثالث، فكانت الدعوة إلى تكريس أنواع الوقود العضوي وأدى هذا كله إلى إخراج واستبعاد واستغلال مساحات شاسعة من الزراعات المحصولية المنتجة أصلا للغذاء.. فإذا بها تخصص لإنتاج أنواع الوقود الجديدة على حساب حرمان الملايين من سكان العالم من احتياجاتهم الحيوية من الأغذية.
تحذير من الفاو
في هذا السياق بالذات يحذر المدير العام للفاو من هذا التوسع المطرد، والمخيف أيضا في استخراج أنواع الوقود من هذه المصادر العضوية النباتية أو فلنقل الزراعية لدرجة أن هذا التوسع سوف يصل في معدله خلال السنوات العشر المقبلة إلى نسبة 90 في المائة.
ويزيد الصورة قتامة حين تواصل الفاو تحذيراتها موضحة أن عام 2050 قد يشهد نحو 370 مليون إنسان وهم يواجهون خطر نقص الأغذية إلى حد المجاعة.. فما بالك وسكان كوكبنا المهيض يقدر لهم زيادة عددية نراها رهيبة ومفعمة بالنذر السلبية من 7 .6 مليارات نسمة في العام الحالي إلى 1 .9 مليارات إنسان خلال العقود الأربعة المقبلة.
شعاع من الأمل
مع هذا كله فمازلنا نؤكد أن ثمة فرقا أساسيا بين القتامة واليأس: صحيح أنها صورة خطيرة.. لكن التنبه لأخطارها والمبادرة إلى تدابير المواجهة والتقويم والتصحيح أو العلاج يمكن أن تفيد في التخفيف من وطأة المشاكل التي يتعيّن على العالم مواجهتها.
وإذا كان يوم 16 أكتوبر الحالي، قد شهد كما قدمنا صدور تقارير منظمة «الفاو» بشأن أحوال الأغذية والزراعة في العالم بكل ما حفلت به من تحذيرات، فثمة تقرير صدر من بينها عن هيئة دولية تعمل في مجال المعونات الغذائية ومكافحة الجوع على صعيد الكرة الأرضية.
في يوم «الغذاء العالمي» أصدرت هيئة «اكشن إِيد» تقريرها المذكور لتشيد فيه بإنجازات حققها بالذات اثنان من بلدان المعمورة يضمّان قطاعات محرومة من السكان الفقراء الأول بلد من أقصى الغرب اسمه البرازيل عمد ساسته إلى دعم برامج للإصلاح الزراعي التي نفذوها لصالح صغار الفلاحين وسائر الفئات المحرومة من سكان مناطق الأرياف والغابات في طول الوطن البرازيلي وعرضه، فضلا عن إنشاء شبكة تضم مراكز تقديم الأغذية المتاحة بأيسر الشروط لصالح الفقراء.
أما البلد الثاني فيقع في أقصى شرق العالم وهو الصين التي أشاد بها أيضا هذا التقرير الدولي بعد نجاحها في إنجاز برنامج استغرق تنفيذه السنوات العشر الماضية، وأمكن من خلاله خفض حجم السكان الذين يعانون مسغبة الجوع في الصين بمقدار 58 مليون نسمة.
في كل حال، فأزمات عالمنا متشابكة. وإذا كان صحيحا أن كوكب الأرض تتربص به مشكلة التساخن بسبب انبعاثات الكربون.. فليس من الصحيح، ولا هو من العدل أن تتم مواجهة المشكلة على حساب ملايين من البشر الذين ينتظرهم شبح الجوع.
إضاءة
المسألة ليست مجرد حرمان من اللقمة إلى حد المعاناة من الجوع، بقدر ما أنها باب بالغ الخطورة يفضي إلى العنف والجريمة بكل أشكالها في العالم، وخاصة الدول الجائعة. وهاتان الآفتان تتعارضان بالطبع مع الهدف الأسمى الذي قصد إليه العالم عندما نفض يده من كارثة الحرب العالمية وعمد إلى إنشاء منظمة الفاو منذ ما يقرب من 65 عاما، من أجل محاربة الجوع.
محمد الخولي

