أجمع محللون وباحثون سعوديون على عدم وجود ضمانات كافية تكفل العودة النهائية لتلك العقول والكفاءات المهاجرة للاستقرار في أوطانها، كما أكدوا أن قنوات التواصل معهم ضعيفة وتفتقر إلى المنهجية بسبب عدم دقة البيانات والإحصائيات المتوفرة عنهم في أوطانهم الأم، محذرين من هجرة الأدمغة العربية تعتبر تشتيتا للجهود والطاقات الإنتاجية والعلمية والمالية للدول العربية التي ينتمون إليها والتي أنفقت في تعليمهم وتدريبهم الكثير.
وقال المحلل السياسي على عبدالرحمن العطية ان العقول العربية والإسلامية التي هاجرت إلى الغرب لم تجد المناخ المناسب والحرية والإمكانيات التي تجعلها تمارس إبداعها بشكل جيد في بلدانها ما يضطرها للاغتراب، فكثير من المفكرين في الدراسات الإنسانية والعلوم البحثية والتطبيقية وعلم الفلك وغيرها من العلوم هم الآن موجودون خارج العالم الإسلامي. والهدف من استقطاب الدول الغربية لها، الظفر بعلومهم وتسخيرها لخدمة مصالحها واستخدام أساليب جديدة تجعلها بعيدة عن بيئاتها حتى لا تتم الاستفادة منها. وأضاف: «هجرة الأدمغة العربية للخارج تبدأ من المرحلة الجامعية وما بعدها في معظم الحالات حيث يهاجر الطلاب والباحثون إلى الدراسة والحصول على الدرجات العلمية العليا كالماجستير والدكتوراه في الجامعات الغربية ولا يعودون إلى أوطانهم، إذ تتهيأ لهم فرص الحصول على جنسياتها والرواتب المغرية وبيئة العمل الجاذبة».
ومن جهته، أكد الباحث الاجتماعي دكتور فيصل العاني على عدم وجود ضمانات كافية تكفل العودة النهائية للعقول والكفاءات العربية المهاجرة للاستقرار في أوطانها على الأقل في الوقت الحالي والمستقبل القريب لعدم وجود بنية تحتية للبحث العلمي في أوطانهم الأم وضعف إمكانات البحث العلمي وعدم توفر مناخ البحث العلمي وضعف التمويل للأبحاث العلمية وضعف رواتب هذه الكفاءات في حال عودتها إلى أوطانها، إلى جانب البيروقراطية المدمرة لطموحاتهم العلمية والبحثية. وأضاف أن هجرة العقول العربية والإسلامية إلى الخارج تمثل هاجسا حقيقيا للكثير من الدول العربية والإسلامية المدركة لخطورة هذه الهجرات ومدى إضرارها باقتصادها القومي وعلى مستقبلها ونموها العام لأن عجلة النمو والتطور في شتى المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ستظل بطيئة ومتعسرة طالما أنها تفتقد إلى الأدمغة المبدعة التي تحركها.
وقال الكاتب الاقتصادي منيف الحربي ان على الدول العربية والإسلامية أن تضع استراتيجيات وخططا فعالة للتواصل مع العقول والخبرات العربية المهاجرة لحثهم على العودة إلى أوطانهم، أو المشاركة في برامج الإنماء الوطنية والعربية، ولكنه أشار إلى أن ذلك يتطلب في البدء خلق وإيجاد هذه البرامج والمشاريع وتهيئة البيئة العلمية والبحثية وتوفير الإمكانات المادية والمالية لهذه الكفاءات.
وقال «كان على الدول العربية أن تنتهز الظروف الصعبة التي واجهت المغتربين العرب في الولايات المتحدة من ذوي الكفاءات العالية نتيجة أحداث 11 سبتمبر لدعوة هذه الكفاءات للعودة إلى أوطانها للعمل في مؤسساتها العلمية والبحثية والإنتاجية».
وترتبط هجرة العقول العربية إلى الخارج كذلك بضعف الإنفاق العربي على البحث العلمي بالنسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي والذي لم تتجاوز 5 .0% في الأقطار العربية كافة لعام 1992م، وهي نسبة ضئيلة عند مقارنتها بمثيلاتها في السويد، وفرنسا حيث بلغت 9 .2%، و7 .2% على التوالي.
وفي عام 1999م كانت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في مصر 4 .0%، وفي الأردن 33 .0%، وفي المغرب 2 .0%، وفي كل من سوريا، ولبنان، وتونس 1 .0% من إجمالي الناتج القومي، وتؤكد ذلك إحصاءات منظمة اليونسكو لعام 1999م.
في السياق حذر تقرير أعدّته جامعة الدول العربية من تنامي ظاهرة هجرة النخبة من الكفاءات والأدمغة العربية للعمل خارج أوطانها، حيث يقدّر تعداد العلماء والأطباء والمهندسين من ذوي الكفاءات العالية الذين يعيشون خارج أوطانهم ب450 ألفاً.
كما كشفت دراسة صادرة عن مركز «الخليج للدراسات الإستراتيجية» أن حوالي 70 ألفاً من خريجي الجامعات العرب يهاجرون سنوياً للبحث عن فرص عمل في الخارج، و54% من الطلاب العرب الذين يدرسون في الخارج، لا يعودون إلى أوطانهم بعد انتهاء سنوات دراستهم.
ووفقاً للإحصاءات فإن الوطن العربي يسهم بـ 31 من الكفاءات بالدول النامية، حيث يهاجر 50% من الأطباء و23 من المهندسين و15% من العلماء من مجموع الكفاءات إلى أوروبا والولايات المتحدة وكندا بوجه خاص. وفي مؤتمر نظمه مركز بحوث الدول النامية بجامعة القاهرة أثبت أن الولايات المتحدة تفوز بالنصيب الأكبر من الكفاءات والعقول العربية بنسبة تصل إلى 39% تليها كندا 13 .3% ثم إسبانيا بنسبة 5 .1%.
وخطورة الأمر تتجلى في أن عدداً من هؤلاء يعملون في أهم التخصصات الدقيقة والإستراتيجية مثل الجراحات النادرة، والطب النووي والعلاج بالإشعاع والهندسة الإلكترونية والمايكرو إلكترونية، والهندسة النووية، وعلوم الليزر، وتكنولوجيا الأنسجة والفيزياء النووية وعلوم الفضاء والميكروبيولوجيا والهندسة الوراثية، كل ذلك بالإضافة إلى التخصصات العلمية المتميزة في العلوم الإنسانية كاقتصادات السوق والعلاقات الدولية.


