يجتمع قادة العالم الكبير كل عام في نهاية يناير ومنذ ثلاثين سنة في «دافوس» بسويسرا. يناقشون أوضاع العالم. ولم تكن للتصريحات العلنية أية فاعلية على الأرض، لكن الهام هو ما يجري أثناء الجلسات المغلقة التي لا يحضرها سوى المسموح لهم من أصحاب القرار أو ممثليهم على مستويات الدول والمجموعات الصناعية الكبرى. وينقل مؤلف الكتاب مضمون جلسة كان قد حضرها عبر «مغافلة» الحارس وحضرها 8 وزراء من بلدان قمة الدول الصناعية الثماني.

عُرضت فيها «سيناريوهات» جرى تخيّلها لاعتداءات «إرهابية» استهدفت مضيق البوسفور المقابل لمدينة اسطنبول ومضيق هرمز ومحطات بترولية وسفن نقل بترول تابعة للشركات الدولية الكبرى. وطُلب من الحضور رأيهم وشرح ردود أفعالهم. اتفق الجميع تقريبا على أن مصدر الخوف الحقيقي على البترول ليس من طبيعة جيوسياسية ولكن خوف جيولوجي خاص بمعرفة ما يحتويه جوف الأرض من احتياطي نفطي وخوف مناخي بسبب سخونة الأرض. أقر الجميع بوجود قلق حيال غياب ضمان أمن الطاقة، وحيث ان حفنة من القراصنة تثير ذعر الغرب، ناهيك عن الخوف من حروب النفط والغاز.

في كل عام منذ ثلاثين سنة يضرب سادة العالم موعدا لهم في نهاية شهر يناير للقاء في منتجع «دافوس» السويسري الشتوي. وموضوع حديثهم المستمر هو حالة العالم الذي نعيش عليه جميعا. وإذا كان التشخيص الإجمالي يدل على أن مصادر الألم المحيقة بالعالم ليست قليلة بفعل صدمة العولمة مؤخرا..لكن لا يبدو أن هناك، حتى الآن، علاجا ناجعا. ففي «دافوس» لا يتحدث الكبار سوى عن السبيل الليبرالي. وهذا وما يواجهه مناهضو العولمة بالاحتجاج مما اضطر السلطات السويسرية إلى فرض إجراءات أمنية متشددة بحيث لا يُقلق المتظاهرون راحة المساهمين الكبار في لقاء «دافوس».

لكن هذا لا يمنع المجتمعين كل سنة في دافوس من الحديث عن ضرورة إزالة الفقر في العالم وضرورة مكافحة المرض والأوبئة وعلى رأسها مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» المنتشر إلى درجة كبيرة في القارة الإفريقية. ولا يمنع هذا أيضاً من دعوة فرق موسيقية ومغنّين كبار. بل وشوهدت مؤخرا الممثلة الأميركية الشقراء شارون ستون وسط حشد القادة في دافوس. وبالطبع ينتقل كل عام عدة مئات من صحافيي العالم لتغطية «الحدث». هذا في الوقت الذي يرى فيه مؤلف الكتاب أنه وإطلاق صفة «الحدث» على لقاء دافوس.. لا شيء هاما يجري هناك. على الأقل لا شيء يجري هناك «رسميا». فبعيدا عن البلاغات اللفظية أثناء الجلسات العامة المفتوحة يتم طرح الرهانات الحقيقية في جلسات العمل المغلقة بعيدا عن أنظار وسمع أولئك الذين يملكون حق الدخول إليها. ذلك مثل تلك الجلسة التي شهدها شهر يناير2007 المكرّسة لدراسة ردود أفعال المشاركين فيها على اعتداءات «إرهابية» متزامنة تستهدف طرق التزوّد بالبترول. اعتداءات «من صنع الخيال» ولكن جرت دعوة الحضور للإجابة عليها.

البوسفور وهرمز

يصف مؤلف الكتاب تلك الجلسة التي حضرها ب»مغافلة» الحارس، أنها جمعت وزراء من حكومات قمة الدول الثماني المصنّعة الكبرى واستراتيجيين مقرّبين من إدارة الرئيس الأميركي بوش ورؤساء الشركات البترولية العالمية الكبرى. وكان بيد كل منهم قلم ودفتر. وفجأة ظهر على الشاشة ما يدل على أن هجوما إرهابيا استهدف بنفس الوقت ثلاث مناطق.

ضرب الهجوم الأول مضيق البوسفور مقابل اسطنبول التي بدت مهددة من نيران ناقلات النفط المشتعلة قريبا منها. ذلك أن هذا المضيق يشهد يوميا مرور عدة ملايين من براميل النفط الخام القادمة من سيبيريا خاصة، والموجهة إلى أوروبا بشكل رئيسي والتي ستعاني بالتالي سريعا من نقص الذهب الأسود.

وهجوم «خيالي» آخر.. نسف بنفس الوقت «رأس التنورة» في الخليج بواسطة عدة مئات كيلوغرام من مادة ال«تي.ان.تي» المتفجرة. هذا يعني فقدان 6 ملايين برميل من النفط، اختفت فجأة من السوق العالمي. وهجوم ثالث استهدف إحدى المحطات البترولية التابعة لشركة اكسون موبيل في الاسكا، وناقلة بترول أخرى جرى استهدافها في مضيق هرمز.

والنتيجة هي هزة عميقة فورية للاقتصاد الدولي وارتفاع سعر البرميل خلال عدة دقائق فقط ثلاثة أضعاف سعره. كذلك انهيار البورصات المالية الرئيسية في العالم في زحمة الأحداث الجارية.

السيطرة على السيناريو

ومع مشاهدة تلك الأحداث «المتخيّلة» وجّه مدير الجلسة، للحضور من أقوياء العالم وممثلي الأقوياء السؤال التالي: «ماذا تفعلون أمام مثل هذه الأحداث«؟.

وخلال نقاشات استمرت ثلاث ساعات.. اكتشف المؤلف أن «الخبراء» الذين يملكون مصير العالم بين أيديهم موزعين بين المتفائلين جدا، والذين لا يرون للأحداث المعروضة عليهم نتائج كبيرة. وأجمعوا كلهم تقريبا على أن «السيناريو» المعروض تمكن السيطرة عليه تماما، كما أمكن السيطرة سابقا على الصدمات البترولية. هذا إلى جانب التأكيد أن «الاقتصاد الدولي هو سفينة متينة إلى درجة أنها تعرف دائما كيف تجد برّ الأمان».

وأكد المعلقون من الحضور بصوت واحد تقريبا أن المسألة الجيوسياسية (الجيوبوليتيكية) ليست سوى المكوّن الثالث في ثلاثية المخاطر المتعلقة بالذهب الأسود. الخوف الجيولوجي أولا، أي الحالة الحقيقية للاحتياطات النفطية العالمية، والخوف المناخي ثانيا، أي كمية الغازات المؤذية للبيئة وللجو. بل وحسم «دانييل بيرجس»، أحد الأكثر نفوذا في مجموعات الضغط «لوبي» الصناعة البترولية الأميركية منذ عقدين من الزمن والذي يطلب استشاراته قادة واشنطن من ديمقراطيين وجمهوريين، حسم الأمر بالقول ان الخوف الجيوسياسي ليس سوى «الرغوة من أجل تلهية الرأي العام».

العرض والطلب

وينقل المؤلف عن «دانييل بيرجن» قوله: «إن الشخصيتين الأكثر أهمية في مسيرة البترول هما دائما: العرض والطلب. وألاحظ أن آليات المنظومة العالمية للطاقة هي صلبة إلى درجة يمكنها معها أن تقاوم الصدمات القادمة. ثم إن الوضع لم يعد نفسه كالذي كان خلال سنوات السبعينات حيث كمنت اللعبة فقط في المراقبة الدقيقة للمناخ السياسي في الشرق الأوسط.

وكل شيء هو اليوم أكثر تعقيدا وأكثر تكاملا. وبهذا المعنى يمكن اعتبار إعصاري كاترينا ورينا في خريف عام 2005 بخليج المكسيك في الولايات المتحدة الأميركية أنهما يمثلان أزمة الطاقة الشاملة الأولى فيما يتعلق بالمنظومة المعنية. لقد لحقت أضرار متزامنة بقدرات إنتاج البترول والغاز وبالمصافي ووحدات إنتاج الكهرباء.

لقد جرى تدميرها أو تعطيلها لأشهر طويلة. وأعلن كُثر يومها الأسوأ، الانهيار العام، لكن المنظومة صمدت، وإدارة مسألة الطاقة بعد كاترينا أثبتت أننا مستعدون للإجابة على كوارث كبرى». وما جاء في هذا القول وجد صداه في ردود أفعال رؤساء الشركات البترولية الأخرى الحاضرين في تلك الجلسة.

وجرى طرح السؤال: ماذا سيكون عليه الوضع مع ذلك إذا غامرت إيران بسحب 7,6 ملايين برميل يومياً من السوق من أجل تغطية هربها إلى الأمام فيما يخص الملف النووي؟

وقد أجاب الأمين العام لمنظمة «الأوبك»، النيجيري الجنسية، الذي كان حاضرا الجلسة بالقول: «ليس هناك مشكلة. إذا أوقفت إيران إنتاجها فسوف نضخّ أكثر».

أكثر الممرات حيوية

ويعلق المؤلف على هذا بالقول انه إذا كانت جميع المضائق هي ذات طابع استراتيجي بالتعريف، فإن المضيق الذي يفصل بين الخليج وبحر عُمان يبلور وحده جميع أشكال الخوف الجيوسياسية. فعبر هذا الممر البحري يمر كل يوم أكثر من 20 مليون برميل من النفط، أي حوالي ربع الإنتاج العالمي. وبالتفصيل أكثر أن ثمن النفط الخام المستهلك في الولايات المتحدة يمر عبر مضيق هرمز وربع المستهلك في أوروبا وثلثي استهلاك اليابان.

وهذا يعني أنه ليس هناك أي أحمق يمكن أن يؤكد في حالة توجيه إنذار عسكري «فعلي» لإيران وقيامها برد بحري مضيق هرمز، أن يصبح اليابانيون شعب من المشاة بين ليلة وضحاها. وليس من المدهش في هذه الحالة أن يفهم المجاورون للمضيق الفائدة الكبرى التي يمكن أن يجنوها من موقعهم الاستراتيجي.

كان لمضيق هرمز أهميته الكبيرة على صعيد النقل البحري منذ الأزمنة القديمة، بل ومنذ أن استخدمته الإمبراطورية السومرية للتجارة، وأنه كان أحد ممرات تجارة التوابل، بين القرن السابع والقرن الثامن وأحد مصادر ثراء مملكة عُمان آنذاك وزادت فائدة عندما أصبحت إمبراطورية شاسعة ما بين القرنين السابع عشر والثامن عشر وضمّت إلى ممتلكاتها زنجبار وبالوشستان، ونافست البرتغاليين والبريطانيين من أجل السيطرة على جزء استراتيجي من طريق الهند. لكن رغم تلك الأهمية التاريخية فإنه لم يكن آنذاك، كما هو الآن، أي الوريد الرئيسي في المنظومة العالمية للطاقة.

يذكّر المؤلف أن الصدمتين البتروليتين لعام 1973 ثم لعام 1979 سمحتا بإدراك من أن مضيق هرمز لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة لبقاء اقتصاد عالمي متعطش للمحروقات. لقد مرّ الزمن لكن المضيق لم يصبح «مؤمّنا» حتى الآن. إن التهديد حقيقي، لكن الغربيين يطمئنون أنفسهم بالقول ان طهران قد تطلق النار على نفسها إذا أغلقت البوابة الوحيدة التي تسمح لها بتصدير براميل البترول التي تنتجها، وبالتالي تهدد بقاء نظامها نفسه.

وسواس غياب الأمن

إن أشكال غياب الأمن على صعيد ميدان الطاقة والعائدة لأسباب تتعلق بالجغرافيا كما بالمواقف التي تتخذها القوى الرئيسية الفاعلة في حروب الطاقة الجارية، ترمي بثقلها أكثر فأكثر فيما يتعلق بضمان التزود بالذهب الأسود وبالغاز الطبيعي أيضا. وليس غريبا في هذا السياق أن تغدو مسألة الأمن على صعيد الطاقة، وبنفس الوقت وجهها الآخر أي غياب الأمن، من المواضيع التي تتكرر باستمرار في القاموس الدبلوماسي السائد. ويكفي أن يقوم القراصنة الصوماليون بزرع الفوضى في المياه الإقليمية لخليج عدن أو عند سدود مضيق باب المندب حتى يصاب الغرب كله بالخوف والذعر.

وهناك مثال آخر على خوف الغرب يحدده المؤلف ب»حروب الغاز» المتكررة بين روسيا وأوكرانيا. وأثناء كل هبة للتوتر بين هذين الجارين السلافيين اللذين تتسم علاقاتهما بقدر كبير من التعقيد، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه على الخط الأول من الجبهة.

وبشكل عام يركز مؤلف هذا الكتاب على القول ان إحدى نتائج الثراء الذي عرفته بعض البلدان غير الديمقراطية هو أنها رفعت من صوتها بوجه الغرب، وينقل عن الاقتصادي الأميركي المعروف توماس فريدمان تأكيده، بناء على معطيات حسابية، أن البلدان التي تمتلك احتياطات نفطية تميل إلى دفع أنظمتها نحو التشدد بمقدار ما تتدفق أموال الذهب الأسود إلى خزائنها، وحيث كان يتم تأكيد العكس حتى الآن. ذلك أن تحول بلد فقير إلى بلد صاعد يُفترض منه أن يشجع من خلال استثمار ثروته على الانفتاح «نظريا» وليس الانغلاق.

أحد أوجه التشدد يحددها المؤلف بتنامي النزعات القومية وبحيث يتم استخدام البترول من قبل السلطات القائمة لزيادة اللحمة حولها عبر توزيع جزء من الريع كمساعدات على الفقراء. والمثال المقدّم على ذلك هو الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز.. وعبر التشديد على الأمن الداخلي مثلما هو الحال في كازاخستان وأنغولا. وبكل الحالات تتم الدعوة باسم الانتماء القومي، إلى استثمار مصادر الطاقة «وطنيا»، مما يعني «استبعاد» القوى الأجنبية.

وفي الوقت الراهن هناك بالكاد عشر الاحتياطات العالمية البترولية تخضع للرقابة المباشرة للشركات الخاصة التي لها وجود في بورصات نيويورك أو لندن أو باريس. أما الباقي فهو تحت رقابة حكومات تعرف قدرة الأذى الذي يمكن أن يسببه هذا السلاح الفريد في اللعبة العالمية الكبرى لحروب الطاقة.

المؤلف في سطور

سيرج اندرلان، مؤلف هذا الكتاب، هو صحافي فرنسي أنجز العديد من التحقيقات التي أعطته مكانة متميّزة في مجال عمله. أولى اهتمامه بالدرجة الأولى منذ البداية للمسائل المتعلقة بالطاقة واستراتيجياتها على الصعيد العالمي. هكذا جاب العديد من مناطق العالم من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية لإجراء تحقيقات عن واقع الطاقة. وجدت أعماله اهتماما لدى العديد من وسائل الإعلام الأوروبية المكتوبة والمرئية. سبق له وقدّم كتاباً تحت عنوان «عالم من النفط، على طريق الذهب الأسود».

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: سويل ـ باريس ـ 2009