تسارع الحكومة الجزائرية الخطى منذ اندلاع «هبة» الآلاف من فقراء العاصمة ومواجهاتهم مع عناصر شرطة مكافحة الشغب الأحد الماضي في حي ديار الشمس، للملمة الوضع وإيجاد طريقة لاحتواء الأزمة مخافة أن تنتقل العدوى إلى الأحياء الفقيرة الأخرى وهي كثيرة.

ونزل مسؤولون من ولاية العاصمة ومن بلدية المدنية التي ينتمي إليها الحي لإطفاء الحريق وتهدئة الخواطر، لكن الوضع لا يزال على حاله متأزما ولم يهدأ. وقوى الأمن لا تزال عاجزة عن اقتحام الحي بفعل التضامن التام بين كل مكوناته.

وفوجئت قوات مكافحة الشغب حين حاولت أول من أمس دخول الحي لمطاردة المحتجين بالنساء يقذفنهن من الشرفات بالزجاجات و بالماء الحارق وحتى الزهريات والاواني المنزلية لمنعهم من الدخول، واضطر رجال الشرطة الى التراجع. وقال أحدهم: «بدأنا محاولة الاقتحام لكننا توقفنا وألغينا هذا الاحتمال من مخططنا لما رأينا أن ذلك غير ممكن».

أعطونا مسكناً

والتف سكان حي ديار الشمس منذ بداية حركة الاحتجاج حول نواة صلبة من الشباب حددوا الأهداف وقرروا أن لا يتوقفوا حتى تحقيق مطالبهم في السكن خاصة.

وقال الشاب الجزائري مراد الذي أصيب بنوبة حادة جراء العدد الكبير من القنابل المسيلة للدموع التي قذفت بها الشرطة الى داخل الحي: «نسكن حجرتين منذ كان عدد الأسرة ثلاثة ونحن الآن 11. وقدمنا ملفات منذ سنوات للبلدية والولاية للحصول على شقة توسع علينا ضيقنا لكنهم نسونا كما نسوا جميع سكان الحي... لقد مر مليون مسكن يقولون ان بوتفليقة بناها خلال الفترة الرئاسية الماضية دون أن نستفيد، و إن لم نتحرك سيمر مليون سكن آخر قالوا إن بوتفليقة سيبنيها الى غاية نهاية فترة رئاسته الثالثة ولن نستفيد... الجميع هنا يشعر بالخيبة لأن الدولة استثنتنا من حساباتها».

أما زهرة وهي معلمة ولدت في الحي منذ 29 عاما فقالت إنه «في كل مرة ننتظر بفارغ الصبر قوائم المستفيدين من السكن علنا نكون منهم، لكن في كل مرة تخيب الآمال، فمن أين جاء هؤلاء الذين يسبقوننا للحصول على المفاتيح في كل مرة ونحن من طالبنا بالسكن منذ أزيد من عقد من الزمن... كم من مسكن بنته الدولة خلال هذا العقد؟ ألم يحن دورنا؟.. ألم يقولوا بأنهم بنوا مليون مسكن؟».

وطرحت زهرة أسئلة أخرى كثيرة طرحتها وتريد أن يعلم بها الجميع لتوضيح أسباب الغضب العنيف لأبناء حيها. وتحدث رجل في العقد السادس من العمر طلب من «البيان» عدم نشر اسمه أن «هذا الحي مقبرة وسكانه كالأموات.. انظروا نحن على مرمى حجر من مقر رئاسة الجمهورية ومن وزارات عديدة ولا أحد فكر فينا منذ الاستقلال... لقد عشت هنا طول حياتي ولا أعرف مكانا آخر... معظم الناس يزيدون بيوتا بالصفيح الى جانب العمارات من شدة ضيق الشقق... معظم الناس حولوا المطابخ الى غرف للنوم و حولوا الشرفات الى مطابخ ومنهم من يطبخ عند الباب الخارجي... صدقوا نحن في جحيم.

وما كان السكان ليثوروا لو كانت لديهم أدنى ظروف العيش الكريم... ناس الحكومة نراهم فقط في الحملات الانتخابية وهم يتسولون بحثا عن أصوات يزكون بها مناصبهم، وما عدا أوقات الحملات الانتخابية فإن الدولة لا تحضر عندنا إلا من خلال دوريات الشرطة». وقال أيضا: «طفح الكيل ولم يعد الناس قادرين على الانتظار... نحن نعاني يا ناس في كل لحظة ومعظم الشباب فقير وعاطل عن العمل ويحجب ضباب أسود كثيف بينة وبين مستقبله. لو يفتح المجال فقط للأمل وتشرع السلطات في الاعتناء وتقديم وعود حقيقية ليس كالوعود الانتخابية المزيفة بتوفير السكن للمحتاجين والعمل للعاطلين».

ويتهم الكثيرون المسؤولين بأنهم وزعوا المساكن على نساء لدوافع مشبوهة، وطالبوا بإعادة النظر في القائمة وبإجراء تحقيق مستقل لفضح المتورطين.

تصريح أجج الوضع

وفي المقابل، يتهم رئيس بلدية المدنية عبدالرزاق موفق الغاضبين بافتعال المشكلة. ويقول إن بعض السكان يريدون بناء سكنات قصديرية في ساحة لعب في الحي وأن البلدية منعتهم من ذلك وهو ما حرك الاحتجاج و«ركب الموجة كل من أحس بالظلم أو أراد أن ينظم إلى قائمة المحتاجين لسكن». وأكد على أن بلدية المدنية يوجد بها كثير من المحتاجين وليس في هذا الحي وحده كون معظم المساكن بها قديمة وبها كثير من العائلات تقيم في مساكن غير لائقة من القصب والصفيح.

والدولة تسعى لإنهاء مشكلة هؤلاء لكن لابد من الوقت الكافي لذلك. لكن تصريح رئيس البلدية إلى الصحافة لم يفرز غير زيادة الوضع تأجيجاً، والسكان نقمة وتصلبا في مواقفهم. وأقسم الجميع بأنه لن يحصل على أي صوت من حي ديار الشمس في الانتخابات المقبلة. واتهمه الكثيرون بالكذب لأن مكتبه لم يكن يوما مفتوحا للمواطنين كما يدعي.

محتشد العار

ولئن كان العامل المباشر لهذه الأحداث التي خلفت عشرات الجرحى في صفوف السكان وقوى الامن هو إعلان قائمة توزيع المساكن لم تتضمن من يعتقدون بأنهم الأحق والأسبق فإن وراء الغضب عوامل متراكمة كثيرة. فحي ديار الشمس هذا لا يحمل من الشمس إلا الاسم، فهو يجمع كل عيوب الدنيا ويحتضن جزائريين ظلوا بعد الاستقلال كما كانوا زمن الاستعمار مواطنين من الدرجة الدنيا على حد تعبير أحدهم، فقد أمر ببنائه الجنرال شارل ديغول بعد اعتلائه سدة الحكم في فرنسا العام 1958 كما أمر ببناء مئات من الأحياء مثله في مختلف مدن الجزائر ضمن خطة سميت: «مشروع قسنطينة» تضمنت أيضا منح الجنسية الفرنسية للجميع وتوظيف عدد كبير من السكان في الإدارة (الحكومة) والجيش ومختلف أسلاك الأمن.

وكان الغرض من تلك الخطة كسب ود عامة الجزائريين وعزل الثوار الذين وصلوا بالكفاح المسلح التحرري الى ذروته واقتربوا من هزم جيش فرنسا وتحقيق الاستقلال.

لكن تلك العمارات بنيت على عجل ولا يتوفر معظمها على الوسائل الضرورية فهي كانت استجابة لحاجة سياسية أكثر منها نتاج معالجة اجتماعية لمشاكل السكان. في ديار الشمس وفي أحياء الصفيح وهي أحزمة بؤس عملاقة تتوسع بلا توقف حول المدن الكبرى ينمو حقد لا يضاهيه حقد.

فأحد الأساتذة من عاشوا في الحي وخالطوا أهله يقول إن «الناس تسمع ببناء مئات الآلاف من الشقق السكنية بالمال العام و تشاهد قصورا تنبت في مناطق محمية للمسؤولين ورجال المال ويسمعون عن رفع أجور نواب البرلمان إلى أزيد من ثلاثين مرة الأجر الادنى المعمول به الذي يتمنى كثير من سكان تلك الأحياء بلوغه على اعتبار أن معظم الشباب هناك بطّالون يحلمون بمنصب شغل... كل هذا وهم لا يجدون مكانا ينامون فيه ويحرمون حتى من وضع وضح بيت صفيح تحت عمارة مكتظة فاضت بعدما امتلأت بحملة شقاء وبؤساً».

وحذر من أن ينفلت الوضع ويسقط القتلى وعندها لن يسلم أحد من نار تلهب مدينة الجزائر كلها كما حدث في أكتوبر 1988 حين صار رجل الامن يختبئ بثياب مدنية خوفا من مراهقين وشباب احتلوا مراكز الشرطة ومقار الحزب الحاكم والمساحات التجارية الكبرى وحولوها إلى خراب أبكى حتى رئيس الجمهورية وقتها الشاذلي بن جديد.

الجزائر - «البيان»