برزت كندا في الفترة الأخيرة كأحد عمالقة النفط على المسرح الدولي للطاقة. ذلك إثر اكتشاف كميات هائلة منه في منطقة «البيرتا» التي تثير شهية المجموعات البترولية العالمية الكبرى، خاصة الأميركية منها.

ويتفق الخبراء أن كلفة استخراج النفط الكندي عالية اقتصاديا بسبب اختلاطه مع الرمال والزفت. وآثاره السلبية على البيئة ستكون كبيرة. لكن الأميركيين يرون فيه نعمة كبيرة باعتباره مصدر طاقة قريب وصديق في فترة زادت خلالها حدّة «الحرب العالمية» للتزوّد بالنفط خلال السنوات الثماني لإدارة جورج دبليو بوش، وبروز قوى جديدة للمنافسة عليه في مقدمتها الصين «الشرهة» للاستهلاك النفطي كنتيجة لصعودها الاقتصادي.

ويبقى السؤال الأكبر هو معرفة «عمر النفط». إن مجموعة من الخبراء والباحثين في الشأن النفطي أسسوا جمعية لهم والتقوا عام 2007 في إيطاليا حيث أكدوا أن فترة «العطش الكبير» للبترول قد بدأت، وأن ذروة إنتاجه غدت وشيكة كي تبدأ مسيرته على السفح «المنحدر».

التحسن المستمر لتقنيات استخراج النفط الخام سيؤدي إلى تخفيض الكلفة الباهظة لعمليات التنقيب والحفر الجديدة. وهذا ما قد يؤدي إلى تسريع واتساع استثمار بترول منطقة البيرتا الكندية.

وتدل معلومات الكنديين الرسمية وتقارير خبراء الوكالة الدولية للطاقة أن البترول المسمّى «غير التقليدي» الموجود في منطقة البيرتا الكندية يمثل ثاني احتياطي عالمي للنفط الخام (170 مليار برميل) بعد احتياطي المملكة العربية السعودية (261 مليار برميل).

ويُفترض أن تضاعف كندا في أفق عام 2015 إنتاجها الحالي من البترول والبالغ 2 مليون برميل يوميا. هذا سوف يجعلها في عداد المنتجين الكبار للنفط بمنطقة الخليج وروسيا. وهذا المنظور يعني بكل بساطة بروز عملاق جديد على المسرح الدولي للطاقة.

نعمة من السماء

لا شك أن بترول منطقة البيرتا الكندية يثير اهتمام الشركات البترولية الكبرى، وخاصة الأميركية منها، والتي بدأت بتحويل مدن منطقة البيرتا بما يليق مع ثروتها في باطن الأرض.. وبدأ سكان المنطقة أنفسهم يتحدثون عنها وكأنها «تكساس جديدة».

لكن مثل هذه النظرة لا تلقى الإجماع، بل وهناك من يرى أن استثمار بترول البيرتا سيكون أحد أخطر الجرائم المرتكبة بحق البيئة في السياق الراهن. ويتم تقديم العديد من البراهين على أن ذلك يعود لطبيعة بترول هذه المنطقة واختلاطه مع الرمال والزفت مما يتطلب عدة معالجات كيميائية.

ورغم كل شيء.. يشكل هذا البترول بالنسبة للأميركيين نعمة من السماء. فهاهو يلوح في الأفق بترول قريب وبترول صديق يكفي تجاوز الحدود للوصول إليه. وهذا أمر جيد بالنسبة لأميركا، وجيد بالنسبة ل«الأمن حيال الطاقة» والتي يمثل أحد «الهموم الإستراتيجية الدائمة» للبيت الأبيض. هذا خاصة في سياق حدة عنف «الحرب العالمية للتزود بالذهب الأسود» خلال السنوات الثماني لإدارة جورج دبليو بوش.

وإذا كانت منطقة الشرق الأوسط تعاني من قدر من غياب الاستقرار، فإن هذه الحالة زادت بعد غزو العراق الفاشل عام 2003. وسوف تستمر الحالة بعد الانسحاب التدريجي للقوات الأميركية من العراق حسبما قرر الرئيس الجديد باراك أوباما بعد وصوله إلى البيت الأبيض.

الصين على الخط

ولم يعد يخفى على أحد أن الصين دخلت في منافسة دولية صريحة من أجل السيطرة على موارد الطاقة. ويُشاهد مبعوثوها في كل مكان، في إفريقيا وفنزويلا والشرق الأوسط. بل ووصلوا إلى كندا حيث يؤكّدون أنهم يمكن أن يكونوا شركاء جيدين للكنديين. ومن الواضح أن النمو الاقتصادي الصيني يحمل في طياته تهديدا بالنسبة لتفوّق الإمبراطورية الأميركية التي تقيم أحد ركائزها الأساسية على الوصول للطاقة بسعر زهيد. هكذا وبفضل نفط منطقة البيرتا ستزيد مجموعة الضغط.. اللوبي.. في واشنطن من نفوذها وستعمل بنفس الوقت بطريقة أكثر «تحفظا» في ظل إدارة أوباما.

إن الشركات البترولية في هيوستن وتكساس وجدت في البيرتا أناسا يشبهونها. ذلك أن رؤية العالم عند الجميع يتم التعبير عنها بلغة «عدد البراميل المنتجة في اليوم». وعبر هذه الرؤية يستطيع سكان «البيرتا» الذين عوملوا سابقا باحتقار كبير من قبل أغنياء مونريال وتورنتو أن يأخذوا «ثأرهم» فهم الآن الأكثر ثراء بين الكنديين. لقد غيّر البترول المعطيات خلال عدة سنوات فقط.

وفي مطلع عام 2006 تلقّى سكان مقاطعة «البيرتا» مفاجأة كبيرة عندما وجدوا ذات صباح في علب بريدهم رسالة من مصلحة الضرائب. لقد دسّت وزارة المالية في الظرف «شيكا» استثنائيا بعدة مئات الدولارات يحمل اسم دافع الضرائب نتيجة للفائض في الميزانية.

تكلفة عالية جداً

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن الرمال المخلّطة بالزفت في منطقة البيرتا هي ذات دلالة كبيرة على حقبة «الهيدروكربورات» الذي يصعب على الناس تركها حاليا. إن كلفة استخراج برميل نفط من هذه المنطقة تبلغ 40 دولارا مقابل 3 دولار فقط في السعودية.

حيث يوجد النفط الخام على عمق غير كبير. هذا معناه أن بيع البرميل بمبلغ 147 دولارا كما كان الأمر خلال شهر يوليو من عام 2008 يعني تحقيق ربح كبير للكنديين، لكن بيعه بسعر أقل من 40 دولارا للبرميل، كما في شهر يناير2009 يعني أنه لم يعد مربحا. وتشير التقديرات التي يتفق حولها الخبراء تقريبا على أن سعر الحد الأدنى المجدي لتغطية نفقات الاستثمار هو 70 دولاراً.

هذه النفقات كبيرة من أجل الحصول على النفط الخام من رمال البيرتا الزفتية وتضم كلفة الحاويات العملاقة التي تستهلك 4000 لتر وقود في الساعة، وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي لتشغيل المنشآت الصناعية التي تحوّل إلقاء الثقيل إلى نفط خام خفيف جيد. وبالإجمال يتطلّب إنتاج برميلين من النفط الخام في البيرتا حرق ما يعادل برميل واحد، هذا دون حساب الخمسة براميل من الماء.

وفي كندا أيضاً بدأت تظهر بعض «فوائد» سخونة الأرض عبر ذوبان الجليد في مناطق القطب الشمالي المتجمّدة المحاذية للشواطئ الكندية.. مما يفتح الباب أمام إمكانيات جديدة للبحث عن إمكانيات إضافية من مواد الطاقة. هذا يعني أن الهروب إلى الأمام لا يزال ساري المفعول، كما يقول المؤلف.

حقيقة أم شبح؟

قبل أربعة قرون قام العالم غاليلي بالدفاع عن أطروحة خالفت آراء عصره وبدت خاصة مضادة ل«محاكم التفتيش الكاثوليكية» حول حركة الكواكب في إطار المنظومة الشمسية. وقال يومها «أن الأرض هي التي تدور حول الشمس». ثم تراجع عن قناعاته العلمية ويُروى عنه أنه قال بعد تراجعه: «ومع ذلك هي تدور». كان ذلك في «بيزا» بإيطاليا.

وتشاء الصدفة أن يلتقي في صيف عام 2007 على بعد عدة كيلومترات من بيزا مجموعة من الأشخاص قرروا أن ينشروا شكوكهم على ساحة النقاش العام. ماذا يقولون؟ يقولون أن البترول سينتمي إلى الأمس «بعد فترة غير بعيدة». ويقولون أن العالم إذا لم يتهيأ لنهاية عصر الطاقة الوفيرة الزهيدة الثمن، إنما يسعى باتجاه خسارته. ويقولون أن هذه النهاية قد بدأت أصلا وأنه لم يبق سوى الوقت القليل للاستماع ووقت أقل للتحرك.

وعبر مجهود عدد من الباحثين المتطوعين يضمّون جيولوجيين ومهندسين كانوا قد عملوا في الشركات البترولية الكبرى وأساتذة جامعيين كبار وبعض الصحفيين وحفنة صغيرة من أنصار الدفاع عن البيئة.. تأسست «جمعية الدراسات حول قرب بداية انحدار النفط». الفرضية الأساسية التي يقول فيها هؤلاء «المتشائمون» حيال مستقبل البترول هو أن إنتاجه العام سيتوقف عن الازدياد قبل أن يستقر على مستوى معين ثم سينحدر لا محالة. إنها نهاية عالم. نهاية العالم كما نعرفه.

لا ينبت من جديد

نُظر لمجموعة الباحثين في البداية كنادٍ ل«علماء مجانين» يعلنون عن مقدم غدٍ «غير مشرق». لم يكونوا أول من قال ذلك بل قاله قبلهم البعض في حقبة «روكفلر» بالولايات المتحدة عام 1919 فجاءت اكتشافات الحقول الكبرى في العقود التالية ليسخر الجميع من تلك النبوءات المتشائمة. وبالتالي سوف يتكرر الأمر هذه المرة.

لكن هذا لا يلغي أن مصدر القلق الحقيقي يكمن في واقع أن اكتشاف حقول جديد أصبح أكثر ندرة بينما يبرز مستهلكون كبار للطاقة من الصين إلى الهند والبرازيل ومجموعة الدول الفقيرة سابقا. البترول «لا ينبت من جديد». هذا يعني مستقبلا اقتسام كميات متضائلة من البترول بين جموع أكبر من المتعطشين إليه.

ويرى المؤلف أن تعدد الآراء وتضاربها يجعل من الاستفهام هو الموقف الذي يحظى بالمصداقية. إذ كم بقي حقيقة في جوف الأرض من النفط؟ وهل شحه بات قريبا، وقريبا جدا؟ المتشائمون يحددون ذروة صعوده قبل «الانحدار» في أجل قريب يُعد بالسنوات القليلة.

تبقى المعضلة الأكبر هي في كيفية إرساء أسس الشروع بتأمل سياسي يدمج في اهتمامه مفهوم تغيير القدر الجماعي لشعوب كاملة بسبب أفق شحّ مصادر الطاقة. وبكل الحالات، ومثلما هو الأمر في حروب المستقبل لا يُلزم «الوعد بالحقيقة» سوى أولئك الذين يعتقدون أنها هنا أو هناك. إن المعسكرين يملكان، كليهما، حججاً قوية.

بداية العطش

المتشائمون الذين التقوا في صيف 2007 بالقرب من بيزا في إيطاليا يؤكدون أن فترة «العطش الكبير» للبترول قد بدأت. ومثلما هو الأمر بالنسبة لجميع الثروات الطبيعية غير المتجددة، المحدودة بالتعريف، ستأتي اللحظة الحاسمة في اليوم الذي يتم فيه إنتاج برميل واحد أقل من الذروة. ثم إن الولايات المتحدة الأميركية كان قد عرفت ذلك في عقد السبعينات الماضي، عندما لاحظت القوة العالمية الأولى أن آبارها تنضب تدريجيا. لقد بدأت منذ ذلك الحين واردات الذهب الأسود تتعاظم في أميركا حيث أن نسبة 65 بالمائة من البترول المستهلك فيها اليوم تأتي من الخارج، خاصة من المكسيك وكندا وفنزويلا والسعودية ونيجيريا.

وفي بحر الشمال كان اكتشاف البترول في نهاية سنوات الستينات المنصرمة قد حقق استقلال بريطانيا على صعيد الطاقة. وجعل من النرويج أغنى بلدان أوروبا، مع ذلك وفي أفق عام 2020 لن يصل الإنتاج البترولي البريطاني إلى أكثر من سدس حجمه الحالي. وتدل التوقعات الأكثر تشاؤما أنه لن يسد آنذاك سوى نسبة 8 بالمائة من الاحتياجات النفطية البريطانية.

وفي روسيا، التي عرفت نهوضا اقتصاديا كبيرا خلال السنوات الثماني التي أمضاها فلاديمير بوتين في الكرملين، جرى التأكيد في موسكو في مطلع شهر مايو 2008 أنها لن تزيد أبدا من إنتاجها وأنها ستتوصل في أفضل الحالات إلى استقراره بمعدل 9 ملايين برميل يوميا، أي أقل بقليل من إنتاج السعودية اليومي.

في المحصلة يتفق أغلبية المحللين البتروليين على القول أن عام 2010 سيكون له مكانه في تاريخ البترول.

الكتاب: مرحلة ما بعد النفط

تأليف: سيرج اندرلان

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: سويل ـ باريس ـ 2009