من أشهر أعمال الشاعر المصري الراحل «أمل دنقل» ذلك الديوان الذي يحمل العنوان التالي: «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة».
وبديهي أن «زرقاء اليمامة» هي بطلة الحكايات الأقرب إلى الأساطير التي حوتها الثقافة الكلاسيكية العربية عن فتاة العصور السابقة على الإسلام.. وقد وُهبت عبقرية استشراف المستقبل ورؤية الآتي المحجوب أبدا في غياهب الغد ومن ثم كانت تطرح تنبؤاتها على قومها الذين ما كانوا يصدقون تحذيراتها مما يأتي به المستقبل.. ومن ثم ذهبت إنذارات زرقاء اليمامة أدراج الرياح. لكن الأحوال تغيرت، وكان لابد لها أن تتغير. وفيما بكى الشاعر بين يدي فتاة اليمامة الجاهلية، يندب ما آلت إليه أحوال قومه العرب في الزمن الراهن.. فإن ثمة بكائيات هي بالأحرى تحذيرات تقترب من مستوى النذير إزاء قضية باتت من أخطر ما يكون تمّس صميم الحياة في الربوع العربية بخاصة، ثم يجري عليها قانون التعميم كي تهدد استمرار الحياة كما نعرفها على مستوى كوكب الأرض بشكل عام.
تلك هي مشكلة المياه.
وبالأدق: مستقبل شحة الموارد المائية.
لهذا لم يتورع مفكر اقتصادي أميركي بارز، وحاصل أيضا على جائزة نوبل الدولية في الاقتصاد، أن يكتب منبّها إلى ظاهرة الاستمرار ؟ إلى حد التفاقم ؟ في الارتفاع المضطرد لدرجة حرارة كوكب الأرض بما يفضي إليه ذلك من خطر يتهدد موارد المياه النفيسة اللازمة لاستمرار الحياة فوق سطح الكوكب المذكور.
هكذا كتب البروفيسور «بول كروغمان» في 28 سبتمبر الماضي تحت العنوان التالي: كاسندرا المناخ.
والعنوان يحيل بدوره إلى التراث الكلاسيكي عند الإغريق هذه المرة.. حيث كاساندرا هي زرقاء اليمامة في ثقافة اليونان الأقدمين، وتحكي عنها بدورها أساطير الزمان الغابر بوصفها ابنة «بريام» ملك طروادة وقد منحها معبودهم أبوللو موهبة التنبؤ بالآتي واختراق حجب المستقبل.. ثم حدث أن سخط عليها أبوللو فحكم عليها أن تذهب تنبؤاتها وتحذيراتها سدى فلا يصدقها أحد من قومها.
زرقاء اليمامة- كاساندرا
وهكذا قيض للبروفيسور الأميركي أن يبكي بدوره بين يدي زرقاء اليونان كاساندرا، التي يرمز بها بول كروغمان إلى كوكبة من صفوة علماء المناخ والبيئة ممن يحذرون بغير هوادة ولا ملل ولا توقف من حالات الذوبان والانصهار التي ما برحت تصيب المناطق الجليدية والمحيطات المتجمدة، وهي المخازن الكونية أو المستودعات أو هي الاحتياطيات السرمدية من المياه اللازمة للبشر ؟ نتيجة الارتفاع المخيف في درجات حرارة كوكب الأرض.
يقول بول كروغمان: يؤلمني بحق ذلك الشعور الذي ما انفّك يخالجني بأننا ؟ البشر ؟ نسعى إلى كارثة تتربص بنا دون أن يكترث أحد بالسماع عنها أو يهتم أحد باتخاذ إجراء يكفل تحاشي مغبتها.
في هذا السياق، يحيل الاقتصادي الأميركي إلى دراسة نشرتها أهم الدوريات العلمية الرصينة في عام 2007. وتحذر الدراسة من أن تصاب مناطق جنوب غربي أميركا نفسها بآفة الجفاف بسبب شحّة، ومن ثم نُدرة المياه فإذا بها تتحول إلى مناطق قاحلة جدباء، وتوضح الدراسة أن هذا الخطر ليس بالبعيد ولا هو ينتظر الحدوث في منتصف القرن الحالي على نحو ما سبقت إليه التنبؤات،بل تعمد الدراسة إلى استخدام مصطلح «داهم» أو «وشيك» لوصف هذا الخطر كناية على فداحته من حيث الأثر واقتراب حدوثه من حيث التوقيت.
شهادة من اكسفورد
وتأتي شهادة عبر الأطلسي، من انجلترا هذه المرة. وتتمثل في سطور التقرير الذي أذيع مؤخرا في جامعة أكسفورد البريطانية وقد أعده لفيف من أكبر علماء هيئة الأرصاد هناك محذرا من أن حرارة الأرض قد ترتفع بمعدل 4 درجات مئوية في مرحلة أقرب مما يتصور المهتمون بظاهرة تغير المناخ الكوكبي.. ومن ثم يطالب التقرير الإنجليزي باتخاذ إجراءات دولية عاجلة لمواجهة هذا الخطر الذي قد يبلغ ذروته، في رأي العلماء الإنجليز، بحلول عام 2060 وليس بنهاية القرن كما كانوا يتصورون.
وبعيدا عن تلك الفسحة الزمنية البالغة 5 عقود أو نحوها، فإن مجرد الزيادة بالدرجات الأربع المذكورة أعلاه كفيلة ؟ كما ترى صحيفة الجارديان البريطانية ؟ بتهديد إمدادات وموارد المياه في طول عالمنا وعرضه.. سواء بارتفاع منسوب سطح البحر، بما قد يغرق مناطق دلتا الأنهار والشواطئ ناهيك عن الجزر المحيطية وبما في ذلك ؟ تؤكد الجارديان أيضا ؟ خطر اختفاء، بمعنى انقراض، نصف الأنواع والفصائل من الحيوان والنبات التي يشكل وجودها قطب التوازن البيئي فوق سطح الأرض.
وفيما نشرت الجريدة البريطانية سطورها محذرة من خطر العطش الذي يمكن أن يصيب نصف سكان الكوكب.. فإن السيد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية استخدم مصطلحا أخف وقعا وأشد لباقة هو «الفقر المائي» لدى افتتاحه بتاريخ 12/10/2009 الاجتماع المشترك بين الجامعة العربية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بشأن «حوكمة المياه في الدول العربية».
معنى «الحوكمة»
وقد نتصور أن مصطلح «الحوكمة» مازال مستجدا على الأدبيات الفكرية في الوطن.. ومن ثم تظل من الأهمية بمكان أن تسهم وتسهب منظومات الميديا الإعلامية والتثقيفية في الجامعة العربية، وفي فرادى دولها الأعضاء، في إلقاء الأضواء عليه شرحا وتفسيرا وتفصيلا، بحيث يفهم الناس أنه يتطرق إلى أمور شتى لعل في مقدمتها الضوابط والتنظيمات واللوائح والأحكام التي تنظم الإدارة الرشيدة للموارد المائية.. ما بين استكشافها وتعظيم عوائدها وترشيد استهلاكها وتدوير الكميات المنصرفة ؟
العادمة أو المستهلكة منها، بغرض إعادة استخدامها في أغراض شتى.. تمسّ الحاجة إليها لدفع عجلة الحياة في طول الإقليم العربي وعرضه.
وإذا كان أمين الجامعة العربية قد استخدم تعبير «الفقر المائي».. فإن تقرير التنمية البشرية الصادر للفترة 2007- 2008 عن الأمم المتحدة يؤكد أن سكان المنطقة العربية لا ينالهم من موارد العالم سوى نسبة 1 في المئة ليس إلا، برغم أنهم يشكلون نسبة 5 في المئة من سكان العالم.
من جانبها أيضا، تؤكد الجامعة العربية أن أجهزتها المسئولة تتابع المخططات الإسرائيلية التي تنَّفذ حاليا بهدف السيطرة على موارد شتى من المياه العربية وخاصة في المناطق المحتلة وتحويل مساراتها إلى حيث تخدم مصالح العدو الصهيوني المحتل.. وقد نضيف إلى هذا أيضا مخططات إسرائيل في مناطق حوض النيل التي تهدد بخطر محدق وداهم لشعوب أمتنا في السودان ومصر على السواء.
رأي الأمم المتحدة
في هذا السياق بالذات تشير الأستاذة أمة الله العليم السوسوه مدير المكتب الإقليمي للدول العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن هذه الحقائق والأرقام جعلت المنطقة العربية من أكثر أقاليم العالم تعرضا للضغوط المائية.. محذرة بأن الأمر لن يستغرق أكثر من 15 سنة (وهي لمحة في عمر الأمم وتواريخ الشعوب). ويأتي عام 2025 ليشهد تضاؤلا في نصيب الفرد العربي من الموارد المائية المتجددة، حيث يتحول الفقر المائي إلى جوع تتغير معه سلبا مسيرة التنمية بل وأساليب الحياة في المنطقة العربية بأسرها.
من ناحية أخرى علينا أن ننبه إلى التآمر الصهيوني على مياه العرب: ينابيعها.. ومصادرها ومساراتها ومستقبلها.. لا يقتصر الأمر على المناطق الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي وحسب سواء في فلسطين أو الجولان السوري بل تمتد إلى موارد المياه في الأردن ولبنان.. ناهيك عما ألمحنا إليه من مخططات التآمر المتربص بمياه النيل.
ويبدو أن ازدياد عنصر القتامة في تنبؤات الاختصاصيين الثقات في علم الأيكولوجيا (البيئة) والأرصاد والأحوال المناخية قد تسببت فيه ظاهرة التسارع على خلاف التنبؤات العلمية السابقة في ذوبان البحار الجليدية سواء المحيطة بالقطب الشمالي من كوكب الأرض أو في قارة أنتاركتيكا حيث القطب الجنوبي.. ويرجع ذلك إلى تفاقم الانبعاثات الكربونية الناتجة عن النشاط البشري بكل تنوعاته وفي مقدمتها الصناعة وعوادم السيارات وما في حكمها من عناصر المحركات المستخدمة لأنواع المحروقات الأحفورية من فحم أو نفط ومشتقاتهما.
الحقيقة غير المريحة
من هنا تأتي الدعوة إلى وضع الشأن المناخي والقضية البيئية ضمن بؤرة الاهتمامات القومية لدى شعوب العالم بغير استثناء. وبحيث تصبح ؟ كما يدعو البروفيسور «كروغمان» - شاغلنا الرئيسي في مضمار السياسة وأساليب الحياة.. ويبدو أن المشكلة ؟ على نحو ما يلمح إليه الباحث الأميركي المذكور ؟ هي أن هذه الحقيقة المرتبطة بتطورات البيئة والمناخ لا تروق للناس..
ولا يسعدهم إدراكها أو التعامل معها حكاما ومحكومين.. وهو ما عرض له السياسي الأميركي «آل جور» في كتابه المهم الصادر تحت عنوان «الحقيقة التي لا يرتاح إليها أحد». بالمناسبة فإن آل جور حصل بدوره على جائزة نوبل بفضل انكبابه المتواصل على هذه الدعوة لجعل المناخ وتغيراته، والبيئة الكوكبية وما يحيط بها من أخطار محور الاهتمام لشعوب العالم قاطبة.
في ضوء هذا كله.. ندعو إلى الاهتمام الموضوعي فكريا وإعلاميا وسياسيا بإطلاق الجامعة العربية برنامج «حوكمة المياه» الذي أشرنا إليه، ونؤكد على أهمية مداولات وأنشطة مجلس وزراء المياه العرب، طامحين في ذلك إلى صياغة رؤية عربية تكفل نجاعة العمل العربي المشترك في هذا المجال.. ونرتقب في الوقت نفسه دعوة الجامعة العربية إلى عقد مؤتمر دولي للمياه لمواجهة التهديد الصهيوني، لا لموارد المياه العربي وحسب، بل لشرايين الحياة وآفاق التنمية في الوطن العربي الكبير.
اضاءة
ازدياد التشاؤم في تنبؤات الاختصاصيين في علم البيئة والأرصاد والأحوال المناخية تسببت فيه ظاهرة التسارع في ذوبان البحار الجليدية المحيطة بالقطب الشمالي من كوكب الأرض أو في قارة أنتاركتيكا في القطب الجنوبي. ويرجع ذلك إلى تفاقم الانبعاثات الكربونية الناتجة عن النشاط البشري.
محمد الخولي

