أحدث تقرير «غولدستون» هزّة قوية في إدراك الإسرائيليين لذاتهم وللعالم من حولهم، لدرجة يمكن التأريخ بما قبل وما بعد التقرير. حتى أن ايتان هابر (مدير مكتب رابين سابقا) كتب مقالا معبرا عنوانه: «نهاية اللعبة»، حذر فيه من مصير كجنوب أفريقيا لإسرائيل.
وبرأيه فإن «المؤرخين، في السنوات القادمة قد يقسمون فترة تأسيس ووجود دولة إسرائيل إلى عصرين «من» و «حتى». الفترة الأولى هي الـ 62 سنة الأولى؛ الفترة الثانية تبدأ من الآن...جنوب إفريقيا..في النهاية رفعت العلم الأكبر في تاريخها: العلم الأبيض». («يديعوت أحرونوت» 18/10) وبالمناسبة يبدو أن هذا التقرير خلق ما يمكن تسميته بهاجس «جنوب أفريقيا» في المزاج الإسرائيلي، وهذا ما يراه أيضا الداد يانيف الذي يعتبر أن مكانة «إسرائيل آخذة في الانحسار في العالم وهي لا بد ستصل إلى حالة جنوب إفريقيا..
هذا بالضبط ما يحصل اليوم لإسرائيل. جورج بوش انسحب إلى مزرعته، وأميركا تعبت من المستوطنين». («هآرتس»، 1019) وبحسب عوفر شيلح فإن «من يعمل دون اعتبارات أخلاقية يعاني عمليا أيضا..اليوم نحن نذكر عند الآخرين كجنوب إفريقيا». («معاريف»، 1020).
وإذا لاحظنا كيفية التصويت على تقرير «غولدستون» في مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة (في جنيف) سنجد أن فرنسا وبريطانيا لم تعترضا، وإنما امتنعتا عن التصويت (ومعهما الدول الأوروبية الأعضاء في المجلس)، وفقط. ليس ذلك فحسب، بل إن الرئيس الفرنسي ساركوزي ورئيس الحكومة البريطانية براون وجها رسالة مكتوبة إلى نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية، دعياه فيها إلى التزام التقرير، وتشكيل لجنة رسمية للتحقيق في الادعاءات المذكورة فيه، كما دعياه فيها، أيضا، إلى وقف الاستيطان نهائيا، والتزام حل الدولتين.
أميركا وحدها
ومن بين أعضاء مجلس الأمن الدولي، فإن الولايات المتحدة وحدها فقط، صوتت ضد التقرير، ولكن ذلك لا يعني أنها تعارض مضمونه بالكامل، فثمة ما يرجح أن الإدارة الأميركية تحاول استثمار هذا التصويت للجم إسرائيل، وإشعارها أن ثمة حدودا لسياساتها المتعنتة وعنجهيتها.
وفي هذا الإطار يرى المحلل الإسرائيلي ألوف بن بأن «الأميركيين والأوروبيين يستخدمون تقرير غولدستون كي يعاقبوا نتانياهو على رفضه تجميد المستوطنات». («هآرتس»، 1017) وأن «أوباما قام ببساطة بدفع نتانياهو لإدراك أن التأييد الأميركي له ليس تلقائيا. وأنه إذا ما نظر نتانياهو إلى الوراء، من غير المؤكد أن اوباما سيكون هناك لحمايته. («هآرتس» 14/10).
ويحيل ألوف بن ما حصل إلى سوء تقدير لدى الحكومة الإسرائيلية، في عدة مجالات، منها أن «القواعد تغيرت مع انتخاب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة.. الفلسطينيون نقلوا الحرب إلى الساحة المريحة لهم ويستغلون تفوقهم في مؤسسات الأمم المتحدة وفي الرأي العام..الدعوات لمقاطعة إسرائيل تتعزز.
ليست محصنة
ومن متابعة المناقشات الإسرائيلية، بعد التصويت على تقرير (غولدستون)، يمكن القول بأن الإسرائيليين باتوا يدركون بأن دولتهم لم تعد بمثابة دولة محصّنة إزاء القانون الدولي، ولم تعد دولة استثنائية فوق الدول، وأن العالم اكتفى من عنجهية إسرائيل وسئم غطرستها، بعد أن باتت بمثابة دولة تهدد بسياساتها المتعنتة السلام الدولي ومصالح الدول الكبرى في منطقة الشرق الأوسط.
وما يفاقم من هذا الأمر، بالنسبة لهم، أن إسرائيل، باتت مكشوفة تماما أمام حكومات العالم، كما أمام الرأي العام العالمي، بسياساتها، وبطبيعتها كدولة استعمارية وعنصرية وأصولية، خصوصا أن هذه الدولة لا تبدو كأنها تدافع عن نفسها، بحكم قوتها، ولا عن حدودها، بواقع أنها لم ترسّم حدودها بعد، وبواقع أنها هي التي تحتل أراضي الآخرين، وتسيطر على شعب آخر بوسائل القوة والقهر.
نزع الشرعية
أما أعراض نزع شرعية إسرائيل، فيعتقد غابي سيبوني (رئيس مشروع الأبحاث العسكرية في معهد دراسات الأمن القومي)، بأنها تتمثل في «اتهامات باتباع سياسة تفرقة عنصرية، ونفي المحرقة، والادعاء بأن إقامة دولة إسرائيل كانت خطوة غير قانونية، واتهام إسرائيل بارتكاب جرائم حرب.
هذه الخطوات تقود إلى مقاطعة الشركات والتجارة والبضائع الإسرائيلية والمقاطعة الأكاديمية والثقافية وأخيرا توجيه النداءات لإزالة الكيان الصهيوني.» («هآرتس» 30/9) ويحذر يسرائيل هارئيل، من عواقب هذه الأعراض، بقوله: «يريدون تحويلنا إلى دولة مارقة بنظر العالم. والناس يخافون خوفا خياليا من المارقين المجذومين. وهذا الخوف يتمخض عن كراهية.
كما أن دماء المارقين وخصوصا الذين ينفذون جرائم ضد الإنسانية مستباح ومهدور..مؤامرة تحويلنا إلى مجذومين مارقين في نظر العالم تحفر عميقا في وعي أمم كثيرة..الأمر المشترك بين كل المجندين ضدنا ؟ دولا وتنظيمات غير حكومية ومؤسسات استثمارية تمول الحملة ؟ هو الرغبة في إضفاء صورة الحيوان الدنس على إسرائيل». («هآرتس» 1/10) وعدا عن انخفاض مكانة إسرائيل، وانكشاف طابعها، كدولة استعمارية عنصرية أصولية، فثمة أثمان معينة لتقرير «غولدستون»، تتمثل باحتمال ملاحقة وتوقيف ومقاضاة المسؤولين الإسرائيليين، المتورطين بجرائم حرب، أمام المحكمة الجنائية الدولية، وغيرها من المحاكم المختصة في عديد من البلدان. وفي الواقع فإن هذا الوضع بات يقلق قادة إسرائيل.
