دأبت إسرائيل، منذ قيامها، على خلق نوع من التحالفات الاستراتيجية، السياسية والعسكرية والاقتصادية، في منطقة الشرق الأوسط، التي تمكنها من تعزيز وضعها، وخلق حالة من التوازن إزاء المحيط العربي المعادي لها. وفي ذلك فقد سعت إسرائيل للتعويض عن الطوق الجغرافي المحيط بها، بطوق سياسي داعم لها؛ وهذا ما فعلته إسرائيل مع كل من إيران (زمن الشاه) وتركيا وأثيوبيا.
لكن المحيط الاستراتيجي هذا بالنسبة لإسرائيل بات يشكل مصدر قلق لها، فمنذ مطلع الثمانينات، حدثت تحولات كثيرة، فقد سقط نظام الشاه، وليس هذا فحسب إذ باتت الجمهورية الإسلامية في إيران بمثابة أحد أهم مصادر التهديد الأساسية بالنسبة لإسرائيل، أما أثيوبيا فغدت بمثابة رجل مريض في قلب القارة الأفريقية، وها هي تركيا اليوم تحث الخطى لفك علاقاتها الاستراتيجية مع إسرائيل.
معلوم أن إسرائيل كانت تحتفظ بعلاقات استراتيجية سياسية وعسكرية واقتصادية قوية مع تركيا، برغم من كونها دولة إسلامية، لكن هذه العلاقات باتت تشهد فتورا، في المرحلة الأخيرة، بسبب سياسات إسرائيل العدوانية والاستعمارية في المنطقة، وأيضا بسبب ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من ممارسات قهرية وعنصرية.
وقد تطور هذا الفتور.
في ظل قيادة رجب طيب اردوغان (رئيس وزراء تركيا)، إلى نوع من سياسات شرق أوسطية متعارضة، بعد أن باتت تركيا تنظر إلى إسرائيل باعتبارها من عوامل الاضطراب وعدم الاستقرار في المنطقة، وأحد عوامل تزايد نفوذ الجماعات المتطرفة فيها، وسببا من أسباب تعزز نفوذ إيران في العراق خصوصا وفي الشرق الأوسط عموما.
الحرب على غزة
هكذا شهدنا مؤخرا سلسلة من ردود الأفعال التركية على الحرب التي شنتها إسرائيل (أواخر العام الماضي وأوائل العام الحالي) على غزة، فقد نددت تركيا بهذه الحرب، التي اعتبرتها بمثابة خديعة لها، وهي التي كانت تستضيف مفاوضات غير مباشرة إسرائيلية ـ سوريا. فوق ذلك فقد طالبت تركيا إسرائيل (حينها) بوقف هذه الحرب، بل إنها أيضا اتهمتها بارتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين. وكما بات معروفا فقد وصل الأمر برجب طيب اردوغان حد الاشتباك مع شيمون بيريز في منتدى دافوس (العام الماضي).
ومؤخرا ألغت تركيا مشاركة الطائرات الإسرائيلية في مناورة «نسر الأناضول»، التي تجري كل عام، في نطاق التعاون العسكري بين الجانبين. ومن وجهة نظر إسرائيل فإن ابتعاد تركيا عنها يشكل خسارة كبيرة لها، لاسيما أنه جاء لصالح تقاربها مع سوريا، ومع القضايا العربية. وثمة في إسرائيل من بات ينظر بحذر وقلق شديدين لإمكان تحول تركيا نحو التحالف مع إيران أيضا. وبحسب تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت» (13/10) فإن «الشعور السائد في إسرائيل أن ثمة أزمة خطيرة لم يسبق لها مثيل بين البلدين..
وتخشى إسرائيل بشكل رئيسي، والتي تتابع بترقب تصريحات وتصرفات رئيس الحكومة التركية الطيب أردوغان، من تقارب تركي ـ إيراني. وتقول إسرائيل الرسمية إنه لا يجوز التنازل، عن العلاقات الجيدة مع تركيا، فهي مهمة لإسرائيل وهي بمثابة عمق استراتيجي يضمن استقرار المنطقة».
التغير التركي
على أية حال فقد أعطت الصحافة الإسرائيلية اهتماما كبيرة لهذا التطور التركي، مؤكدة على أهمية العلاقات مع تركية بالنسبة لإسرائيل. مع ذلك وكالعادة فقد كان ثمة نوع من تعارض في وجهات النظر، فثمة محللون رأوا أن سبب التغير التركي يعود إلى الديمقراطية، التي جلبت حزبا إسلاميا إلى السلطة، بمعنى أن الديمقراطية هي المسؤولة عن هذا الأمر، في تأكيد على أن استقرار إسرائيل يتم من خلال نظام علاقات مع أنظمة غير ديمقراطية.
وثمة وجهات نظر هاجمت تركيا باعتبار أن لها تاريخا، ضد الأرمن والأكراد وفي قبرص، لا يسمح لها بقذف إسرائيل بحجارتها. وذهب البعض الاخر لاعتبار أن ما تقوم به تركيا إنما هو بمثابة ردة فعل على رفض الاتحاد الأوروبي لانضمامها لعضويته، ما جعلها تقترب من سوريا وإيران.
وبالإجمال فقد امتلأت الصحف الإسرائيلية، في الفترة الماضية، بعناوين ساخنة، مثل «لا سامية على النمط التركي»، في «يديعوت أحرونوت»، و«التحريض التركي»، و«42 في المئة من الأتراك لا يريدون جارا يهودياً». و«كراهية مصورة» في «معاريف». و«فرية الدم التركية»، و«فيلم تركي سيئ» في صحيفة «إسرائيل اليوم».
وفي مقابل هذه الهيستريا برزت وجهات نظر مختلفة رأت أن على إسرائيل أن «تتعايش مع حقيقة أن تركيا تتغير وأن نعتاد على هذه الحقيقة.. نحن أمام تغير جوهري، عميق، استراتيجي. صحيح أن هذه الأمر ليس جيدا، لكن يمكن التعايش معه.
والدليل على ذلك أن المسلسل التلفزيوني التركي الذي يظهر فيه الجنود الإسرائيليون وهم يطلقون النار على أطفال فلسطينيين على الحواجز، ليس أصعب وأقسى من المسلسلات التي تُعرض وتُبث بشكل يومي في التلفزيون المصري. أين المشكلة إذن، فهل طلبنا إلغاء السلام مع مصر بصورة فورية؟. (بن كسبيت، «معاريف» 15/10/2009)
المفاجأة التركية
تبدو حكومة إسرائيل مضطربة إزاء المفاجأة التركية، فهذا رئيس الحكومة بنيامين نتانياهو يرى بأن تركيا لم تعد أهلا للتوسط في المفاوضات مع سوريا، وبينما ثمة دعوات لقطع الزيارات السياحية لتركية، فإن الحكومة الإسرائيلية تجهد لتهدئة الوضع، وتطويق حال التوتر مع تركيا، من خلال الإيحاء بأن ما جرى مجرد أزمة عابرة، وأن تركيا لم تلغ المناورة الجوية المشتركة وإنما أجلتها، وثمة حديث عن استيراد مياه تركية لإسرائيل.
الآن، فإن هذا التغير الاستراتيجي في محيط إسرائيل الإقليمي، في حال استمراره، سيضع إسرائيل أمام تحديات سياسية وأمنية جديدة، بمعنى أنه يمكن أن يعمق مع علاقات الاعتمادية التي تربطها بالولايات المتحدة الأمريكية، ويجعلها تصر على منحها ضمانات دولية لأمنها في المنطقة، كما أن هذا الأمر سيدفع بها حتما نحو التشدد في عزل إيران، واستهدافها. لكن في كل الأحوال من الصعب التكهن بتأثير ذلك على موقف إسرائيل من عملية التسوية.
ماجد كيالي
