تنبه العالم بعد الحرب العالمية الأولى إلى ضرورة إنشاء تكتل دولي يضم بين جناحيه دول المعمورة بهدف درء الكوارث التي تسببت بها تلك الحرب على البشرية وفي محاولةٍ لإيجاد رأي جامع وموحد لعزل أي قوة تخرج عن التفاهمات الدولية بما تقتضيها من محافظة على الاستقرار العالمي.

فكانت ولادة عصبة الأمم المتحدة العام 1919 نتيجة اتفاقية فرساي والتي ضمت في أعظم مراحلها 58 دولة قبل أن تطوي صفحتها معلنةً فشلها بعد أن وقفت عاجزةً عن صد المد الفاشي والطوفان النازي في أرجاء أوروبا والعالم وتحديداً في ايطاليا وألمانيا واسبانيا واليابان، واللذان مهدا لحربٍ عالمية ثانية أشد سعيراً. وإن كانت وفاة عصبة الأمم المتحدة حدثت لأسبابٍ متأصلة في جيناتها أهمها اعتماد صيغة التصويت بالإجماع بدلاً من الأخذ برأي الأغلبية كما حصل مع وريثتها الشرعية الأمم المتحدة، فضلاً عن عدم انضمام الدول الكبرى كالولايات المتحدة إليها، فإن القوى العظمى المنتصرة في الحرب الكونية الثانية لم تجد بداً سوى استنساخ التجربة الفاشلة بأخرى شوهت شعار: «نحن الشعوب.. أمم متحدة أقوى من أجل عالم أفضل» الذي سعى إلى تحقيقه كتبة تاريخ العالم بعد العام 1945.

غرق في العجز

واليوم وفي الذكرى ال64 لتأسيس «حكومة العالم»، ترى المنظمة الدولية نفسها غارقةً في العجز الفاضح على الأصعدة كافة سواءً منها السياسية أو الإدارية أو المالية أو حتى الإنسانية.

فلقد وجد مجلس الأمن، الذراع الضاربة للأمم المتحدة، نفسه حبيس خزائن المصالح المتضاربة وأدراج السياسات المتناقضة لتقسيمات ما بعد الحرب العالمية الثانية التي أفرزت المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والشرقي الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفيتي، فأكلت واشنطن أخضر القرارات الدولية وتكفلت موسكو بيابس الشرعية الأممية.

ولم يكن يكفي مبنى الأمم المتحدة خاصية كونه كياناً يتمتع بسيادة دولية بحسب الأعراف لا علاقةً فعلياً له بأرض الولايات المتحدة التي استضافت المقر لكي يمسك بزمام الملفات الساخنة على مدى عقودٍ من النزاعات.

إذ غالباً ما شهدت جلسات أروقة المنظمة الدولية قصوراً هائلاً في معالجة قضايا فرضت نفسها في خضم الحرب الباردة لم تبدأ مع الصراع العربي الإسرائيلي ومآسيه المهولة أو الحرب الكورية أو أزمة نشر الصواريخ في كوبا التي كادت تشعل حرباً نووية بين العملاقين، ولم تنته حتى مع اندلاع قرابة 100 حرب أهلية بين عامي 1945 و2007 أبرزها في لبنان وجمهوريات الموز ودول إفريقيا المبتلاة بالملاريا والأنظمة العسكرية بالإضافة إلى الاحتلال السوفييتي لأفغانستان أواخر السبعينات.

سلم لم ينجز

وبعد أن تنفس بعض العالم الصعداء مع رحيل الاتحاد السوفيتي، ظن هؤلاء أن فترةً من الرخاء والسلم الدوليين ستسود بعد نزع فتيل القنبلة النووية. وأن «حكومة العالم»، وإن لعبت في أحسن أحوالها دور الوسيط والحكم بين قطبي العالم دون أن تتمكن من فرض رأيها عليهما، سوف تنهض من تحت الرماد كطائر العنقاء من جديد.. دون أن يدروا أن العنقاء سجلت منذ غابر الأزمان في خانة المستحيلات الثلاثة عند قدماء العرب.

لكن عدادات جنود القبعات الزرق نجحت أكثر ما نجحت في حفظ أرقام قتلى الفظاعات في رواندا منتصف التسعينات والتي توصف دون شك كوصمة عارٍ في جبين العالم المتحضر الذي شاهد سواطير ميليشيات «الهوتو» تنهال على أجساد أفراد قبائل «التوتسي» تحت أشجار السنديان في غابات هذا البلد الصغير دون أن يحرك ساكناً لتستقر حصيلة القتلى عند حاجز الـ 800 ألف شخص في غضون نحو 100 يوم فقط!!. كانت حجة حاملي شعار «أمم متحدة أقوى من أجل عالم أفضل» آنذاك أن «لا تفويض دولياً» لمجلس الأمن للتحرك ضد المذابح..

فاقتصر التفويض حينها على إجلاء مواطني العالم الأول من مجاهل العالم الثالث والعودة بهم على جناح السرعة إلى بلدانهم سالمين. حاول الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، بشكلٍ غير مباشرٍ، تحميل مسؤولية قبح ما حدث في رواندا لأولئك الأشقياء الصوماليين الذين سحلوا جندياً أميركياً في شوارع عاصمة الفوضى مقديشو.

فلم يكن الأميركيون في وارد مشاهدة جنودهم وهم يسحلون في أزقة كيغالي وانتخابات «الكونغرس» على الأبواب، ولا الأمم المتحدة بقادرةٍ على لملمة شتات أعضاء مجلس الأمن ال15 دون ضوءٍ أخضر من البيت الأبيض.

ولم تكد البشرية تستيقظ من كابوسٍ حتى غطت في أعماق آخر في منطقة البلقان. وفي تلك المرة، لم ينفع إعلان جيب سريبرينيتشا البوسني منطقةً آمنة تحت حماية الأمم المتحدة في الحؤول دون وقوع المجزرة المشهورة تحت أنظار الجنود الباسمين ما دفع أقارب الضحايا لرفع دعاويٍ على الأمم المتحدة ذاتها، في حين أبى جنود «حفظ السلام» إلا أن يخطوا مساهماتهم شخصياً بالمشاركة في عمليات اغتصاب النساء في الكونغو وجنوب السودان وهايتي.

ومن سخرية الأقدار، أن المرة اليتيمة التي تدخلت فيها القوى العظمى بفعالية واضحة لحماية المدنيين من المجازر كانت في واقع الأمر دون تفويضٍ دوليٍ، لم يكن ليحصل بأي حالٍ من الأحوال، وذلك إثر حرب تحرير الكويت العام 1991 حينما فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مناطق حرام حظر فيها على طائرات سلاح الجو العراقي التحليق فوق الجنوب والشمال العراقيّيْن.

انجاز على جبهة الأمن الاجتماعي

ولإن الصورة لم تكن على الدوام بقتامة السقوط الدولي المدوي في ميداني السلم والأمن، فقد عثرت الأمم المتحدة على ضالتها المنشودة في المجالات الثقافية والصحية والبيئية التي برعت فيها لابتعادها عن تشعبات السياسة وصفقات الحروب.. إلى حدٍ ما.

فطفقت «يونسكو» تخفض من نسبة الأميين وتحمي المعالم التراثية وترفع مستوى التعاون بين الدول في حقول العلوم والثقافة والاتصالات والإعلام، في ما جاهدت «يونيسيف» لتعزيز حقوق الأطفال ورفاهيتهم.

وعمدت منظمة الصحة العالمية بدورها إلى حذف الأوبئة من قواميس حياة البشر، فأجهزت على الجدري كأول مرضٍ يتم استئصاله بمجهود الإنسان، ونفذت حملات توعية بالآفات الفتاكة ووزعت الأمصال اللازمة لمحاربتها، في وقتٍ سعت فيه الأمم المتحدة إلى علاج ظاهرة الاحتباس الحراري التي تعاني منها الكرة الأرضية عبر «اتفاقية كيوتو».

كما حاولت المنظمة الدولية التكفير عن ذنوبها السياسية بواسطة محكمة العدل الدولية المكلفة النظر والبت في النزاعات بين الدول حيث تميزت بالقدرة على حل الخلافات الحدودية على وجه الخصوص ومنها ما كان بين قطر والبحرين بشأن جزر حوار وجنان.

ويبقى على الأمم المتحدة، إن أراد رعاتها، ألا تقتصر في أنشطتها على إحياء المناسبات مثل «يوم الأرض» و«يوم المرأة» باحتفالاتٍ كرنفالية دون أن تحل معضلة حق النقض برؤيةٍ تغير وجه مجلس الأمن قارياً تتمتع خلالها الدول الخمس صاحبة الحق، كالبرازيل والأرجنتين والهند وباكستان ومصر وجنوب إفريقيا وكندا واليابان واندونيسيا وألمانيا وإيطاليا فضلاً عن الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا، بالامتياز لفترة عامين تعادان مداورةً، ليصبح أعضاء المجلس 26 تتخذ قراراته بأغلبية 16 صوتاً.

دبي- رؤوف بكر