لم تكن منطقة القطب الشمالي تثير الكثير من الانتباه حتى سنوات قريبة. لكنها غدت اليوم موضع منافسة حقيقية بين الدول المتاخمة لها وخاصة روسيا وكندا والولايات المتحدة والنرويج والدانمارك، بل ومنافسة تكاد تكون «حربا باردة جديدة». أما الرهان فهو البترول والغاز.
روسيا رفعت أعلامها على جزء كبير من منطقة القطب الشمالي عام 2007 . وكندا اعتبرتها جزء لا يتجزأ من سيادتها. والدانمارك رأت في «جرولاند» امتدادا لأراضيها «تحت البحر» والولايات المتحدة تحاول زيادة حضورها في المنطقة. هذا كله يعكس قلقا حقيقيا حيال مسألة الطاقة، فالبترول محكوم عليه بالتقهقر وهو ليس أبديا كما ساد الاعتقاد لفترة من الزمن. ويضاف إلى أزمة الطاقة بروز الأزمة المناخية وسخونة الأرض الناجمة عن الصناعة القائمة أساسا على البترول. وبالتالي غدا منظور محاولة البحث عن بدائل أكثر إلحاحا. ومن الواضح أن هناك توترا لدى الغرب عامة حيال مسألة التزوّد بالبترول.. خاصة بعد المغامرة الأميركية في العراق عام 2003.
في صيف عام 2007 .. أعلنت روسيا سيادتها على جزء مهم من منطقة القطب الشمالي «المحيط المتجمد الشمالي». ما يثير اهتمام موسكو ليس الدببة البيضاء ولا دراسة التيارات البحرية. إن ما يثير اهتمامها واهتمام المكتشف تشيلينغاروف الذي كان قد نال لقب «بطل الاتحاد السوفييتي»، هو بالتحديد النفط. التقديرات التي لم يتم تأكيدها والصادرة عن بعض المؤسسات الأميركية المختصّة.. تؤكّد أن منطقة القطب الشمالي تحتوي بأقلّ تقدير على ربع الاحتياطي الدولي من الهيدروكربورات (خاصة النفط) التي لم يتم استغلالها في الكرة الأرضية.
إن أحلام التنقيب عن البترول في هذه المنطقة من العالم لم تكن تخطر على بال قبل عقد من الزمن. لكن هناك حالياً ما يشير إلى أن معركة حقيقية حول القطب الشمالي قد بدأت بين البلدان الخمسة المجاورة له والطامحة كلها للحصول على مصادر الطاقة، أي الولايات المتحدة وروسيا وكندا والنرويج والدنمارك. وتجدر الإشارة إلى أن كوبنهاغن هي التي تملك تلك المنطقة الجليدية الشاسعة المعروفة باسم «غرونلاند»، ولكن ربما لن تستمر ملكيتها لها فترة طويلة. ذلك أن سكان المنطقة الأصليين.. رغم قلة عدده.. يتوجهون نحو استقلالهم.
الاركتيكي صار ساخنا!
ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن المنافسة بين البلدان الطامحة إلى إثبات حضورها في منطقة القطب الشمالي قد بدأت فعلا. وكان المستكشف الروسي تشيلينغاروف قد صرّح قوله:
«منطقة الاركتيكي.. القطب المتجمد الشمالي.. لنا وعلينا أن نثبت حضورنا فيها».
وقد كان هدف البعثة التي ترأسها .. هو البرهان على أن سلسلة جبال«لومونوسوف»، الواقعة في عمق البحر، هي امتداد جيولوجي طبيعي للهضبة السيبيرية. الأمر الذي يعني أنه بإمكانية روسيا أن تمدّ من مجال مياهها الإقليمية.
لم يتأخر وزير الخارجية الكندي «بيتر مكاي» في الرد إذ صرّح قوله:
«لم نعد في القرن الخامس عشر، ولا يمكن لمن يشاء أن يذهب حيث يشاء في العالم وينصب أعلامه قائلا: هذه المنطقة لنا».
الكنديون، إلى جانب سخرتيهم من المبادرة الروسية، يأخذونها على محمل الجد، ذلك أنه لديهم أهدافا مشابهة. ولم يتأخر رئيس الوزراء الكندي عن الذهاب إلى التخوم الشمالية للأرض الكندية الشاسعة، وتحديدا إلى الأراضي «المتجمدة» المعروفة باسم «اينويتس» وأعلن هناك عن تكثيف الدوريات في المنطقة وبناء ميناء جديد قريبا في المياه العميقة وإقامة مركز دائم للتدريب العسكري.
وقبل عدة أشهر فقط كان رئيس الوزراء الكندي نفسه قد أعلن عن استثمار ما يعادل 5 مليارات يورو لبناء 8 سفن بحيث تستطيع البحرية الكندية تكثيف دورياتها في المنطقة. وصرّح قوله: «نفهم أن المبدأ الأول للسيادة في منطقة الاركتيكي- القطب الشمالي هو التفوّق، وإلا فإننا قد نغامر بضياعها».
وفي الوقت الذي أعلنت فيه موسكو عن حقّها في منطقة القطب الشمالي وحاولت كندا أن تؤكد على سيادتها فيها «شرعت البحرية الملكية الدانماركية بتنفيذ مهمة في منطقة جرولاند». هنا أيضا يحاول الدانماركيون إثبات أن المنطقة المعنية هي 100 بالمئة امتداد لبلادهم.
مقابل هذا كله تؤكد معلومات المعهد الفرنسي للبترول أنه «لا توجد نقطة بترول واحدة تحت القطب الشمالي (...). هناك بترول بالتأكيد في أطراف القارات المتاخمة للمحيط الأركتيكي، لكنه متواجد كله داخل منطقة الـ 200 ميل انطلاقا من الشواطئ. أما القطب الشمالي فهو أبعد من هذا اعتبارا من الشواطئ الكندية أو من جرونلاند أو من الشواطئ الروسية أو النرويجية».
قلق حيال الطاقة
هل ما نراه من منافسة حول القطب الشمالي هو مجرّد عبث؟ أو ربما مجرد تعبير عن هبّات وطنية؟
يتساءل مؤلف هذا الكتاب . ويجيب أن الأمر يتعلق بالأحرى بآخر أشكال إظهار القلق الذي يعاني منه العالم حيال مسألة الطاقة.
ذلك أنه بعد أن سادت فترة طويلة فكرة أن البترول والغاز أبديين، فإن الواقع يثبت تناقصهما بأسرع مما كان متوقعا. وما يتفق عليه جميع الخبراء والمؤسسات المختصة هو أن مستقبل الإنتاج العالمي محكوم عليه بالتقهقر.
وحتى لو لم يكن الأمر كذلك على أساس أن هذه الفكرة بحاجة إلى نقاش، فلا شك أن فكرة الوصول السهل إلى البترول وبأسعار زهيدة أصبحت تنتمي إلى الماضي.
ومن الثابت أيضا أن الطلب على النفط لا يتضاءل، بل هو على العكس تماما يتعاظم مع بروز دول صناعية صاعدة ذات شهية كبيرة للمواد الأولية.. ولم يحالفها الحظ كلها، كما حالف روسيا، بامتلاك مصادر طاقة داخلية.
ولا شك أن الصين في طليعة البلدان الصاعدة الجديدة. ثم إن الحقول الجديدة التي يتم اكتشافها، في خليج غينيا أو في منطقة بحر قزوين مثلا، لا تسدّ العجز التدريجي في الحقول المستثمرة.
التزود بالبترول يواجه الخطر إذن، ويزداد مثل هذا الخطر في ظل واقع التوتر الذي تعيشه منطقة الخليج بسبب حالة الفوضى الجيوسياسية التي ترتبت على المغامرة الأميركية في العراق وما جرّته من زيادة الخطر على التزوّد بالبترول.
ويرى مؤلف هذا الكتاب أن وصول باراك اوباما إلى البيت الأبيض لن يغيّر المعطيات بأعجوبة.
الأسعار سترتفع
هناك إذن ضرورة ملحّة لمعالجة الوضع، ومنذ دخول القوات الأميركية إلى بغداد في عام 2003 أخذت أسعار النفط بالارتفاع لتصل أحيانا إلى أرقام قياسية.
ويشير المؤلف هنا إلى أن منظمة البلدان المصدّرة للنفط «الاوبيك» كانت قد حددت هدفها في صيف عام 2006 بالوصول إلى سعر برميل يتراوح بين 22 و26 دولارا، وبتاريخ 3 يوليو- تموز 2008 وصل سعر البرميل إلى 147 دولار، ثم انخفض سعره إلى 50 دولارا في نهاية عام 2008 وصولا إلى 35 دولار في شهر فبراير- شباط 2009.
لكن الوكالة الدولية للطاقة، أشارت إلى أن الانخفاظ الكبير في سعر البرميل سيدفع الشركات البترولية، الوطنية والخاصة، إلى عدم الاستثمار خلال السنوات المقبلة ولن تعنى بتحديث منشآتها وبتطوير عمليات الحفر وبالسعي لاكتشاف حقول جديدة. وعندما سيستأنف الاقتصاد العالمي نشاطه سيكون عرض البترول أقل من الطلب عليه.
وسيترتب على ذلك حينئذ ارتفاع في الأسعار« أكثر من المرات السابقة»، كما تؤكد الوكالة الدولية للطاقة.
بكل الحالات تبقى هبّات الأسعار وخمودها ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد. إن الرهان الحقيقي في الواقع ذو بعد آخر، إنه يخص نهاية عصر البترول. فإذا كان قد بقي الكثير منه، فإن القناعة السائدة هي أن عصره يسير نحو نهايته.
أزمة المناخ
ويضاف إلى أزمة الطاقة في العالم، أزمة مخيفة أخرى، تتعلق بالمناخ. ثم إن الهيدروكربورات .. مواد الطاقة.. هي المسؤول الرئيسي عن إصدار غاز الفحم السام في الجو، والذي أصبح يمثل العدو رقم واحد.
وإذا كان قد جرى تجاهل مسألة سخونة المناخ، خاصة خلال السنوات الثماني من إدارة جورج دبليو بوش، فإنها أصبحت في رأس قائمة اهتمامات العالم كله. بل وكان الرئيس الأميركي الجديد باراك اوباما قد جعل من القيام بـ «ثورة خضراء» إحدى الأولويات السياسية لإدارته. لكن تبقى معرفة إذا كان الاندفاع «المناخي» الذي عرفته الحملة الانتخابية سوف يصمد أمام امتحان الواقع.
لكن أميركا ليست وحدها في العالم، ومسألة سخونة الأرض التي كانت هامشية في مطلع هذا القرن أصبحت اليوم إحدى رهانات كوكبنا. كما أصبحت إحدى معطيات موازين القوى الجيوسياسية حيث أنها موجودة على جدول أعمال مختلف اللقاءات الدولية الكبرى».
النقاشات تتكرر والحلول المطروحة للخروج من عصر النفط عديدة. لكن التقدم نادر، إذ من الصعب على البشر تصوّر إمكانية الخروج من «العالم القديم» والتوجه نحو «العالم القادم» الذي يتطلب بالضرورة اللجوء كثيرا إلى مصادر الطاقة المتجددة.
وإذا استطاع الاتحاد الأوروبي تحقيق أحد الأهداف التي حددها فإن الطاقات المتجددة يمكن أن تمثّل 20 بالمائة من الطاقة المستهلكة على صعيد القارة في أفق عام 2020 أي سبعة أضعاف ما هو عليه الوضع اليوم.
تغيير نمط الاستهلاك
لكن هذه «الثورة الخضراء» ليست في بداياتها الأولى، ولن يمكن تحقيقها فعلا إلا عبر تغيير العقليات سريعا. مع ذلك هناك شبه اتفاق عام أن نمط الحياة السائد اليوم الشره للطاقة لا يمكن أن يستمر بالشكل الحالي. إننا لا نستطيع تغيير الأرض، لكن قد يكون هناك الوقت لتغيير نمط الاستهلاك. وإذا رفضنا ذلك فان الأزمات الاقتصادية قد ترغمنا على ذلك، حسب التحليلات المقدّمة.
بكل الحالات تبقى الولايات المتحدة الأميركية، وحتى تلحق فيها الصين بعد فترة غير بعيدة، البلاد الأولى في استهلاك الطاقة وهدرها. ولا شك أن مسألة فترة ما بعد البترول مطروحة عليها أكثر من غيرها. ثم إن أميركا التي أظهرت أكبر قدر من العدوانية للوصول إلى مصادر الذهب الأسود هي أيضا التي تُبدي أكبر قدر من القلق حيال فترة ما بعد البترول.
في مثل هذا السياق يطرح المؤلف ضرورة فهم المشهد الدولي الراهن على صعيد الطاقة. ذلك في فترة يبدو العالم أنه على أبواب تغيير حقبته مما يستوجب البحث في كيفية الخروج، أو عدم الخروج، من حقبة النفط. والتساؤل أيضا في أفق الخروج عن أولئك الذين سيقدمون طاقة الغد وتحت أية صيغ؟
لا شك هناك كتب كثيرة موثّقة ومقنعة من وجهة نظر تقنية وعلمية، لكن مؤلف هذا الكتاب أراد له أن يكون تحقيقا ميدانيا عن واقع البترول في العالم اليوم وعن المشاريع البديلة التي تلوح في الأفق.
والخطوة الأولى في البحث تبدأ من الصين التي أصبحت في ربيع عام 2007 القوة العالمية الأولى بإصدار الغازات الضارّة في الجو.
المؤلف في سطور
سيرج اندرلان مؤلف هذا الكتاب، هو صحافي فرنسي مرموق.
أنجز العديد من التحقيقات الصحافية التي أعطته مكانة متميّزة في مجال عمله.
أولى اهتمامه بالدرجة الأولى منذ البداية للمسائل المتعلقة بالطاقة وإستراتيجياتها على الصعيد العالمي.
جاب العديد من مناطق العالم من الشرق الأوسط إلى أميركا اللاتينية لإجراء تحقيقات عن واقع الطاقة.
وجدت أعماله اهتماما لدى العديد من وسائل الإعلام الأوروبية المكتوبة والمرئية.
سبق له وقدّم كتابا تحت عنوان «عالم من النفط، على طريق الذهب الأسود».
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: سويل ـ باريس ـ 2009



