تعاطي العرب مع مشاكلهم وقضاياهم وخلافاتهم يثير الكثير مع علامات التعجب والاستفهام والدهشة، ومن العجب العجاب أن يقبل العرب بالتدخل الأجنبي رغم ما له من نتائج خطيرة تهدد الأمن القومي العربي بل ومستقبل الوجود العربي ذاته، وتسعى أطراف منهم سعيا حثيثا لتدويل قضاياهم واللجوء إلى الخارج، في الوقت الذي ترفض فيه أي تدخل من الأشقاء لحل تلك الخلافات والمشاكل، وترفع سيف السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية باعتباره خطا أحمر، وما أكثر الخطوط الحمراء بيننا كعرب، وما أكثر عبارات الترحيب والتأييد والإشادة بأي تدخل أجنبي.

مساعد وزير الخارجية المصري السابق للشؤون العربية ومندوب مصر بجامعة الدول العربية السفير هاني خلاف يؤكد إن العمل العربي اتخذ قاعدة التمييز بين ما هو داخلي يخص دولا عربية بعينها، وبين نزاعات أخرى تقوم بين الدول العربية فيما بينها، وبين نزاعات ثالثة يكون العرب طرفا فيها مع جهات أجنبية. وقال: إن الدول العربية تتعامل مع كل مستوى من هذه النزاعات، والمواقف الخلافية بمنطق وآليات ومناهج مختلفة، ولعل أصعب ما تواجهه جامعة الدول العربية من مواقف يكون حينما يتعلق الأمر بخلافات ونزاعات داخلية تخص طرفا عربيا واحدا، حيث تثار هنا حساسية مبدأ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول». وأضاف خلاف: على الرغم من أن كثيرا من الدول العربية قد شاركت وتشارك في إقرار تدخل المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة في بعض النزاعات إلا أنها لا تقبل بسهولة أن تكون تلك النزاعات بندا من بنود المعالجة الجماعية في إطار العمل العربي المشترك».

مجلس السلم والأمن العربي

وحول الآليات العربية التي يمكن من خلالها التدخل لحل النزاعات والمشاكل والخلافات العربية، قال خلاف: هناك أمران هامان، الأول ويتمثل في الآلية العربية لإدارة وتسوية النزاعات العربية البينية وهي كانت موجودة فيما مضى بشكل معين»، لكن تم تطويرها في إطار نظام جديد لم يتم تفعيله حتى الآن وهو «مجلس السلم والأمن العربي» والذي كان اعتماده وإقراره في قمة الجزائر 2005 ويضم ثلاثة أجهزة رئيسة تتمثل في هيئة الإنذار المبكر لرصد النزاعات والتنبؤ بها قبل وقوعها، بالإضافة لهيئة الحكماء والتي تتشكل من شخصيات عربية لها تاريخها القومي والنضالي المجرد من الانتماءات الضيقة والعصبيات المعطلة وتقوم بمساع حميدة للتوفيق بين الأطراف المختلفة، بالإضافة إلى لجنة التحكيم في النزاعات». وتابع: إن آلية مجلس السلم والأمن المفترض فيها تسوية النزاعات العربية ـ العربية ودعم مواقف الدول عند تعرضها لأية مشكلة أو اعتداء من طرف خارجي لا تزال وثيقة على الورق، دون تفعيل، والمجلس لم يقم بأي دور لا في الصومال أو السودان والعراق ولبنان ولا حتى اليمن، باستثناء إشارات وردت في وسائل الإعلام عن وجود رغبة عربية في تفعيله بخصوص مشكلة القرصنة أمام السواحل الصومالية وتلك هي المرة الوحيدة التي أثير فيها الحديث عن آلية المجلس.

أدوات عسكرية عربية

ولفت خلاف إلى وجود فكرة هامة تم إثارتها داخل أروقة العمل العربي المشترك وتم الإشارة إليها على استحياء خلال قمة الرياض عام 2007، وتدور حول تطوير أدوات عسكرية جماعية لحفظ السلام والاستقرار في البلاد العربية، مشيرا إلى أنه حتى الآن لم تتعد كونها فكرة تم الإشارة إليها برفق في قمة الرياض، بمقترح مصري -سعودي إلا أنها لم تتم متابعتها بجرأة واقتراب مباشر.

وأشار إلى أن الفكرة تقوم على اتفاق الدول العربية على تشكيل وحدات من القوات المسلحة العربية، أو عناصر الشرطة وتدريبها وتأهيلها للقيام بالمهام التي توكل إليها بمقتضى قرارات القمم العربية وأجهزة العمل العربي المشترك فهي قوات ذات صفة دائمة وذات جاهزية متجددة. ونوه إلى أن مثل تلك القوات يستلزم تجهيزها بقدرات ومستويات معينة وفق لغة التسليح والعقيدة العسكرية التي تعلو فوق الانتماءات الوطنية أو الجهوية إلى جانب تنمية كفاءات مدنية معينة للقوات في مجالات الإغاثة الإنسانية والتعامل مع اللاجئين والخدمات الطبية وإعادة تعمير ما تخلفه الحروب والقلاقل من دمار في البنية التحتية، وهذه القوات من المفترض أن تكون مؤهلة أيضا للانضمام إلى عمليات حفظ سلام مع قوات الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي أو أية آلية أو طرف آخر.

صناعة القرار العربي

ومن جانبه، أرجع رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط السابق الدكتور عمار علي حسن أسباب الإخفاق في مواجهة المشاكل والأزمات العربية إلى غياب الديمقراطية وكون الشعوب العربية غير ممكنة من المشاركة في صنع القرار وبالتالي فإن شخصية الحاكم وعلاقاته هي التي تحدد كيفية وشكل اتخاذ القرار وهي التي تحسم وتحدد علاقات الدول العربية مع بعضها البعض وكيفية تعاطيها مع الخلاقات التي تنشأ بينهم والقضايا والمشاكل التي تظهر داخل المنطقة العربية.

وقال: إنه إذا تحسنت العلاقات بين الحكام العرب تحسنت بين دولها وإن توترت بين الحكام لحق الضرر بالشعوب في ظل غياب كامل للشعوب وللأجهزة الرسمية ولجميع آليات وأدوات اتخاذ القرار التي يفترض أن ترسم سياسية أية دولة ديمقراطية، أما في المنطقة العربية وباعتبار الأنظمة الموجودة فيها أنظمة استبدادية فاسدة فإن الحاكم هو المتصرف الأول والأخير وصاحب الكلمة العليا في اتخاذ القرار».

وأضاف:أنه من الطبيعي في ظل غياب عناصر اتخاذ القرار الرشيد أن يحدث هذا الإخفاق في مواجهة القضايا والمشاكل العربية مما يؤدي إلى تفاقمها ووصولها إلى حد «التدويل» مثل مشكلة الصحراء الغربية بين الجزائر والمغرب وكذلك مشاكل السودان المختلفة وقضية الحريري بين سوريا ولبنان التي وصلت إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتأزم الأوضاع بين العراق والكويت التي تطورت إلى المواجهة المسلحة وما أعقب ذلك من تطورات وخيمة وكذلك الأوضاع في الصومال والعراق وغيرها من القضايا والمشاكل العربية».

وتابع حسن:أنه على الرغم من كل ذلك فإنه لا يمكن استخدام أسلوب التعميم فقد نجحت بعض الدول العربية في حل خلافاتها فيما بينها من خلال الحوار بينها بعيدا عن شبح «التدويل».

تدويل الأزمات العربية

وحول فشل بعض الأنظمة العربية في حل بعض القضايا المحلية ومطالبة أطراف محلية بالتدخل الدولي بهدف تدويل قضاياها، قال الدكتور عمار علي حسن: إن ذلك يأتي نتيجة لفشل الأنظمة العربية التي تولت السلطة بعد الاستعمار في تحقيق التكامل الوطني وصهر جميع أبناء الوطن في بوتقة واحدة».

وأرجع الفشل إلى سببين أساسيين، أولا كون هذه الأنظمة الحاكمة أنظمة شمولية وثانيا لعدم احترام تلك الأنظمة للدساتير الوطنية التي تنص على مبدأ المواطنة الذي لا يفرق بين المواطنين على أساس اللون أو العرق أو الدين أو الجنس.

الرؤية المستقبلية

ويؤكد الخبير بمركز الدراسات السياسية والمستقبلية بجامعة عين شمس الدكتور أنور زناتي، على أن مستقبل أي أمة ما هو إلا خلاصة ما تملكه من معتقدات وأفكار وثقافة، وهذه الخلاصة إما أن تتسم بالسلب أو بالإيجاب، والحكم عليها بهذه أو تلك يكون من خلال نهضتها أو حتى على الأقل مدى استعدادها الحقيقي على النهوض والخروج من النفق المظلم. وأعرب عن أسفه لعدم وجود رؤية مستقبلية وان وجدت فهي ضبابية وتحتاج إلى أعوام وأعوام حتى تتضح وتتحدد. وأضاف:إننا إذا تجرأنا كعرب ولو لمرات قليلة على التداول فيما بيننا حول أية قضية أو مشكلة فلن تخرج المسألة عن مجرد اجتماعات وهمية شكلية ذات جدل عقيم طويل وممل مع مواقف باهته وأفكار ومقترحات غامضة مع أن عدونا معروف ومشاكلنا أوضح من نور الشمس، وكل التدخلات الغربية لا تسفر عن نتيجة ايجابية بل المزيد من الخلاف والتناحر، بما يقود لاندلاع حروب أهلية ».

ونوه إلى أنه ربما تكون بعض الخلافات من مصلحة بعض الحكام لتكون الشماعة التي يعلقون عليها كل مبررات الإجراءات القمعية داخل بلادهم، ولا ننسى بجانب الحروب الداخلية، اندلاع الثورات المتواصلة التي تخدم في أغلبها مصالح الغرب بدليل أن الخراب يعم على مواطني البلد، بينما يستفيد الغرب بمليارات الدولارات من جراء تلك الثورات والإنفاق على التسليح.

وشدد زناتي على أن المأساة الحقيقية تكمن في وضع الحكام والشعوب العربية، وتابع قائلا «في مقارنة سريعة نقول أنه في الغرب يعيشون (حكام ومحكومين) في عصر العولمة، ونحن ما زلنا في عصر «المعلمة»، وفي الغرب عندهم «فلاسفة» أما عندنا يوجد «مفالسة»، وهم يعتمدون على تحليلاتهم وأحكامهم على البيانات العلمية والأرقام الحيادية بواسطة الكمبيوتر.

القاهرة ـ سباعي إبراهيم