انشغل العالم بأسره خلال أكثر من عام بالأزمة المالية العالمية التي أطاحت، أو وأدت أحلام الملايين من البشر. حينها جاءت تصريحات الحكومة الأردنية مطمئنة، حيث أوردت أن الاقتصاد الوطني لم يتأثر بالأزمة. فيما استخف خبراء اقتصاديون بتلك التصريحات التي اعتبروها سياسية لإبعاد تأثيرات الصدمة، وأكدوا أن ضرب البنيان المالي للدول الغربية كانت له تداعياته لا محالة على الاقتصاد المحلي.
ولكن اللافت في الأزمة بروز دعوات عالمية للانتقال إلى الاقتصاد الحقيقي الإنتاجي، في الوقت الذي برزت فيه دعوات أخرى اعتبرت ما جرى بمثابة انهيار لفلسفة النظام الرأسمالي. وأشاروا إلى أن الخروج من الأزمة لن يكون إلا بتبني العالم لأسس اقتصادية حديثة وأكثر تطورا.
والسؤال الذي يفرض نفسه، كيف تعاملت الدول العربية عامة مع الأزمة؟ وهل ما حدث كان علامة فارقة، وهل استوعب معها العرب الدرس لتجهيز أنفسهم جيدا لأية أزمات مماثلة مستقبلا؟ وهل استطعنا مواجهة الأزمة أم انتظرنا الحل من الخارج؟ هذه الأسئلة كانت مدار حوار مع عدد من الخبراء والاقتصاديين في عمان.
ورغم أن الأخبار تتحدث عن مظاهر إيجابية تشير إلى قرب خروج العالم من أزمته، إلا أن اقتصاديين أردنيين شككوا في دقة ذلك، وأشاروا إلى أن ما تم ويتم مجرد ترقيع لثوب بالٍ حدث هنا وهناك، رغم وجود محاولات نجحت إلى حد ما في وقف الانحدار، وإن لم تنجح في إعادة الأمور إلى سابق عهدها ولن تفعل. أما فيما يتعلق بالدول العربية ومدى «تعلّمها من الدرس» فإن حالة من التشاؤم سادت البعض حيال ذلك.
ضعف مؤسسي
يقول واصف عازر وزير الصناعة الأردني السابق: «إن الدول العربية بصورة عامة لا تستبق الأحداث اقتصاديا أو سياسيا لأنها تتعامل بردود الأفعال مع الأحداث. وأضاف من الممكن أن تأتي الأزمة وتستفحل ومن ثم تنتهي قبل أن يدرك العرب حقيقة ما حدث.
وقال إننا نرغب في إيجاد إجابة عن سؤال مهم هل استعدت الدول العربية لمواجهة أية احتمال لبروز أزمات اقتصادية مستقبلا؟ ربما يقول قائل نعم. إلا أن الواقع يقول غير ذلك، وإن وجد فهو في أدنى مستوياته.
مشيرا إلى أننا لم نعتد على دراسة الواقع واحتمالاته وتكوين نظريات اقتصادية حياله. وقال عازر بلادنا لا تنقصها الكفاءات لكنها تعاني التخلف والضعف المؤسسي.
وقال إن الأزمة الاقتصادية العالمية كانت الأخطر منذ نصف قرن خاصة وان منبعها الولايات المتحدة، ومن هنا سمعنا آراء تتحدث عن الحاجة إلى خيارات جديدة تأخذ مصالح دول العالم عبر إيجاد أسس تحكم مؤسسات النظام المالي والاقتصادي الذي يعاني من فجوة إنتاجية أدت إلى التضخم.
ودعا إلى وضع سياسات عاجلة تحسن من أوضاع السوق المالي، والقطاع المصرفي في الدول العربية، ومتابعه حقيقية لمتطلبات ذلك بما فيها الرصد الدقيق والتحليل اللازم لتطورات الأزمة، ومؤشراتها المختلفة، وتداعياتها وبناء خطه استراتيجية لتدعيم الاقتصاد تحظى بآليات المتابعة التنفيذية وتقييم أدائها وإجراء التعديلات عليها في ضوء المستجدات المحلية والإقليمية والدولية.
هل من جديد؟
وما الجديد حيال الأزمة المالية؟ سؤال أجاب عنه الخبير الاقتصادي مازن مرجي قائلا: «إن الجديد الوحيد ما بعد الأزمة هو الأزمة نفسها». فرغم عمقها وعدم تقليديتها، ورغم أنها تركت تأثيرات واسعة على مختلف القطاعات وعلى جميع الدول إلا أن بعض البنوك ومؤسسات اقتصادية كبرى «تلك التي تأثرت أكثر من غيرها» بدأت تعود إلى ذات النهج الاقتصادي الذي انتظمت في سياقه خلال فترة ما قبل الأزمة.
وقال: يأتي ذلك في مناخ يتصدره اعتراف المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي - بالأخطاء الاقتصادية التي كانت تقع فيها وتنصح الدول وخاصة النامية فيها، مؤكدة الحاجة إلى وجود تعديلات مهمة. وأضاف إن المؤشرات بدأت تبعث على الاطمئنان بأن تداعيات الأزمة بدأت تستقر ولا أقول تتحسن، أي إن الانهيار توقف الآن.
رغم أن مؤشرات البطالة لا تزال على حالها. وتابع، إن الدول العربية كانت في دائرة المتلقي المؤثر عليه فإنها لم تفعل سوى انتظار الحلول التي ستسفر عنها إجراءات الدول الرأسمالية المتقدمة وهو ما تم.
ورغم الدعوات التي سمعت في الدول العربية لتبني نظام اقتصادي إسلامي إلا أن تلك الدعوات لم يكن لها قوة يمكن أن تترجمها على الأرض، فبقي إيقاع الرأسمالية منفردا في الساحة ما أدى في النهاية إلى أن الرأسمالية قامت بتوريث نفسها. وقال إن طرق العمل واليات المعالجة ستبقى على حالها، وإن بدت مختلفة قليلا طالما إن منطق وآليات الرأسمالية، هي هي خاصة مع ظهور بوادر انتعاش للأسواق العالمية. ولكن، ومن وحي الأزمة العالمية.. هل وضع العرب ترتيبات لمعالجة أية أزمة اقتصادية مقبلة، قد تطرأ مستقبلا سواء على منطقتهم أو العالم؟ وهل استفادوا من دروس الأزمة؟
يقول دكتور مرجي الاقتصادات العربية ثلاثة أنواع: النفطي، والذي يعتمد على الاستثمارات الخارجية مثل «الأردن ومصر»، والثالث له قدرات ذاتية من حيث الإنتاج مثل سوريا والمغرب.
وأضاف رغم كل ما يبدو من ترابط وعلاقة بين الدول العربية إلا أنها تعاني من تشوهات اقتصادية فيما بينها فهي لم تكن متكاملة يوما، وهي أكثر من ذلك لم تكن مبنية على أسس سليمة، مشيرا إلى أن الأموال العربية ذهبت إلى الاستثمارات العقارية والمالية، ورغم أهمية ذلك إلا أن هذه الاستثمارات يجب أن تؤسسها استثمارات صناعية وتجارية ضخمة.
بمعنى على الاقتصاد العربي بأنواعه الثلاثة أن يعيد اهتماماته وتوزيع القطاعات لديه. إضافة إلى عدم الاستناد إلى الاستثمار في الصناعات التقليدية، في مقابل إعادة القيمة لقطاعات أخرى مثل الزراعية والصناعية. كما إن العرب مطالبون بالدفع نحو التركيز على قطاعات التكنولوجيا بمختلف أصنافها ؟ وليس الحاسوب الشخصي وحسب، فهناك الكثير من أصناف التكنولوجيا الحديثة صناعية وزراعية وغيرها مع ضرورة الابتعاد عن الاستثمارات الهشة.
عمان ـ لقمان اسكندر
