أكد مدير مركز الأمم المتحدة للإعلام لبلدان الخليج العربية نجيب فريجي أن مملكة البحرين مهيأة لاستضافة مركز استراتيجي لمواجهة الكوارث الطبيعية.

موضحاً بأن تحقيق ذلك هو رهن قرار سيادي يعود للقيادة السياسية البحرينية وسابقة مهمة في خدمة الإنسانية تحتاج قرارا سياسيا عالميا، آملاً أن تكون كل الدول العربية على استعداد للتعامل مع الكوارث سواءً البيئية أو التي هي من صنع الإنسان كالحروب لأن كل ذلك هي عوامل طاردة للاستثمار وتؤدي إلى تراجع التنمية البشرية. وناشد فريجي البلدان العربية إلى ضرورة إعادة النظر في خلافاتهم وتحويلها إلى نقاط قوة وتكامل لبناء العمل العربي المشترك والوحدة بعيداً عن الشعارات والدخول في نماذج وحدوية تركز على الإنسان والفرد وحرياته، مؤكداً أن ذلك يتطلب مراجعة شاملة لبرامج التربية ومفهوم المواطنة وتطوير التركيبة الذهنية العربية لتستأنف مساهمتها في بناء الإرث الإنساني منذ أن توقفت فترة طويلة بعد أن كان التاريخ البشري زاخرا بالإسهامات العربية في الحضارة الإنسانية.

وفيما يلي نص الحوار:

ما هو تعريف الأمم المتحدة للكوارث؟

الكوارث هي التي تحدث بغتة دون سابق علم ولها تأثير مدمر على البشر والطبيعة والبيئة والبنية التحتية، وتندرج في هذا السياق كوارث مثل السيول والفيضانات والأعاصير والزلازل، وموجات التسونامي (المد البحري)، لكن هناك كوارث طبيعية تكاد تكون مزمنة أو موسمية وتؤثر أثراً كبيراً على الأراضي والأرواح البشرية وهي مسألة الجفاف التي تضرب جانباً كبيراً من الكون.

ولكن هناك جانب آخر من الكوارث التي يتسبب فيها الإنسان والتي لا تقل دماراً عن الكوارث الطبيعية بما في ذلك الحروب والنزاعات المسلحة، وأيضا الإهمال والتلف وسوء التصرف في الموارد الطبيعية والذي يسبب التلوث في الهواء والماء والأرض مما يعرض حياة البشر إلى أفدح الأخطار، ومن مخلفات هذه الكوارث وعلى رأسها الانبعاثات السامة وتآكل طبقة الأوزون وذوبان المحيط الجليدي وارتفاع درجة الحرارة وارتفاع مستوى المياه في البحار والمحيطات. ويعتبر الإنسان هو المذنب الرئيسي الذي يقف وراء العديد من الكوارث الطبيعية الحديثة وجلب الدمار من خلال التطور الصناعي غير المسؤول بيئيا والنزاعات المسلحة والحروب التي خاضها البشر عبر التاريخ.

ولهذا جاء تركيز الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون على ضرورة مجابهة معضلة التغيير المناخي وربما كان سباقاً وبعيد النظر في هذا الصدد، إذ أدرك خطورة ظاهرة تغير المناخ على مصير الإنسانية والذي زادها تفاقما الأزمة الاقتصادية الحالية وأزمة ارتفاع أسعار الغذاء في ظل أزياد معدل السكان في العالم، فيما تشير التقارير المستقبلية بأنه في حال عدم الإسراع في معالجة تغير المناخ وإصلاح الأراضي الزراعية وترشيد استهلاك المياه والحفاظ على البيئة من خلال الحد من الانبعاثات السامة سوف تشهد الإنسانية كارثة غذائية حتمية قد يفوق حجمها مع عرفه التاريخ من كوارث.

الوقاية قبل الكوارث

كيف تقيم استعداد الدول العربية لمواجهة الأزمات الاقتصادية جراء الكوارث؟

فيما يتعلق باستعداد الدول العربية لهذه الكوارث نلاحظ أن مملكة البحرين منذ أشهر استضافت مؤتمراً عالمياً حضره العديد من قادة العالم والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وقيادات المنظمات العالمية المعنية وذلك للإعلان عن تقرير الحد من الكوارث الطبيعية، والتي سجلت القيادة في البحرين من خلاله استجابة ريادية لاستحقاق إنساني كوني ملح فتح المجال أمام البلدان العربية ودول العالم إلى مزيد من التنسيق للوقاية من الكوارث الطبيعية ودراسة خلفياتها ومسبباتها لإدراك سبل معالجتها، هذه بمثابة الخطوة الأولى في مسافة الألف ميل، لكنها مشجعة وسوف تكون مكللة بالنجاح إذا ما توفرت الإرادة السياسية لدى كل الأطراف المعنية.

أما فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي للعالم العربي يلاحظ المراقب للوضع أن مؤشرات التجارة البينية في العالم العربي تعكس صورة سلبية، حيث يظل معدل المبادلات بين الدول العربية ضعيف جداً رغم انعدام الحدود الطبيعية الفاصلة وتقارب هذه البلدان. في المقابل فإن صورة مخالفة تماما فيما يتعلق بالمبادلات التجارية بين الدول العربية والغرب التي تصل معدلاتها إلى 80% في حين نرى أن التجارة بين الدول العربية لا تتجاوز نسبة 5%.

ونرى أن الأطر متوفرة بين البلدان العربية من خلال الآليات القانونية التي سنها ميثاق الجامعة العربية حول العمل العربي المشترك والسوق العربية المشتركة وغيرها من اتفاقات التعاون والتبادل الثنائية التي تربط البلدان العربية بعضها ببعض ولعل بروز اتحادات شبه إقليمية مثل دول مجلس التعاون لدول الخليج واتحاد المغرب العربي قد تغير الأوضاع في حال نضجها ووضعها على السكة الصحيحة. وقد تتأهل شبه الأقاليم هذه إلى إحياء اقتصاد متكامل ومندمج في السوق العربية دون الانكفاء على ذاته والانفتاح على الأسواق العالمية الأخرى التي تشهد نمواً مضطرداً خاصة في التجمعات المجاورة مثل الاتحاد الأوروبي أو الآسيان وغيرها.

حظوظ التنمية

ما هي الدول العربية الأكثر استعداداً للتعامل مع الكوارث؟

نأمل أن يقي الله البلدان العربية شر الكوارث. لكن لو سمح الله وحدثت، نأمل أن تكون كل الدول العربية على استعداد للتعامل معها اعتمادا على خطط واستراتيجيات واضحة ترتكز أولا على الوقاية ثم في حال حدوثها على جعلها أقل ضررا.

خصوصاً أن بعضها قد عانى من هذه الكوارث مثل الزلازل في الجزائر والمغرب، أو الجفاف الذي ضرب السودان وموريتانيا أو غيرها التي تعرضت لكوارث أقل حدة، دون أن ننسى الكوارث التي هي من صنع الإنسان في الحروب مثل دارفور أو النزاعات بين إسرائيل وبين جيرانها خاصة لبنان.

كما هي الحال بالنسبة للحرب في العراق وما يشهده هذا البلد العظيم من عدم استقرار، بالإضافة إلى الحرب الحالية في اليمن والتي سوف تكون أكثر تأثيراً خاصة أن اليمن مر بسلسلة من الحروب والنزاعات من 1986 إلى 1994 إلى 2009، حيث يمكن القول إن هذا البلد الأقل نموا في العالم العربي يتعرض لنزاع كل عشر سنوات مما يعرقل حظوظ التنمية.

كما يهدد خطر الكوارث الطبيعية وتلك من صنع الإنسان البلدان الأخرى التي يعتبر عدم وجود نمو اقتصادي ايجابي خطر على الاستقرار والأمن فيها، وبالتالي يجب أن ننظر إلى الكوارث الطبيعية والتي هي من صنع الإنسان والعمل على الوقاية منها وتفاديها لما تتضمنه من أخطار على الشعوب والأقاليم خصوصا السلام والأمن فيها بدون إهمال، إن البلدان التي تعاني من حروب وكوارث سواءً كانت من بفعل الإنسان أو الطبيعة تكون طاردة للاستثمار المحلي والأجنبي.

قرار سيادي

هل هناك مركز عربي موحد لمواجهة الكوارث الطبيعية والبيئية؟

طرح هذا الموضوع لمعالجة الكوارث الطبيعية وتفاديها والوقاية خلال المؤتمر الدولي الذي انعقد مؤخراً في البحرين التي سجلت رغبة في استضافتها لهذا المركز الحيوي والاستراتيجي، ولا يمكن أن يختلف اثنان على أهلية البحرين في استضافته، وهذا قرار سيادي يعود للقيادة البحرينية التي تشهد لها مختلف الأطراف في المجتمع الدولي برصيد عالي من الثقة والمصداقية.

هل توجد غرف عمليات لإدارة الأزمات والتعامل معها؟

لكل بلد خطة وإستراتيجية وربما تتفاوت نجاعتها وأداؤها وقيمتها من بلد لآخر لمعالجة الكوارث في حال حدوثها من خلال قوات الأمن والقوات المسلحة وقوات الدفاع المدني وجمعيات الصليب الأحمر، لكن مسالة مجابهة تحدي الكوارث الطبيعية لا يجب أن تكتفي أو تقتصر على القوة الذاتية بل يجب إيجاد إستراتيجية عربية واتخاذا الإجراءات اللازمة في حال حدوثها وهذا يتطلب عمل عربي مشترك على كل المستويات الدفاعية والأمنية والمجتمع المدني وحتى الفرد من خلال تطوير روح المواطنة كما في بعض البلدان المتقدمة مثل سويسرا والصين حيث أن هناك خططا تعبوية يقوم من خلالها المواطن في حال حدوث كوارث من خلال تنشيط المنظمات الكشفية والخيرية وإدماجها في خطة عمل مشترك إقليمية أو دولية.

دروس وعبر

لماذا يتبع العرب النموذج الغربي في تعامله مع الأزمات؟

العالم الغربي عاني من أكثر الكوارث حيث شهد أكبر نزاعين مسلحين في العالم وهما الحربين العالميتين الأولى والثانية والتي تلقن من خلالها الغرب كدول وأفراد أبلغ الدروس والعبر، أولا في تفادي الحرب والقضاء على كل ما من شأنه أن يتسبب فيها وهذه فلسفة مهمة في الحضارة الإنسانية.

حيث كانت أوروبا مسرحاً للتنازع والتطاحن والتنافس العنيف والطمع الإستراتيجي، ولكن تحولت بفضل القيادة الجديدة في فترة ما بعد الحرب إلى أكبر تجمع اقتصادي وتجاري عالمي وهو الاتحاد الأوروبي، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية التي أصبحت قوة اقتصادية كبرى في العالم بعد أن نخرتها الحروب الأهلية والنزاعات.

العرب بحاجة إلى إعادة النظر في الخلافات والصراعات بينهم وتحويلها إلى نقاط قوة وتكامل لبناء العمل العربي المشترك وبناء الوحدة بعيداً عن الشعارات الفضفاضة والدخول في نماذج وحدوية تركز على الإنسان والفرد وحرياته وحقوقه وتوسيع مجالات الفكر الخلاق والبحث العلمي والتربية الهادفة لبناء العنصر البشري المستقبلي.

ويجب أن تركز النظرة الإنمائية العربية على العنصر البشري ومحيطه وبيئته من خلال بناء مشاريع هادفة تخدم الإنسان الذي بجب أن يكون محور التنمية وليس غيره، وهذا يتطلب مراجعة شاملة لبرامجنا التربوية ومفهومنا للمواطنة وتطوير التركيبة الذهنية العربية لتساهم في بناء الإرث الإنساني بعد أن توقفت لفترة طويلة لا سيما وان تاريخ الإنسانية زاخر بالإسهامات العربية في الحضارة الإنسانية.

المنامة ـ غازي الغريري