وصف محمد فائق وزير إعلام مصر عام 1967 في الحلقة الثانية والأخيرة من حواره مع «البيان» زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى القدس بأنها مصيبة وسبب بلاوي مصر. وحمَّل العرب جزءاً من مسؤوليتها. وأشار إلى أن خلافه معه كان بسبب العلاقة مع أميركا وكيف يراها كل منهما من وجهة نظره. وتطرق إلى مواضيع أخرى عدة.. وهذه هي المحصلة.

* توليت وزارة الإعلام مجدداً في عهد الرئيس السادات بعد استقالة «هيكل».. من الذي رشحك للعودة؟ ـ السادات هو الذي رشحني فقد كانت علاقتي به طيبة للغاية ولو لم أبادر بالاستقالة في 15 مايو لوصلت لقمة السلطة.. السادات كانت لديه قناعة بأن أميركا تملك 99% من أوراق اللعبة وأن المشكلة لم تكن بين مصر وأميركا بل بين أميركا وعبدالناصر، وبما أن عبدالناصر مات فيمكن أن تحل مع الأميركان، أما أنا فرأيي أن المشكلة بين أميركا ومصر، ولذلك عمد السادات إلى تأجيل الحرب رغم أن توازن القوى في 1971 كان أفضل بالنسبة لمصر من 1973، فلما رفض السادات تفعيل اتفاقنا في مجلس الدفاع بشن الحرب استقلت. * قيل إن استقالتك مرتبطة بمحاولة منع السادات من دخول مبنى التلفزيون؟ ـ هذا لم يحدث، وهذا محض خيال، ولا أساس له من الصحة، فصحيح أنني أعلنت استقالتي قبل أن يقبلها السادات، احتجاجاً على تأجيله لقرار الحرب بعد أن اتفقنا عليه وحددنا ربيع 71 موعداً مبدئياً وتركنا له تحديد اليوم والساعة مع الفريق محمد فوزي وزير الدفاع.

وبالخطة «جرانيت1» التي وضعها جمال عبدالناصر؟

نعم وكانت تتضمن السيناريو الذي حدث في 73 كاقتحام خط بارليف وتذويب الساتر الترابي بخراطيم المياه والعبور بالزوارق المطاطية كما شرح الفريق فوزي في كتابه.

ليس صحيحاً إذن أنكم خططتم للإطاحة بالسادات؟

إطلاقا.. بل السادات كان يرغب في الخلاص من رجال عبدالناصر معتقداً أن هذا سيسهل تعاونه مع أميركا لحل المشكلة.

لكن البعض يقول إن هيكل هو صاحب فكرة أن 99% من أوراق اللعبة في أيد أميركا؟

هذه فكرة السادات أساساً.

هيكل يؤكد في «خريف الغضب» وهو كتاب بعيد كل البعد عن الانحياز للسادات أنكم وضعتم تليفونات كل من يتصل بهم السادات تحت المراقبة أي أن تليفونه كان مراقباً بشكل غير مباشر؟

رغم أنني لست مسؤولاً عن رقابة التليفونات كوزير للإعلام ولا حتى الفريق فوزي وزير الدفاع، فإن معلوماتي تقول إن هذا غير صحيح وأنه تم اختراع مثل هذه الحكايات لتبرير انقلاب القصر.. السادات لم يراقب إطلاقا فلم يثبت أبداً أن وضع تليفون السادات تحت المراقبة.

تليفون السادات لم يراقب لكن الرقابة تمت على تليفونات من يتصل بهم بشكل دائم مثل هيكل؟

عمر ما تليفون هيكل وضع تحت المراقبة.

إذن ما هو تبريريك لإرسال السادات لابنته في طلب هيكل في ذروة أحداث مايو بدلاً من مهاتفته؟

هذه قصص رويت لزوم إخراج سيناريو الانقلاب الساداتي.. لم يكن هناك أي تخطيط لقلب نظام الحكم فهذه هي المجموعة التي جاءت بالسادات.. الاختلاف كان حول الحرب فعندما استشعرنا أنه لا يرغب في دخول الحرب بنا قال بعضنا «نمشي ونسيبه يحارب» خصوصاً أن الجيش كان جاهزاً، أي أنه بعد رحيلنا بدأ الضغط الشعبي يزداد عليه وكتبت هذا في استقالتي قائلاً «لدواعي الأمانة بيني وبين نفسي وبيني وبينك أنا لم أعد قادراً على الاستمرار في منصبي ولذلك أقدم استقالتي وسأكون جندياً في خدمة مصر».

هل أعلنت الاستقالة مسببة؟

لا.. لم نذكر الأسباب لدواعي سرية المعركة، فلا يمكن أن نتحدث عنها على الملأ فوظيفتي كوزير الإعلام هي تهيئة الناس للمعركة واستعادة ثقة المواطن ومصداقية إعلام الدولة، فلم نكن نقول أي كلمة دون أن نتأكد منها لدرجة أنني فوجئت بالسفير بيرجس المسؤول عن مكتب رعاية المصالح الأميركية يقول لي تعليقاً على إحدى معارك حرب الاستنزاف «أنتم أسقطتم عدداً من الطائرات الإسرائيلية أكبر من العدد الذي أعلنتموه»، وهناك قصة الغواصة الإسرائيلية التي نجحنا في تدميرها في حرب الاستنزاف لكننا لم نستطع أن نعلن ذلك لأننا لم نتأكد من تدميرها، وإسرائيل هي التي اعترفت بذلك بعد الحرب.

السادات فسر الاستقالة الجماعية على أنها «محاولة لخلق فراغ دستوري» على حد وصفه؟

السادات كان يضفي اللمسات الإعلامية على انقلابه، وركز على كلمة كانت متداولة بين شعراوي جمعة، وزير الداخلية، وعلي صبري، نائب الرئيس، وهي «لما يكون فوزي جاهز» وفسروها على أنها جهوزية للانقلاب وليس للحرب كما هي حقيقة الأوضاع.

ضياء الدين داوود اعترف في حوار خاص بأنكم أخطأتم التقدير عندما رفضتم الإطاحة بالسادات قائلاً إن الميول الأميركية للرجل كانت واضحة جداً؟

أنا شخصياً أرفض هذا، ولا أعتبر السادات أميركيا، فهو وطني بلا شك لكن حساباته خاطئة.. «مش عايز أقول مش وطني لكنني أرفض منطق التخوين، مش كل واحد رأيه مختلف عن رأيك تقول عليه خاين، ده رئيس دولة».

اختلفت إذا مع جريدة «العرب» عندما وصفته ب«الخائن الأعظم»؟

مفيش شك.. فلا يجوز أن نهيل التراب على قادتنا عندما نختلف معهم.

بمناسبة «لما يجهز فوزي» هيكل عرض في «خريف الغضب» وثيقة أمر قيادي من الفريق فوزي للفريق محمد صادق في 21 أبريل 1971 باتخاذ عدد من الخطوات لتأمين القاهرة بترتيب مع المخابرات الحربية والفرقة السادسة الميكانيكية؟

مثل هذا الأمر طبيعي جداً، فتأمين القاهرة مسؤولية وزير الدفاع.

كيف رأيت زيارة السادات للقدس؟

مصيبة. ففي هذه الزيارة أعطى السادات هدايا مجانية كثيرة للإسرائيليين دون أن يحصل على ثمنها ورأيي أن «البلاوي» الكثيرة التي حدثت لنا بدأت مع هذه الزيارة، لكن هذا لا ينفي مسؤولية العرب عما حدث فبعد «كامب ديفيد» كان عليهم أن يحتضنوا مصر لا أن يستبعدوها بقطع العلاقات.

بصراحة هل ارتحت لمقتل السادات بعد حادث المنصة؟

أنا لا أحب منهج الاغتيالات، لكن بمجرد حدوث الواقعة عرفت أن كل متاعبي في السجن ومع السجانين انتهت لكن هذا لم يمنعني من القلق على مستقبل مصر فلم أكن أعرف من الذي يقف وراء الاغتيال ولا السلطة التي سيؤول لها الأمر.. صحيح أن مبررات سجني في اعتقالات سبتمبر انتهت، وهذا أمر أسعدني، لكن القلق على مستقبل البلاد لم يسعدني.

اعتقالات سبتمبر شملت هيكل عدو الأمس القريب.. كيف وجدته؟ هل تعاملتم مع الرجل الذي هندس انقلاب مايو؟

المعتقل لم يضم هيكل فقط، فقد ضم أيضاً أحمد حسن الزيات الرجل الذي اقتحم مكتب وزير الإعلام واستلم بدلا منى، وحكى لنا قصصاً مرعبة عن الأحكام التي وضعت لنا، خصوصاً أنه كان مقرباً جداً من السادات، وعرفنا منه أن السادات كان «ناوي يعدم عدد معين من الذين سماهم مراكز القوى».

مثل من؟

علي صبري وشعراوي جمعة وسامي شرف وفريد عبدالكريم.

السادات إذن هو الذي وضع الأحكام؟

حسب رواية الزيات أو بالأحرى اعترافاته لي، فإن بدوي حمودة، أحد قضاة المحكمة، رفض أن يصل الأمر إلى الإعدام، وقال للزيات «لو ده حصل.. هرمي نفسي من كوبري قصر النيل»، فالزيات أبلغ السادات فثار في وجهه، وقال له «قل له هينفذ ويبقى يرمي نفسه من الكوبري».

ولماذا لم تحدث الإعدامات؟

الذي أوقف الإعدامات هو الجيش، فالمحكمة العسكرية التي كانت تحاكم الفريق محمد فوزي رفضت إعدام واحد من أهم رموز العسكرية المصرية، فأسقط في يد السادات فكيف يعدم قادة الانقلاب دون أن يعدم وزير الحربية الذي هو حلقة التنفيذ الرئيسية للانقلاب «الذي تحدث عنه» وبالتالي تم الترتيب مع المستشارين لتخفيضها إلى المؤبد، وهذا ما تم.

وهل أبدى الزيات ندمه على تعاونه مع السادات؟

نعم ندم ندماً شديداً فالرجل وضعه في السجن «بمجرد أن اختلف معه».

وماذا عن هيكل.. هل تعاملتم أو حتى تناقشتم معه في السجن؟

الكلام عن هيكل في هذا الوقت خطأ حتى لا أساهم في الحرب الدائرة عليه لكننا اتفقنا على أن السادات أجهض نصراً كبيراً وأن السياسة خذلت ما حققه الجنود.

رغم سنوات الألم في السجن فإنك رفضت التقدم بالتماس للعفو عنك؟

لأنني كنت على قناعة بأن الاعتذار للسادات معناه أن أفقد نفسي للأبد وهذا ما قلته للقيادة الأمنية الكبيرة التي جاءت تبشرني بقرب الإفراج عني إذا تقدمت باعتذار مكتوب وهذا أقصى درجات الصدق مع النفس وهذه الكلمة ضايقت السادات جداً فكيف لي أن أعتذر لشخص سجنني 5 سنوات دون أي ذنب؟!. وقلت وقتها «إذا كان هناك من ينبغي أن يعتذر للآخر فهو المطالب بالاعتذار لكن أن أعتذر عن خطأ لم أرتكبه فسأفقد نفسي إلى الأبد أما إذا كان لي عمر فسأخرج» وأذكر أن السادات حكى هذه القصة بنفسه لعبدالقادر حاتم.

هل هناك من رفض كتابة الالتماس مثلك؟

علي صبري رفض ومحمد عروق وفريد عبدالكريم.

من الذين تتذكرهم من نجوم الإذاعة في ذلك الوقت؟

طبعاً أحمد سعيد الذي أصيب بالانهيار بعد صدمة يونيو وأميمة عبدالعزيز التي رفضت الانضمام للتنظيم الطليعي وعباس أحمد وسميرة الكيلاني وهمت مصطفى وكانت «عظيمة جداً لكنها فعلت أشياء ساذجة في الفترة الأخيرة بعدما التقت بالسادات» وطبعاً ليلى رستم وحمدي قنديل.

الثورات الإفريقية

بوصفك مسؤولاً عن ملف إفريقيا في المخابرات ثم رئاسة الجمهورية هل توافق على حق تقرير المصير للسودان؟

بكل تأكيد فلم يكن ممكناً الاحتفاظ بالسودان بحق الفتح، علماً بأن الاعتراف بحق تقرير المصير للسودان هو الذي سمح لنا بالانطلاق في إفريقيا، وكان هناك أمل في الوحدة على أن تكون طوعية وهذا هو الفارق بين ناصر وصدام.

لكن ما رأيك في إسناد ملف السودان لصلاح سالم عديم الخبرة؟

صلاح شخص ذكي جداً «وعمل حاجات كويسة وحاجات وحشة» إلى أن أسند الملف لزكريا محيي الدين وأنا معه وكنت آمل أن نحتفظ بوحدة طوعية مع السودان.