في هذه الحلقة الأخيرة يختم المؤلف متابعته لخصائص عام 1959 الذي توافينا في الوقت الحالي ذكراه الخمسون.. وتركز الحلقة على أنه العام الذي توصّل إلى الأقراص الدوائية التي أتاحت إمكانات السيطرة على عمليات التكاثر والإنجاب فيما أصبح يعرف بعد ذلك باسم تنظيم أو تخطيط الأسرة.
وتتابع الحلقة عبر الفصل الخامس والعشرين وهو الفصل الختامي من الكتاب ما شهدته الولايات المتحدة والعالم من مقولات عن اختصار المسافات عبر كوكب الأرض سواء بفضل الطيران النفاث أو مع احتدام السباق الفضائي بين القطبين الروسي والأميركي مما اعتبره المؤلف إرهاصا بظاهرة العولمة التي بدأت بمقولة القرية الكونية مع الستينات وتجسدت فعلا بفضل منجزات التشبيك الالكتروني مع عقد التسعينات من القرن العشرين.«اندروميدا تتحرر من قيودها».. هذا هو عنوان الفصل الرابع والعشرين وهو الفصل قبل الأخير من كتابنا. فمن هي اندروميدا.؟باختصار شديد هي اسم يعرفه دارسو الميثولوجيا .. الأساطير أو الخرافات التي تحفل بها كلاسيكيات التراث الموروث عن حضارة اليونان. وترمز اندروميدا إلى الأنثى فائقة الجمال.. لكن شاءت أقدارها أن تدخلها ضمن صراعات بين البشر والأرباب المعبودين لدرجة أن قيدّوها على نحو ما تقول الأسطورة وقيدوا فيها خصوبة الأنثى التي لم تعد لها سيطرة على التكاثر أو الإنجاب. لكن ها هو الفصل 24 من الكتاب يبشر بأن أندروميدا تحررت من قيودها.
والمعنى أن لاحت تاريخيا فرصة السيطرة أو التحكم في قرار وعملية الإنجاب. لهذا يفتتح الفصل بالسطور التالية (ص221):
قرب نهاية ديسمبر من عام 1959 تمت مقابلة (يمكن وصفها بأنها تاريخية) بين اثنين من علماء أميركا هما: الدكتور أروين ونتر مدير البحوث الطبية في شركة سيرل الصيدلانية في شيكاغو، والدكتور جون روك أستاذ الطب في جامعة هارفارد وكان يعد في طليعة اختصاصيي بحوث الخصوبة في طول الولايات المتحدة وعرضها.
مكان اللقاء كان مكتب إدارة الأغذية والعقاقير الطبية في واشنطون وهي الدائرة الاتحادية المسؤولة عن اعتماد كل ما يستجد في عالم الأغذية والأدوية بفضل الاكتشافات أو التطويرات أو الاختراعات.
حكاية انفويد
أما سبب اللقاء، وكان سببا تاريخيا بالغ الخطورة بدوره، فيتلخص فيما يلي بإيجاز شديد في طلب الموافقة على عقار جديد توصل إليه الباحثان الطبيّان ويحمل الاسم التالي «انفُويد».
كان هذا بداهة هو الاسم العلمي أو العنوان الطبي المطلوب تسجيله وإقراره واعتماده. أما الاسم المأهول.. الشعبي إن جازت التسمية فهو ببساطة ما يلي: حبة السيطرة على الحمل.. أو حبة منع الحمل أو حملة تنظيم الإنجاب.
ويقول مؤلف الكتاب في هذا السياق، إنه كان من شأن موافقة الإدارة الاتحادية المختصة في الولايات المتحدة أن تشكل تتويجا لما أمكن أن تنجزه سيدتان بلغتا وقتها سن الثمانين من العمر هما: مرغريت سانجر وكاثرين ماكورمك.
الأولى قادت حملات متحمسة منذ بدايات القرن العشرين تدعو إلى أن تنال المرأة الحق في تنظيم ما يخصها من حالات الحمل وعمليات الإنجاب. والثانية اقتنعت بهذه الدعوة فكان أن مولت محاولات تطوير العقار المنشود إلى حيث التوصل إلى الحبة الدوائية التي التمست القبول من الدائرة المعنية مع الأيام الأخيرة من ديسمبر عام 1959.
على أن سطور هذا الفصل من الكتاب توضح بإسهاب بحثي من جانب المؤلف مدى صعوبة الطريق ومدى فداحة العقبات التي صادفت العاملين في هذا المجال، سواء من حيث استبعاد إمكانية تنظيم الإنجاب أو من حيث علاقات هذه الجهود ونتائجها بالتعاليم الدينية أو الأعراف الاجتماعية.
مشادة في مكتب حكومي
أكثر من هذا كانت هناك عقبة بيروقراطية لا تتصل لا بالجانب العلمي التقني ولا بالجانب الديني الأخلاقي.. بل تتصل ببساطة بطبيعة أداء الإدارة الأميركية المختصة باعتماد العقار الجديد بكل نتائجه الخطيرة بل الثورية كما قد نسميها. والمشكلة أن كانت إدارة الأغذية والعقاقير الاتحادية في واشنطن فقيرة في عدد الموظفين الاختصاصيين، بل خائرة القوى أو تكاد تكون بفعل ما تلقته وقتها من طلبات باعتماد أدوية وعقاقير حديثة الاكتشاف بلغ عددها وقتها ـ كما يبين المؤلف (ص228) أكثر من 4 آلاف طلب.
من هنا كان على أستاذيْ الطب أن ينتظرا أكثر من ساعة ونصف إلى أن أتيح لهما لقاء الموظف المختص. زاد على ذلك أن كان المذكور طبيبا شابا مختصا بأمراض النساء اسمه «باسكال دي فيلبس»، فما بالك إن كان صاحبنا موظفا غير متفرغ لدى الإدارة، فضلا عن افتقاره إلى رخصة لممارسة الطب من جانب هيئة البورد الأميركي الكلية الاحترام.. حاول الطبيب المبتدئ الشاب أن يجادل الأستاذين صاحبْي الاكتشاف فلم يجد ما يثيره سوى اعتراضات الكنيسة الكاثوليكية.. فما كان من الدكتور «روك» إلا أن رد عليه قائلا:
ـ يا فتى.. لا تحاول أن تبيع لي كنيستي: أنا أوْلى بها.
يستطرد المؤلف قائلا:
ـ كان لابد وأن تصل المقابلة إلى ختامها حين جمع الشاب دي فيليس المذكرات قائلا:
ـ حسنا.. سوف أراجعها مرة أخرى وسوف تسمعان مني بعد ذلك.
هنالك أمسك الدكتور روك ياقة الموظف المختص قائلا:
ـ بالعكس.. أنت سوف تحسم الأمر في التو واللحظة.
عن هذا الموقف حكى الدكتور روك بعد ذلك موضحا أن الموظف الشاب امتثل وقرر قبول الطلب وسارت الأمور في الطريق المعتاد. وكان طبيعيا أن استغرقت إدارة الاعتماد المختصة نحوا من خمسة أشهر أخرى لتفحص البيانات والدراسات مع استشارة عدد كبير من أهل الاختصاص.. وبعدها أصدرت قرارها باعتماد العقار الجديد الذي عرفه الناس شعبيا باسم «حبة منع الحمل».. وكان ذلك يوم 11 مايو عام 1960.
الآفاق الجديدة
يحاول المؤلف أن يختصر هذا التميز وهو الذي جعل من عام 1959 .. ربما في ذكراه الخمسين هذه الأيام.. محورا.. هل نقول بطلا، تحتفل به سطور هذا الكتاب.. هذا الاختصار يورده المؤلف مع سطور الفصل الختامي.. الخامس والعشرين من فصول هذا الكتاب.. وعنوانه كالتالي: آفاق جديدة.
من جانبنا نوافق مؤلفنا على هذا العنوان على ضوء ما سبق وعرضته السطور، فضلا عن استعراضنا التحليلي لمضمونها، من إنجازات تمت على مدار عام 59 وأصبحت في حكم التحولات الجذرية ـ التاريخية أحيانا ـ في مسار التطور الإنساني.
بين سطور هذا الفصل يرصد المؤلف بدايات الظاهرة التي تقول بانكماش أو تقلص مساحة كوكب الأرض.. هي الظاهرة التي لخصّتها مع مطلع عقد الستينات العبارة المنسوبة إلى أستاذ نظريات الإعلام الأشهر «مارشال ماكلوهان» في مقولته عن القرية العالمية.. أو الحّلة الكوكبية (غلوبال فِلدِج) أو أن العالم أصبح مجرد قرية الكترونية..
وبديهي أن كان في هذا إرهاص بظاهرة العولمة (غلوباليزم) التي تجلت بوضوح أشدّ مع سنوات عقد التسعينات من القرن العشرين خاصة وقد أمكن تطوير أدوات الحاسوب الالكتروني ما بين الستينات إلى تلك التسعينات التي أتيحت فيها امكانات التشبيك على مستوى المعمورة.
في سنة 1959 .. يضيف مؤلف الكتاب.. ساد هذا الشعور بأننا نعيش على سطح كوكب صغير أو أنه أصبح صغيرا بعد أن تقلصت المسافات، لا بين الأقطار وحسب، ولكن بين قارات اليابسة ومساحات البحر المحيط. كان هذا على المستوى الأفقي كما قد نقول. أما المستوى الرأسي فقد تعرّض لنفس ظاهرة التقلص أو الانكماش بعد أن اخترقت السفن الفضائية مدار الجاذبية الأرضية ودارت حول الشمس.. وبدأت تطرق أبواب أو أجواز النظام الشمسي ذاته.. ثم تتطلع بالطموح العلمي والأحلام المقنّنة إلى ملامسة سطح القمر (وهو ما تحقق بعد سنة 1959 بعشر سنوات بالتمام والكمال).
الشعلة في أيد جديدة
هكذا تمت عمليات الاختصار سواء للمسافة الأفقية أو الرأسية أو لقوانين السرعة أو الجاذبية أو الحركة سواء فيما بين مواقع كوكب الأرض أو بين محيط هذا الكوكب وما يحدق به من أجسام فلكية وأجرام يصدق عليها القانون الرباني.. وكلٌ في فلك يسبحون. كان هذا هو الجانب العلمي والاستشرافي لما جاء به عام 59 من آفاق أو حدود جديدة يتطلع إليها البشر. أما على الصعيد الاجتماعي السياسي بالذات .. فقد تمثلت خصائص عام 59 في مقولة إنه العام الذي أتيحت فيه الفرصة للشباب.. الفتوة.. العنفوان.. الأمل.. التطلع نحو الغد.. بكل ما تحمله هذه الألفاظ والمسميات من معان ودلالات..
وكانت الولايات المتحدة على نحو ما يشير المؤلف.. هي الأرض التي تلقت بذور هذا التطلع الشبابي نحو المستقبل.. وقد عبّر المشهد السياسي الأميركي عن هذا التطلع في العبارة التي اشتهرت في أيام 1959 .
وهي: زلقد انتقلت المشكلة إلى أيد جديدة. وبشكل عام كانت هي أيدي جيل من الشباب، وبشكل خاص انتقلت مقاليد الأمور في القرار السياسي الاستراتيجي الأميركي إلى يد «جون فيتزجيرالد كينيدي» الذي اختاره مواطنوه لشغل منصب الرئاسة الأولى بالولايات المتحدة مع الأيام والأسابيع الأخيرة من عام 1959.
كان الرئيس الجديد الشاب يجسّد شيئا وصفه الكاتب نورمان ميلر بأنه «حلم الحياة للأمة» وكان ميلر يرى ويكتب أيضا أن الأميركيين طالما عاشوا حياة مزدوجة ما بين أسلوب طاف على السطح يتسم بالروح العملية والسلوكيات الواقعية بما يبعث على الملل إلى حد لا يكاد يصدَّق، وما بين نهر عميق الأغوار بموج تحت السطح برغبات وأشواق عاتية ورومانسية فريدة يتميزون بها عن الآخرين.
وعود الغد الآتي
لذلك كان اختيارهم للسياسي المثقف الشاب جون كينيدي تعبيرا عن نزعة مبطنة من الخيال أو الحلم المخبوء.
وفي كل حال لم يكن المرشح الشاب ومن ثم الرئيس الجديد سوى وعد بالتغيير يطمح الأميركيون إلى تحقيقه، سواء بالتفوق على المنافس السوفيتي في معمعة الحرب الباردة أو في إحراز نقطة لصالحهم في سباقات الفضاء التي اشتدت في عام ,59. أو بالتغلب على مواريث التفرقة العنصرية التي طالما استبّدت بالمجتمع الأميركي.
ورغم أن الرئيس كينيدي لم يحقق الكثير من هذه الوعود، ولا استطاعت رئاسته أن تجسد معظم المعقود عليها من توقعات، إلا أن حقبة الفرص المجهولة والمخاطر التي مازالت في «علم الغيب» كما أسماها الرئيس نفسه.. ظلت تتعايش مع جموع الأميركيين مع انقضاء أيام 1959 وكأنها تعدّهم لسنوات الستينات التي مازالت حوليات التاريخ الحديث في الولايات المتحدة والعالم تصفها بأنها «عقد التمرد».
وهو أيضا عقد التطرف مابين تحقيق الإنجازات الباهرة مثل النزول على سطح القمر، وفي المقابل أزمة التورط في صراع أودى بحياة مئات الآلاف من البشر في حرب بغير طائل أشعلت أميركا أوارها في أدغال فيتنام. في كل حال أيضا.. فقد كانت البشرية في عام 1959 تكاد تقف عند حافة الغد، وكان هذا الغد يوما (أو عهدا) جديدا كان كفيلا بأن يجترع معجزات بقدر ما يسبب كوارث وفي غضون لحظات خاطفة.. هو ذلك الغد الذي ما برح يلاحقنا في أفكارنا وأحلامنا حتى كتابة هذه السطور.
الصفحات: 322 (متوسط)
الكتاب: .1959. السنة التي غيّرت العالم
تأليف: فرد كابلان
عرض ومناقشة : محمد الخولي
الناشر: جون ويلي، نيوجيرسي، 2009

