هذه الحلقة تتناول جهود الخارجية الأميركية في استثمار وتطوير ما أصبح يعرف باسم «القوة الناعمة» لقطبي الحرب الباردة الروسي والأميركي.. وفي هذا الإطار اهتمت أميركا بتعليم اللغات الأجنبية لدبلوماسييها ومتابعة نتائج مؤتمر باندونغ الذي كان باكورة اجتماعات حركة عدم الانحياز مع ما أسفرت عنه قمة باندونغ من عقد مؤتمر تضامن الشعوب الآسيوية ـ الإفريقية في القاهرة وهو الحدث الكبير الذي استرعى اهتمام زعيم جماعة المسلمين ذوي الأصل الإفريقي في أميركا التي عرفت باسم «أمة الإسلام»..

كما تعرض الحلقة لما شهدته هذه الفترة من تطوير وتفعيل نضالات حركة الحقوق المدنية المطالبة بإنصاف مواطني أميركا من الملونين الذين عانت أجيالهم من صنوف الظلم والاضطهاد وعدم المساواة.. إلى أن اشتد ساعد حركتهم على يد زعماء ذكرت الحلقة في مقدمتهم مارتن لوثر كينغ ومالكولم اكس.

جاءت سنة 1959 بظاهرة غير مسبوقة.. يلخصها عنوان الفصل الخامس عشر من الكتاب في العبارة التالية: لغة الدبلوماسية الجديدة. ولأن الكتاب يركز أصلا على المجتمع الأميركي، ولأن المؤلف يتصف أصلا بالمهارة والخبرة الصحافية، فهو لا يتورع عن مصارحة قارئه في مستهل الفصل المذكور بأكثر من حقيقة كانت أمرا واقعا على مستوى السياسة الخارجية والعمل الدبلوماسي بالولايات المتحدة في الهزيع الأخير من عقد الخمسينات من القرن العشرين.

من هذه الحقائق ما يلي:

إن أميركا كانت تشرع في تلك الفترة في استعراض عضلاتها كقوة فاعلة تريد أن تؤثر وتقود على مستوى العالم.

ومنها أيضا: إن أميركا لم تكن في تلك الفترة أيضاً مؤهلة بصورة جيدة من أجل الاضطلاع بهذا الدور.

يقول المؤلف في هذا الخصوص: لم تكن الولايات المتحدة.. شعبا أو ساسة، ولا حتى على مستوى مبعوثيها الدبلوماسيين تعرف سوى النذر اليسير عن بقية عالم ذلك الزمان.. ثم يردف المؤلف قوله: في ربيع عام ,1958. تم إجراء دراسة استقصائية رسميا تكشف عن أن أقل من نصف موظفي ومسؤولي السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية الأميركية كانت لديهم القدرة على أن يتكلموا لغة أجنبية.

برنامج عاجل للغات

إزاء هذه الحقيقة سارعت الخارجية الأميركية بإنشاء برنامج مكثف وعاجل لتعليم اللغات الأجنبية في إطار المعهد الدبلوماسي التابع لها.. وما ان حلّ خريف عام 1959، وهو كما نكرر محور طروحات الكتاب الذي بين أيدينا، حتى اقتصر الأمر على نسبة 15 في المئة فقط من ملاك موظفي الخارجية الأميركية هم الذين كانوا يفتقرون إلى المهارات اللغوية المطلوبة للعاملين في السلك الدبلوماسي خارج الحدود.

ماذا عن الشرق الأوسط؟

يجيب الكتاب موضحاً (ص 125) أن «هارولد هوسكنز» مدير المعهد الدبلوماسي وقتها اعترف صراحة أن الأمر بحاجة إلى عمل مستفيض بالنسبة لتعلّم وإجادة اللغات المحلية في الشرق الأوسط.. مضيفاً أن الأمر ينطبق كذلك على مناطق أخرى مثل إفريقيا وآسيا بوصفها أصبحت مؤثرة على ميزان القوى في غمار منافسات الحرب الباردة التي كانت مستعرة وقتها بين معسكري الشرق والغرب.

مرة أخرى كان الأمر بحاجة إلى أنشطة دبلوماسية لابد وأن تبذلها أميركا في طول العالم وعرضه.. يقول المؤلف في هذا السياق: كان ثمة هدف محوري يتطلب من سياسة أميركا الخارجية وقتها أن تجذب سائر الأمم والشعوب بعيدا عن تيار الشيوعية حيث يقف (ما كان يوصف بأنه) معسكر العالم الحر..

هنا يضيف المؤلف: هذا هو السبب الذي أصاب المسؤولين الأميركيين بقدر لا يخفى من التوتر الغاضب أو هذا السخط المتوتر إزاء صعود ظاهرة حملت من يومها اسمها الشهير: حركة عدم الانحياز. وقد تألفت كما يوضح كتابنا (ص126) من قادة وزعماء الثورات الوطنية الكاريزميين الذين أرادوا أن يشقوا طريقا مستقلا عن كل من واشنطن وموسكو.. وكثير من هؤلاء القادة كانوا في الشرق الأوسط وفي إفريقيا وآسيا حيث كان دبلوماسيو أميركا ؟ كما أوضحنا ؟ يعانون في معظمهم من ضعف القدرات اللغوية.

هواجس القلق

أكثر من هذا.. زادت هواجس القلق في دوائر واشنطن. لماذا؟

لأن موسكو بدت وكأنما شمرت عن ساعد العمل من أجل اجتذاب هؤلاء الزعماء، ومن ثم اجتذاب شعوبهم إلى صف روسيا فيما بدت كفة المنافسة ترجح لصالح الكرملين.

ثم كان هناك درس باندونغ الذي استمع إليه العالم قبل سنة 59 بخمس سنوات.

هنا يعود بنا المؤلف إلى مشروع حلف «سياتو» الذي كان قد دعا إلى إنشائه وزير خارجية أميركا الأسبق جون فوستر دالاس ليحل محل الفراغ الذي خلّفه انسحاب الاستعمار الفرنسي من منطقة الهند الصينية في جنوب شرقي آسيا. يومها بادرت حكومات عدة في المنطقة إلى رفض هذا المشروع على أساس أن لا تحل وصاية أميركية محل الهيمنة الفرنسية، وتصدرت هذه المقاومة حكومات وطنية كانت قائمة في الهند وسريلانكا وبورما واندونيسيا.. وأسفرت هذه المقاومة السياسية عن روح جديدة كان لها أصداؤها على مستوى العالم كله.

يقول مؤلف الكتاب: لم تمض سنة على هذا الرفض حتى جاءت سنة 1955 لتشهد دعوات وجهت إلى زعماء 25 دولة أخرى من آسيا وإفريقيا وكانوا في مجموعهم يشكلون أكثر من نصف سكان عالم تلك الفترة ؟ إلى حضور مؤتمر جامع في باندونغ، اندونيسيا، حيث كان مولد حركة عدم الانحياز، وحيث صدرت «وثيقة باندونغ الختامية» كي تدين «الاستعمار بكل أشكاله ومظاهره» وبذلك شكلت الوثيقة انتقادا موجها إلى الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة على السواء.

ولم يفت هذا التجمع من زعامات العالم الثالث على اهتمام جماعات الملونين ذوي الأصل الإفريقي في أميركا. ثمة جمعية للسود الأميركيين غطت وقائع مؤتمر باندونغ وعاد مندوبها ليكتب قائلا في وضوح قاطع ما يلي: جاء انعقاد باندونغ ليشكل نقطة تحّول في تاريخ العالم.. جاء بمثابة تحد واضح لا لبس فيه ضد التفوق الأبيض.. وكان تحديا من جانب شعوب العالم من ذوي البشرة الصفراء أو السمراء.

البغض يولد البغض

يعلق المؤلف على هذه الأحكام قائلا: كان التمييز العنصري ضد ذوي البشرة السوداء يشكل عارا في أميركا.. وكان مفعما بسلوكيات الفصل بين البيض والسود الذين تعرضوا لصنوف القمع الوحشي بل والقتل على هوية اللون فضلا عن ضروب اللامساواة السافرة الصارخة. وقد ألقى هذا كله ظلالا قاتمة على ادعاءات الأمة (أميركا) بشأن الحرية والديمقراطية..

وعلى الجانب الآخر كان النشاط المحموم للدعايات الشيوعية التي لم تتورع بالطبع عن تضخيم أي حادثة من هذا القبيل تقع في أميركا.. وإذا ما كانت وقائع ونتائج باندونغ ستعمد إلى جعل المسألة العنصرية قضية مطروحة ضمن صراع الحرب الباردة.. فمن شأن ذلك أن يزيد من صعوبة الفوز في هذه الحرب أمام الولايات المتحدة.

في ضوء هذا كله كان المشهد العنصري في داخل أميركا يتغير ضمن مسارين أساسيين يعرض لهما المؤلف في سطور الفصلين 16 و17 على الوجه التالي:

أولا مسار «مارتن لوثر كينغ»: الزعيم الشاب الذي لم يكد يبلغ الثلاثين في عام 1950، ولكنه اختار أن يزور الهند بعد أن تأثر من قراءاته بفلسفة زعيمها غاندي بشأن عدم العنف والمقاومة السلبية والتقى هناك بالزعيم نهرو الذي حدثه عن «مسيرة الملح» التي قاد فيها غاندي مع مريديه جموع الشعب الهندي احتجاجا على احتكار سلطات الاحتلال البريطاني لمادة الملح في هند ـ الثلاثينات.. بعدها عمل الزعيم الأسود مارتن لوثر كينغ على تطبيق هذه الدروس التي شكلت دفعة قوية لحركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة.

ثانيا مسار «مالكولم اكس»: الفتى الأسود الذي شرح الله صدره لاعتناق الإسلام.. فكان أن حّوله الإسلام من حياة العنف والضياع والانحراف في حارات الشقاء والتعاسة بأحياء السود الأميركيين إلى حيث أصبح زعيما من أركان جماعة «أمة الإسلام» التي تأسست على يد «اليجا محمد». والمهم أن سنة 1959 بالذات هي التي شهدت أول عمل إعلامي وضع هذه الجماعة الرائدة من مسلمي السود في الولايات المتحدة في بؤرة اهتمام الحياة والناس والسياسة والشأن العام في أميركا.

حدث ذلك على وجه التحديد يوم 13 يوليه عام 1959. في ذلك اليوم أذاع التلفزيون الأميركي على حلقتين برنامجا وثائقيا عن جماعة أمة الإسلام بعنوان: «البغض المولود من البغض». ونجح البرنامج التلفزيوني في التعريف بالجماعة. وأصبح اسم «مالكولم اكس» ذائع الصيت في الداخل والخارج.

لقاء مع عبدالناصر

هنا تبادر فتسأل مؤلف كتابنا: أين كان مالكولم اكس في يوليو 1959؟ وها هو يجيب على الفور:

كان مالكولم اكس في زيارة للقاهرة ومنها إلى رحلة زار فيها السعودية ولبنان والسودان على مدار ثلاثة أسابيع. ثم تحكي سطور كتابنا أصل الحكاية (ص143 وما بعدها) على النحو التالي:

في سنة 1957 بعث مؤسس «أمة الإسلام» ببرقية تهنئة إلى الرئيس المصري (الزعيم العربي) جمال عبدالناصر يشيد فيها باستضافة ناصر لمؤتمر تضامن الشعوب الإفريقية ـ الآسيوية في القاهرة.. باعتبار أن انعقاد هذا المؤتمر جاء في إطار متابعة قرارات مؤتمر باندونغ وحركة عدم الانحياز.

ويضيف المؤلف قائلا: وأجاب ناصر على البرقية.. وبعدها تواصلت المراسلات بين الطرفين إلى أن وجه جمال عبدالناصر دعوة إلى «اليجا محمد» لزيارته في القاهرة..

وما كان من اليجا إلا أن طلب إلى مالكولم اكس أن يقوم بالزيارة نيابة عنه و.. هكذا انطلق مالكولم في رحلته التي التقى فيها بعبدالناصر إلى جانب زيارة عواصم عربية أخرى وفور عودة مالكولم إلى نيويورك.. لم ينقطع هاتفه عن الرنين بالليل وبالنهار: كان هناك الصحفيون والمراسلون الذين لم يكد يسمعوا قط عن اسمه بل ولا على جماعة «أمة الإسلام» من الأفرو- أميركيين الملونين الذين اعتنقوا ديانة محمد عليه الصلاة والسلام قبل أن يذاع برنامج مايك والاس على شاشات التلفزيون.. وكلهم كانوا متلهفين على أن يحدثهم ماكولم اكس عن رحلته إلى الشرق الأوسط وزيارته إلى ديار الإسلام فضلا عن أفكاره التي كانت تبعث رسائل شتى في وجدان عامة الأميركيين.

والمهم أنه بقدر ما غيّرت رحلة الهند ولقاء نهرو كثيرا من أفكار مارتن لوثر كينغ عن حركة الحقوق المدنية للسود في أميركا.. جاءت رحلة القاهرة واللقاء مع عبدالناصر وغيره من قيادات المسلمين على ارض إسلامية في الشرق الأوسط لتغير، أو بالأدق تصحيح افكار مالكولم اكس عن عقيدة الإسلام وتعاليمه، حيث محمد عليه السلام هو خاتم الرسل وحيث الإسلام هو ديانة التوحيد بقدر ما أنه دعوة لتحرير الإنسان وتكريم الإنسان والارتقاء بالبشر فوق أوضاع الطبقة أو لون البشرة أو جذور الأعراق إلى مستوى تحقيق العدالة وتفعيل الكرامة وتحقيق المساواة.

والمهم أن مالكولم اكس حرص على الربط بين هذه المعاني السامية من واقع التعاليم الروحية للإسلام وبين مشاركته كزعيم أميركي ملوّن في دفع حركة الحقوق المدنية إلى الأمام.