يعتبر الاتحاد الأوروبي نموذجاً ناجحاً للتكامل بين أعضائه عبر سنين طويلة استطاع خلالها رغم كافة العقبات خلق واحدٍ من أكبر الكيانات في التاريخ الحديث يضم بين جنباته قرابة نصف المليار من البشر يشكلون عملاقاً مالياً ضخماً في المقام الأول.. والأخير.
وإن كان الآباء المؤسسون للاتحاد من الفطنة بمكان بحيث أنهم سعوا إلى تجنيب خلفائهم ويلات الحرب العالمية الثانية التي دارت رحاها على أرض قارتهم العجوز المثخنة بجروح النزاعات وضمان عدم تكرارها، فإنهم في الوقت ذاته لم يتنبهوا إلى أن مقتل اتحادهم يكمن تحديداً في توسيع رقعته إلى الدرجة التي كاد معها أن يتمزق أو أنه تشظى فعلاً.
وإن بزغ فجر الاتحاد من رحم الحروب، فإن مقبرة تناقضات السياسة كانت كفيلة بأن تئده في مهده. واليوم وبانضواء 27 دولة مترامية الأطراف تحمل كل منها مصالحها الخاصة والمتناقضة بالضرورة تحت لواء بروكسل، يصعب على وجه التحديد معرفة من يقود من ومن يوجه الأخر في دهاليز السياسة الخارجية، في حين يبدو أن على دول العالم أن تتعايش مع فكرة اتحاد واحد ب27 سياسة مختلفة.
ولقد كانت أزمات البلقان خير دليل على حقيقة أن «الولايات المتحدة الأوروبية» ليست أكثر من قزمٍ سياسي يعجز عن تدبير شؤونه ومواجهة التحديات الطارئة مقارنةً بالولايات المتحدة الأميركية التي شن جيشها القادم من بعيد حربين في خاصرة أوروبا في البوسنة وكوسوفو في ما وقف الأوروبيون متفرجين ليلعبوا بعدها دور سائس الخيل الذي كان يقوم في الماضي بإيصال علية القوم في أوروبا إلى الحفلات الصاخبة وينتظرهم ليفرغوا من سهرتهم.
أما من الناحيتين الاجتماعية والثقافية فإن التكتل، الذي جهد في مراعاة مشاعر دوله الصغيرة بوضعه لأسماء قريً ومدن مجهولة هجرها النسيان كشينغن وستراسبورغ وماستريخت على خريطة النفوذ العالمي، فشل فشلاً مهولاً في دمج المهاجرين الباحثين عن مستقبلٍ ورديٍ في أرضٍ بلون الحليب والعسل.
ويكاد يدهش المرء لرؤية «غيتوهات» تشابه تلك التي انتشرت إبان الحقبة السوداء قبل نحو سبعة عقود على بعد عشرات الأمتار فقط من مقار أعتى المؤسسات الأوروبية بدلاً من وضعهم في خانة الشركاء المساهمين الذين تمكنوا عبر أجيالٍ عديدة من إعادة بناء ما دمرته حروب لم يكونوا طرفاً فيها.
ويبقى الاقتصاد المجال الوحيد الذي برع فيه أحفاد ديكارت وريمان وأويلر الذين لم يدر بخلدهم أن أبحاثهم الرياضية سوف تفضي في نهاية المطاف إلى ولادة اليورو الذي نافس الدولار وخاض ضده معارك المضاربين في ساحات البورصات قبل أن يستريح الطرفان ولو إلى حين.
رؤوف بكر