في هذه الحلقة نعرض لتطورات دخول أميركا السباق مع المنافس الروسي من أجل ارتياد الفضاء.. مع الإشارة بالذات إلى عملية انتقاء رواد الفضاء الأميركيين الذين خاضوا اختبارات ومن ثم تصفيات إلى أن استقر الأمر على 8 رواد من واقع 110 من أمهر الطيارين في السلاح الجوي بالولايات المتحدة.

وتشير الحلقة إلى أن حلم النزول على القمر كان قد راود مفكرين وأدباء منذ القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ما بين الفرنسي فيرن إلى الإنجليزي ويلز.. ثم تتحول الحلقة إلى ملابسات اختراع رقيقة - شريحة المايكروشب التي أحدثت تطورا باهرا في دنيا الحاسوب (الكومبيوتر) منذ بداياته على شكل كائن شبه خرافي في أعوام الخمسينات. وتختتم الحلقة بإشارة إلى الزائر الشاب القادم من جزيرة اسمها كوبا تجاور جنوبي الولايات المتحدة المطل على البحر الكاريبي.

كان بديهيا منذ 50 عاما أن يحتكر السباق الفضائي كل من الكتلتين الكبيرتين في عالم ذلك الزمان وهما الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية. من هنا نعرف من سطور الفصل التاسع أن يوم التاسع من أبريل عام 1959 كان يوما فاصلا في «روزنامة» الاستكشاف الأميركي لأجواء الفضاء الخارجي.

في 9/4 من العام المذكور دعت وكالة «ناسا» الفضائية الأميركية إلى مؤتمر صحفي استهدفت فيه تقديم أول رواد اختارتهم أميركا كي يحلقوا في الفضاء الخارجي. كانوا 7 رواد تم اختيارهم لحساب البعثات الأولى إلى الفضاء.. كانت الوكالة الفضائية قد بدأت العملية بحشد 110 من أمهر الطيارين العسكريين الذين خضعوا لاختبارات الفحص واللياقة البدنية والنفسية، وفي فبراير 1959 تم اختصار هذه القائمة لتضم 69 طيارا فقط، ومن ثم عاودوا الاختصار طبقا لنتائج اختبارات أدق وأصعب ليصبح العدد 56 طيارا مرشحا.

هؤلاء المرشحون اخضعوا بدورهم إلى عملية تصفية نهائية تألفت بنودها مما يصفه المؤلف بأنه كان «بطارية» اختبارات جسمانية وعقلية وسيكولوجية إلى أن حصلت وكالة ناسا على مجموعة السبعة المنتقاة. يومها حارت البرية في توصيف أو تسمية هؤلاء السبعة. بادرت الصحافة إلى حل المشكلة فأطلقت على هؤلاء السبعة الوصف التالي: رجال الفضاء. وبديهي أن صادفت تلك التسمية ما صادفته من انتشار وشيوع بكل اللغات.

بيد أن إدارات العلاقات العامة داخل وكالة ناسا أوضحت أنها تفضل تسمية أخرى هي: ملاحو الفضاء. وكان أهل العلاقات العامة يلمحون بهذا إلى التراث الكلاسيكي القديم الموروث عن مضامين الميثولوجيا عند الإغريق، وبخاصة ما يتعلق برحلة أسطورية حملت بطلها «جاسون» على متن السفينة «أرغوناوت» عبر البحار المجهولة والمحيطات غير المأهولة بحثا عن «الجزّة الذهبية» .

وهي جزء من خروف أسطوري يشكل الحصول عليها رمزا لأشواق البشر إلى ارتياد المجهول: كان على أميركا والعالم.. بقدر ما كان على هؤلاء السبعة المختارين الذين ذاعت أسماؤهم في الدنيا أن ينتظروا نحوا من عشر سنوات قبل أن يتمكن الإنسان من النزول فوق سطح القمر.

يقول المؤلف في هذا السياق (ص73): كان المجال الفضائي الذي تتلألأ في أجواءه نجوم السماء يشكل باستمرار جزء من حلم التحليق إلى هذه الفضاءات على مدار قرن سبق من عمر الزمان الحديث: بدأ هذا الحلم منذ أيام القرن التاسع عشر حين نشر الفرنسي جول فيرن كتابه بعنوان «من الأرض إلى القمر» عام 1865، ومع مفتتح القرن العشرين نشر الإنجليزي ه.ج ويلز كتابه بعنوان «أول رجال في القمر» عام 1901.

بداية اسمها سبوتنيك

صحيح أن الأمر على مدار السنوات الخمسين الأولى من القرن العشرين ظل في حدود الحلم والشوق ورؤي الاستشراف وحسابات التوقع لكن الأصح أن جاءت سنة 1957، وبالتحديد جاء شهر أكتوبر من ذلك العام فإذا بالأحلام وقد كادت تشارف أرض الواقع وإذا بالأشواق وقد قاربت مضمار التجسيد والتحقيق.. لماذا؟

كان السبب هو إطلاق الاتحاد السوفيتي في أكتوبر 1957 أول مركبة فضائية خلع عليها الكرملين اسم «سبوتنيك» وعرفتها الصحافة العربية بأنها القمر الصناعي ؟ والأصح هو الاصطناعي السوفيتي. وفي كل حال جاء إطلاق السوفييت قمرهم «سبوتنيك» عام 57 ومن بعده سفينتهم «لونا» إلى الفضاء الخارجي في عام 59، ثم جاء إطلاق الأميركان سفينتهم بايونير في بدايات صيف العام المذكور ؟ جاء هذا كله ليشكل اختراقا أو فتحا أو حتى فتحة يطل منها إنسان كوكب الأرض على مجالي الكون المودعة أسرارا وغوامض في أجواز الفضاء.

وبقدر ما أن هذه الفتوحات ألهبت خيالات الشعراء والروائيين المبدعين، فإنها شكلت مزيدا من التحديات أمام علماء المختبرات والاختصاصيين في علوم الحسابات الدقيقة.. أو هي علوم الضبط والتدقيق بشكل عام.

لقد ظل الإنسان عبر التاريخ شغوفا بحكاية العدّ والإحصاء وظل مشغولا بأمر الأرقام وحساباتها. شهد تاريخ الحضارات والثقافات العريقة إنجازات وأضافات بل فتوحات باهرة منذ أيام المصريين القدماء إلى أيام البابليين إلى نظريات الرياضي الإغريقي فيثاغورث إلى أن كان الإنجاز الباهر في علوم الجبر والحساب الذي تم على يد عالم الرياضيات المسلم «أبوبكر الخوارزمي» عليه رحمة الله.

مع هذا كله.. يؤكد المؤلف أن لعبة الأرقام كانت باستمرار من المعضلات الصعبة أمام الإنسان، وكان على الإنسان أن يحشد قدراته الذهنية وبحوثه العلمية كي يتغلب على سطوة الأرقام.. أو فلنقل كي يسقط الأرقام من علياء سطوتها أو طغيانها على نحو ما يقول عنوان الفصل العاشر من هذا الكتاب.

كائن رقيق غيّر العالم

والمهم أن عامنا إياه 1959 شهد فتحا مبينا في مجال علوم الضبط والدقة والرياضيات والحسابات بشكل عام. فلما كان يوم 24 مارس عام 1959، وفيما كان القوم يحتفلون بالمعرض التجاري السنوي في مدينة نيويورك فوجئ رواد المعرض بذلك الإعلان الذي أذاعته مؤسسة «تكساس انسترمنتس» وكانت إحدى أهم شركات الالكترونيات بأميركا في تلك الفترة.

يحكي المؤلف عن هذه الواقعة (ص77) يقول: يومها أعلنت شركة تكساس المذكورة للالكترونيات عن طرح أداة سوف تنطوي على تغيير العالم بشكل جذري وعميق على نحو ما فعلته سائر المخترعات الخطيرة التي شهدها العالم في سنوات القرن العشرين.. هذه الأداة هي: الدائرة المتكاملة الصلبة التي ما لبث العالم أن عرفها واستخدمها تحت الاسم الشائع التالي:

الشريحة (المايكروشب). ويستطرد المؤلف قائلا: بغير المايكروشب إياها لم يكن مقدرا للعديد من الأدوات والأجهزة المستجدة على حياة البشرية أن تتواجد وتعمل وتفيد الناس.. أجهزة من قبيل الحاسوب (الكومبيوتر) الشخصي وشبكة الانترنت العالمية.

وينطبق نفس الشئ على أي جهاز أو أداة يستخدم التكنولوجيا الرقمية (ديجيتال) بل ينسحب على أجهزة أو أدوات بسيطة في بساطة الآلة الحاسبة التي نحملها في جيوبنا. ومن عجب أن شريحة المايكروشب إياها لم تأت كما قد نتصور على يد فريق من العلماء أو كوكبة من الباحثين والاختصاصيين. لقد جاءت على يد رجل واحد كان يعمل بمفرده.. ولم يكن مختصا بعلوم الفيزياء أو الجوامد بل كان مهندسا اسمه بالكامل «جون سان كلير كليبي».

درس صاحبنا الهندسة ونال درجة الماجستير من جامعة وسكونسون واهتم بعمليات تصغير الأدوات والأجهزة المستخدمة ما بين المكاتب والمؤسسات والبيوت وساعده على ذلك أو فلنقل تحدّاه ما سبق إليه في عام 1947 «ويليام شوكلي» الذي توصل في تلك السنة إلى اختراع جهاز الترانزستورز في مختبرات «بِلْ» فأنجز بذلك ما يصفه مؤلف كتابنا بأنه ثورة في عالم الالكترونيات.

والمهم أن «كليبي» عكف على فكرة التوصل إلى شظية المواد الصلبة البالغة الرقة من حيث السماكة ولكنها تجسد دائرة متكاملة في عالم الالكترونيات. وقد أمضى صاحبنا شهور الصيف من عام 1958 عاكفا على فكرته في المختبر الذي يعمل فيه من مؤسسة تكساس للالكترونيات. كان قد اختار العمل رغم حرارة الصيف بعد أن فارقه زملاؤه من المهندسين والفيزيائيين لقضاء أجازاتهم الصيفية.

وحش اسمه الكومبيوتر

وفي 12 سبتمبر عام 1958 اجتمع مدراء المؤسسة الالكترونية حول طاولة متواضعة داخل مختبر التجارب العلمية الذي شهد جهود «كليبي» ومحاولاته المضنية.. هنالك اطلعوا على اختراع رقيقة المايكروشب التي توصل إليها. وبعد الإعلان عن الاختراع في معرض نيويورك، كما المحنا، أعلن الاختصاصيون أن هذا الكائن الدقيق المستجد على عالم الالكترونيات والحاسبات الالكترونية هو أهم حدث علمي منذ اختراع الترانزستور.

من ناحية أخرى، يوضح مؤلف الكتاب (ص81) أن الحاسوب (الكومبيوتر) كان وقتها جهازا مستجدا على دنيا العلم والاختراع.. كان آلة يحوطها خليط من الاستغراب أو الطرافة وكأنه كائن قادم من كوكب غريب.. في مقتبل عقد الخمسينات كانت الولايات المتحدة بأسرها لا تضم سوى 20 جهاز حاسوب الكتروني، وكان معظم هذه الأجهزة موجها للأغراض العسكرية.. وفي عام 1954 احتفلت الأوساط المعنية بالتوصل إلى الحاسوب الأميركي العام أو الشامل تحت اسم «يونيفاك»..

وكان الجهاز أقرب إلى شكل وأداء الوحش.. الالكتروني: طوله 8 أقدام وتشغيله يقتضي 8 آلاف أنبوبة، وعرضه يتطلب مساحة تبلغ 220 قدما مربعا أما وزنه فلا يقل عن 5 أطنان بالتمام والكمال.. (قارن ولو للحظة أشكال وأوزان وخفة وطلاوة الحاسوب الشخصي الذي تستخدمه في هذه الأيام) لا عجب أن يضيف المؤلف موضحا أن هذا الكائن شبه الخرافي كان يستعصي امتلاكه لفداحة شأنه ثمنا وحجما واحتياجات في التشغيل على معظم المؤسسات ولو في أميركا، لدرجة أن جاءت سنتنا المحورية في هذا الكتاب فلم تجد في عام 1959 سوى عدد قليل للغاية من شركات أميركا هي التي استطاعت بقدرة قادر كما قد يقال ؟ أن تمتلك واحدا من ذلك النوع الرائد من أجهزة الحواسيب.

وعندما استثمروا اختراع المايكروشب استطاعوا أن يضفوا التغييرات المرتقبة على الحاسوب فكان أن توصلت شركة آي. بي.إم إلى جهاز أخف وزنا وأصغر حجما وأعلى من حيث الكفاءة في إجراء أعقد العمليات الحسابية. وحمل صفة الجهاز رقم 1401 الذي استغرق إنجازه كل السنوات الست الفاصلة بين اختراع شرائح أو رقائق المايكروشب في عام 1959 وبين التوصل إلى الحاسوب 1401 في عام ,1965.

وساعد على تمويل العمل خلال تلك السنوات الحاسمة والفاصلة تلك الإمكانات التي حشدها الزبون الرئيسي لهذا النوع من كائنات الحساب الالكتروني.. وكان الزبون ممثلا في المجال العسكري بدوائر البنتاغون وممثلا في المجال المدني بالإدارة المسؤولة في الحكومة الاتحادية عن الضمان الاجتماعي المقدم لملايين المواطنين.

زائر من كوبا

وفيما كان الاختصاصيون قد اجتمعوا في مارس من عام 1959 يتداولون في أمر شريحة المايكروشب ويعقدون على اختراعها آمالهم الطموحة العراض.. كان مطار العاصمة الأميركية واشنطن يستعد في منتصف شهر أبريل من نفس العام لاستقبال ضيف طويل القامة له لحية كثة يدل شعرها الفاحم على ما يتمتع به الزائر من صحة وقوة وشباب..

كانت الطائرة قادمة من إحدى الجزر المجاورة لسواحل ولاية فلوريدا ؟ جنوبي الولايات المتحدة.. كانت جزيرة وادعة في مياه البحر الكاريبي يقصدها السراة ورجال الأعمال الأميركيون للترويح عن النفس في صالوناتها ومغانيها ودور اللهو المنبثة في أنحائها.. ويقصدها البعض الآخر لأغراض تهريب الممنوعات أو التهرب من الضرائب..

ولكن حين جاء عام 1959 تغيرت الدنيا وأصبحت الجزيرة حديث عالم ذلك الزمان، وأصبح الزائر الشاب اسما على كل لسان: الجزيرة اسمها كوبا والزائر اسمه فيديل كاسترو.

الصفحات: 332

الكتاب: 1959 : السنة التي غيّرت العالم

تأليف: فرد كابلان

عرض ومناقشة: محمد الخولي

الناشر: جون ويلي، نيوجيرسي، 2009