هذه الحلقة تجمع عبر الفصلين الثامن والتاسع من الكتاب بين رصد المتغيرات التي طرأت على الإبداع الفني والمستجدات التي حدثت في مجال العلم التطبيقي. حيث عرضت لسيرة نخبة من فناني الكوميديا الذين كانوا طلائع الأسلوب الجديد في فن السخرية، لا من خلال المسرحيات الفكاهية المتعارف عليها، ولكن من خلال فن «الكوميديا الواقفة» التي تعتمد على فنان وحيد يرصد المفارقات والتناقضات في دنيا السياسة والإدارة والفكر والشأن العام. ثم تعرض الحلقة لمرحلة الرعب النووي التي سادت أميركا مع أواخر الخمسينات خوفا من حرب نووية يشّنها الخصم السوفييتي.. في حين تحتم سطورها بإطلاق المركبة الأميركية «بايونير» بعد إطلاق المركبة الروسية «لونيك» بشهرين مؤذنة باندلاع السباق بين معسكري الشرق والغرب على أجواز الفضاء الخارجي.
في عقد الخمسينات كانت مدينة سان فرانسيسكو مقصدا للموهوبين في فن «الكوميديا الواقفة» بالولايات المتحدة.. وهي نوع من الأداء الضاحك الذي لا يتطلب سوى ممثل موهوب في فن الإضحاك.. لا من خلال دور في فيلم أو مسرحية ولكن من خلال الوقوف وحيدا على خشبة مسرح محدود المشاهدين وبعدها ينطلق في سرد الطرائف وإلقاء النكات وتقليد شخصيات المشاهير. ولا بأس من تعليقات ساخرة وأحيانا تهكمية على الأحداث العامة بما في ذلك قرارات السلطات الحاكمة وسلوكيات رجال الدولة وكبار الساسة والمشرّعين.
من كندا جاء الى سان فرانسيسكو شاب موهوب في فن الكوميديا اسمه «مورت سال»: كان والده كاتبا مسرحيا.. فاشلا كما يصفه مؤلف كتابنا، وعاشت أسرته تعاني شظف العيش خلال أزمة الكساد الكبير التي نزلت باقتصادات أميركا وجاراتها على امتداد عقد الثلاثينات.. ثم بدأ الفتى يجرب حظه، مثل عشرات من جيله في دنيا الإضحاك.. وخاصة في مجال الكوميديا الواقفة على نحو ما ألمحنا.
على أن «سال» بدأ اسمه يلمع عندما اختار مزيدا من التركيز على دنيا السياسة بكل مفارقاتها وتناقضاتها حيث لم يتورع عن الغمز واللمز بحق أعضاء الكونجرس وأركان الإدارة الحاكمة على السواء.
الصراع على أشده
كان ذلك في بدايات عقد الخمسينات.. يومها كان الصراع الدولي على أشده بين الروس والأميركيين.. فيما كانت الولايات المتحدة تعاني ما وصفوه بأنه حقبة.. أو فلنقل لعنة المكارثية.. تلك النزعة التي قادها السناتور مكارثي تحت شعار القضاء على خطر الشيوعية التي تصور مكارثي وأعوانه أنها تسللت إلى حياة أميركا وفكرها.. ويومها أيضا رفعوا لهذه المطاردة الشريرة شبه المجنونة شعارا قالوا فيه: « نحن نحارب الأنشطة اللا أميركية».. بمعنى المعادية لصالح أميركا وفكرها وتوجهاتها. وتحت هذا الشعار.. انتعشت المكارثية وطاردت صفوة المفكرين والمبدعين والفنانين في بلادها بدعوى أنهم شيوعيون مستترون.
ولم يفت هذا كله على حسّ التهكم الساخر عند الكوميديان «مورث سال» الذي اشتهرت عنه مقولة كان يرددها في المونولوجات التي كان يقدمها لجمهوره.. وهي: عجيب أمرنا مع خصومنا.. كلما وضع الروس أميركيا في السجن.. سارعت لجنة مكارثي إلى الرد.. بأن تبادر إلى أن تضع في السجن.. أميركيا آخر».
كان نقاد الفن يرون في هذا النوع من الكوميديا إرهاصا بأن المجتمع الأميركي، ومن ثم مجتمع العالم يتعرض لتيارات التغيير.. وهي التيارات التي ذاعت معها شهرة هؤلاء الفنانين حتى أن «مورث سال» إياه كان يتقاضى نحو 7 آلاف دولارا أسبوعيا وهو مبلغ، يؤكد المؤلف، كان يشكل دخْل أسرة أميركية بأكملها في السنة وطبعا بمقاييس ذلك الزمان.
لم يكن هذا النجاح ليفوت مصممي حملة السناتور المثقف جون فيتزجيرالد كيندي الذي كان يستعد أيامها لخوض معركة الرئاسة الأميركية.
وعندما حل عام ,1959. اتصل مخططو الحملة الانتخابية طالبين من الكوميديان «سال» أن يكتب عددا من الطرائف والنكات التي يرصعون بها خطابات المرشح جون كيندي خاصة وهو يطرح نفسه ممثلا ورمزا لجيل الشباب بعيدا عن جيل الكهول والمخضرمين القدامى في معمعة السياسة الأميركية.
ولأن «سال» كان فنانا مطبوعا وموهوبا فقد استجاب للطلب وسمع الناس.. الشباب الأميركي بالذات.. خطابات لمرشحهم كيندي تحفل بالطرافة وتشهد لصاحبها السناتور الشاب بخفة الدم وطلاوة الحديث.
في هجاء كيندي
لكن لأن «سال» كان فنانا مطبوعا وموهوبا فقد دفعت به آفة، أو حتى لوثة، الفن الى الاستمرار في التنكيت والسخرية لدرجة أن بدأ ينقلب على ولي نعمته فإذا به يوجه سهام السخرية والتهكم الى كيندي شخصيا!
هكذا بدأ عام 1959 بنكات وطرائف حببت الناس في جون كيندي مرشحا.. وانتهى العام المذكور بنكات وطرائف وسخريات من نفس المرشح الذي فاز بالطبع في الانتخابات.
بعد هذا الفوز.. ومع مطالع عام 1960 أمر الرئيس كيندي معاونيه فقرروا طرد «مورث سال» نهائيا من دائرة الحظوة المقربة إلى وجدان الرئيس الجديد وكانوا يسألون الفنان عما آلت عليه الأحوال فيجيب قائلا:
- أنا أهاجم كل الناس.. تلك هي مهنتي.
ويعلق مؤلف كتابنا قائلا:
ومع منتصف الستينيات.. جاءت النهاية الحزينة.. صحيح أن «مورث سال» ورفاقه قدموا تعريفا مغايرا ومفهوما مستجدا لفن الكوميديا.. وصحيح أن بلغوا ذروة هذا المرتقى في عام ,1959. لكن الأحداث والملابسات والتطورات ما لبثت أن دفعت بهذه النوعية من الفنانين إلى المصير المحتوم.. وهو: أن لم يعد بوسعهم إثارة الضحكة ولا حتى البسمة من جانب المشاهدين أو المستمعين.
التفكير المستحيل
لكن غروب شمس هؤلاء الفنانين سبقتها ظاهرة شروق شمس جاءت خيوطها الوهاجة من الناحية الأخرى تماما من حياة أميركا. كان ذلك بالتحديد في ربيع عام 1959.
عن هذه الظاهرة المستجدة.. والجادة أيضا يحدثنا الفصل الثامن من هذا الكتاب ويكفي أن يحمل الفصل العنوان التالي: التفكير في ما يستحيل التفكير فيه.
والمقصود مباشرة هو:
التفكير والتدبر.. التعامل والتحوط بشأن الحرب النووية من حيث علومها وخوض غمارها وصد غوائلها والبقاء بعدها على قيد الحياة. في هذا الإطار لمع اسم «هيرمان كاهن»: كان عمره في ربيع 1959 نحو 37 عاما.. كان متخصصا ضليعا في علم الفيزياء.. قرر يومها أن يجوب الولايات المتحدة في كل أنحائها يلقي محاضرات وينشر صنوف التوعية والتنبيه بالنسبة للحرب النووية.. عمل زميلا في مؤسسة «راند» البحثية الشهيرة التي استمدت اسمها من عبارة «البحث والتطوير» في اللغة الإنجليزية وأنصّب معظم تركيزها على تطوير التسلح وارتياد آفاق وإمكانات الطاقة النووية.
أيامها قرر العالم الفيزيائي الشاب أن يأخذ اجازة من «راند» وأن ينطلق في محاضراته التحذيرية إزاء خطر ماحق وشامل وداهم لأمن أمريكا والشعب الأمريكي.
ومن عجب أن 1959 كانت سنة الوساوس والهواجس التي أقضّت مضاجع مواطنيه إزاء أشباح ما يمكن أن نسميه مع سطور كتابنا بأنه خطر أو كارثة الفناء النووي.
في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب (ص64):
في تلك الفترة بالذات أدلى مسؤولو الدفاع المدني الاتحاديون بشهادة أمام الكونغرس أكدوا فيها أن من شأن هجوم نووي (روسي طبعا) حتى ولو كان من حجم متوسط أو معتدل أن يشهد السوفييت وهم يلقون 263 قنبلة هيدروجينية على 70 مدينة و151 قاعدة جوية في أميركا بما يفضي إلى مصرع 23 مليون مواطن أميركي والى إصابة 26 مليون آخرين بجروح قاتلة مع تدمير ما يبلغ نصف مساكن الشعب الأميركي.. هذا بالإضافة الى أن التجارب النووية التي كان يجربها وقتها الجانبان السوفييتي والأميركي في الفضاء تلحق أضرار التلوث الإشعاعي بأجواء كوكب الأرض وموارده ويكفي أنها ترفع مستوى تلوث الحليب بنسبة تصل الى 90 في المائة.
سيناريوهات من الخيال
هكذا ؟ وعلى نحو ما يسهب في بيانه هذا الفصل المهم من الكتاب - كان الأميركيون منذ 50 عاما.. وفي سنة 1959 بالذات، كانوا في حال من الرعب الشديد إزاء ما كانوا يصورّونه بأنه خطر سوفيتي بالغ الفداحة إلى حد رهيب: بل كان الغرب في مجموعة يخشى من هجوم بقوات وإمكانات سوفييتية كاسحة مما يهدد الحياة والحضارة في أوروبا وأميركا.
هذه المخاوف التي بلغت ذروتها في عام 1959 اختلط فيها الإحصاء المحسوب مع سيناريوهات الخيال وامتزجت فيها الحسابات والتوقعات العسكرية المنهجية مع شطحات التصور القائم على أساس كوابيس ظلت تؤرق أهل الغرب في أوروبا وأميركا، يستوي في ذلك صانع القرار عسكريا كان أو مدنيا ما بين نخبة العلماء والمفكرين وعامة الناس.
لم يكن صدفة إذن أن تعقد جلسات مطولة مع مقتبل عقد الستينيات بين أهل العلم وصناع السينما. ويروي المؤلف في حاشية الفصل الثامن كيف أن المخرج الكبير «ستانلي كوبريك» تأثر بتلك المقولات عن صور الفناء أو الإفناء النووي.. وخاصة ما أصبح يعرف باسم «آلة يوم القيامة ؟ نهاية العالم» وذلك في فيلمه الذي أنتجه عام 1964 بعنوان: «الدكتور سترانحيلوف» حول عواقب الصراع النووي.. وقد عقد كوبريك صداقة وطيدة مع أستاذ الفيزياء «كاهن» وبلغت هذه المؤثرات الحد الذي جعل المخرج الموهوب يقتبس فقرات كاملة لحوار الفيلم ومشاهده من كتاب «كاهن» الذي ذاعت شهرته في تلك الأيام وقد صدر تحت عنوان «الحرب الحرارية النووية».
وفيما كان هذا الرعب النووي الذي اجتاح عقول ووجدان أهل الغرب يشكل جانبا سلبيا من حالة الذعر التي سادت أواخر الخمسينات من القرن الماضي.. فقد جاءت سنة 1959 لتشهد الجانب الإيجابي من هذه الحالة أو هذه الظاهرة.
هذا الجانب يشهد بدوره للنخب الأميركية التي لم يسبب لها الرعب حالة من العجز عن التصرف.. ولكن دفعها من جانب آخر إلى الانصراف نحو العمل والانطلاق إلى عالم الابتكار والتجديد كي تكون طرفا فاعلا وقادرا على الصمود في منافسة تحدد الفرق بين الحياة والحضارة وبين الدمار والفناء.
الصفحات: 332
الكتاب: 1959 : السنة التي غيّرت العالم
تأليف: فرد كابلان
عرض ومناقشة: محمد الخولي
الناشر: جون ويلي، نيوجيرسي، 2009
