يتميز النظام السياسي في الولايات المتحدة بالكثير من الخصوصية التي جعلت منه نظاماً فريداً من نوعه بين ديمقراطيات العالم في عصرنا الحديث. فرغم أن الأميركيين يتجهون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم لاختيار رئيسهم مرةً كل أربعة أعوام، إلا أن أصواتهم تلك تذهب سديً ليس لتزويرٍ ولا لتدليسٍ بل لأن هناك بكل بساطة من يقرر عنهم من كبار الناخبين المنضوين تحت لواء المجمع الانتخابي الذي يتكون من 538 عضواً.
وحرص الآباء المؤسسون للولايات المتحدة على ألا تجد الولايات صغيرة الحجم والتأثير نفسها فريسةً لتلك الكبيرة والغنية، فعمدوا إلى التقليل ما أمكن من سطوة القوة البشرية التي تشكلها الولايات الكبيرة. وفي خاصيةٍ أخرى تنفرد بها واشنطن، لا يسمح للرئيس الأميركي الحكم لأكثر من ولايتين متتاليتين مدة كل منهما أربعة أعوام، على أن يعود بعد ذلك مواطناً أميركياً عادياً يحظر عليه الترشح مجدداً. وهو أمر يختلف على سبيل المثال عن حال النظام السياسي لدى منافسة الولايات المتحدة اللدودة روسيا التي يحاول رئيس وزرائه الحالي وسيد الكرملين سابقاً فلاديمير بوتين العودة إلى سدة الحكم بعد أن سلم الراية إلى حليفه ديمتري مدفيديف.
وعدا عن كل ما سبق، تتميز الولايات المتحدة بكونها ألغت من قاموسها السياسي منصب رئيس الوزراء الذي يعتبر في العديد من الديمقراطيات المنصب الأول في هرم الدولة.
ولهذا السبب لا تستخدم وسائل الإعلام مصطلح «الحكومة الأميركية» عند حديثها عن البيت الأبيض بل تشير إليها ب«الإدارة» الأميركية، حيث لا حكومة بدون رئيس ولا مجلس للوزراء بدون شخص يقودهم. وعليه، فإن وزراء الإدارة الحالية ال15 يتبعون مباشرةً لسلطة الرئيس باراك أوباما ونائبه جو بايدن الذي يعتبر بمثابة رئيس الوزراء والشخصية الثانية في الحكم المخول بتوليه في حالة وفاة أوباما أو عجزه عن أداء مهامه.
ولعل من أراد إقصاء رئاسة الوزراء عن التركيبة السياسية في الولايات المتحدة فطن إلى النزاعات والمناكفات التي يمكن أن تنشب بين الرئيس ورئيس الحكومة وهو ما حصل ويحصل في دولٍ مثل فرنسا أو دولٍ أخرى جعلت من منصب الرئاسة فخرياً فإذا بالرئيس يتمرد على قيودٍ دستورية وضعت بقفازاتٍ ديمقراطية.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن مفهوم «الحزبية» في الولايات المتحدة يختلف بشكلٍ كبير عنه في أوروبا أو بقية الأنظمة الديمقراطية. فالحياة الحزبية هناك تتميز بخلوها من الأدلجة الممنهجة والدعائية وتفتقد للأنصار الناشطين الذين ينظمون التجمعات السياسية والانتخابية ويحاولون جاهدين ضم المواطنين إلى حزبهم المفضل أو التصويت له اللهم إلا في شهر نوفمبر من كل أربعة أعوام حيث تميل تلك النشاطات إلى الشخصانية الواضحة بتركيزها على أداء المرشح وخلفيته وكاريزميته.
وبحسب الدستور الأميركي، يمسك نائب الرئيس بتلابيب رئاسة مجلس الشيوخ ويتزعم جلساته وهو أيضاً المرشح الأوفر حظاً لخلافة رئيسه ويتمتع طبقاً لذلك بسلطاتٍ واسعة النطاق. وفي التاريخ القريب، شهدت أميركا تسلم جورج بوش الأب الحكم إثر انتهاء ولايتي رونالد ريغان، في حين سعى آل غور عبثاً إلى مد عمر قبض الحزب الديمقراطي على مقاليد البيت الأبيض إلى 12 عاماً على الأقل لكن المجمع الانتخابي في ولاية فلوريدا خيب آماله بفارق أصواتٍ ضئيلة. أما الرئيس السابق جورج بوش الابن، فعرف نائباً أثير الكثير من الجدل بشأنه هو ديك تشيني والذي اعتبره كثيرون المحرك الفعلي لمعظم القرارات التي اتخذت إبان حكمهما بين عامي 2000 و2008. ولأن النقد طاله بشكلٍ حاد، فضل تشيني ألا يعمل بالتقليد المتبع وأبى الترشح ليفتح صفحة جديدة في كتاب نائب الرئيس.
رؤوف بكر
